عميد معهد البحوث الإقليمية بجامعة صان يات سون
في 30 مايو 2024، ألقى الرئيس الصيني شي جين بينغ كلمة رئيسية في الجلسة الافتتاحية للدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي، أكد من خلالها على ضرورة بناء العلاقات الصينية العربية كنموذج يحتذى به لصيانة السلام والاستقرار في العالم، وكنموذج يحتذى به للتعاون في بناء "الحزام والطريق" بجودة عالية، وكمثال لتعايش الحضارات المختلفة بسلام، وكنموذج يحتذى به للتعايش المتناغم بين مختلف الحضارات، كنموذج يحتذى به لاستكشاف الطريق الصحيح للحوكمة العالمية.
وأعرب عن استعداده للعمل مع الجانب العربي على بناء "المعادلات الخمس للتعاون" على أساس الإنجازات المهمة التي تم تحقيقها في إطار العمل الجاد بين الصين والعالم العربي في مبادرة "الأعمال الثمانية المشتركة" التي طرحت خلال القمة الصينية العربية الأولى، بغية تسريع وتيرة بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك.
وتتمثل هذه المعادلات الخمس للتعاون في: معادلة أكثر حيوية للتعاون المدفوع بالابتكار، ومعادلة أكبر حجماً للتعاون الاستثماري والمالي، ومعادلة أكثر تكاملاً للتعاون في مجال الطاقة، ومعادلة أكثر توازناً للتعاون الاقتصادي والتجاري المتبادل المنفعة، ومعادلة أوسع أبعاداً للتواصل الثقافي والشعبي.
قبل عشر سنوات، تحديدًا في 5 يونيو 2014، ألقى الرئيس شي جين بينغ كلمة بعنوان " تجسيد روح طريق الحرير وتعميق التعاون الصيني العربي" خلال الجلسة الافتتاحية للدورة السادسة من الاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي، طرح فيها تشكيل إطار تعاون "1+2+3"، حيث يمثل "1" ضرورة اتخاذ التعاون في مجال الطاقة كقاعدة أساسية، ويمثل "2" ضرورة اتخاذ مجالي البنية التحتية وتسهيل التجارة والاستثمارات كجناحين، ويقصد "3" باعتبار 3 مجالات ذات تكنولوجيا متقدمة كنقاط اختراق تشمل الطاقة النووية والفضاء والأقمار الاصطناعية والطاقات الجديدة.
خلال العقد الماضي، من إطار تعاون "1+2+3" إلى "المعادلات الخمس للتعاون"، شهد التعاون الصيني العربي زيادة في السرعة ورفع للجودة، ودخلت العلاقات الصينية العربية باستمرار إلى مرحلة جديدة. وفي هذا الصدد، لدي خمس ملاحظات:
أولاً: "المعادلات الخمس للتعاون" هي استمرار وتعميق وتوسيع لإطار تعاون "1+2+3"، لا تقتصر فقط على استمرار المجالات التقليدية للتعاون، بل تشمل أيضًا التعمق في بعض مجالات التعاون، وحتى تتضمن مجالات جديدة تتكيف مع التغيرات الدولية وتتوافق مع خصوصيات الطرفين المطلوبة.
بشكل محدد، يعتبر التعاون في مجالات الطاقة النفطية والغازية والتجارة الثنائية وقطاع البنية التحتية شريان الحياة في عملية التعاون الصيني والعربي، وهي مجالات التعاون التقليدية التي لا يمكن تغييرها؛ بينما تعدّ الطاقة المتجددة مجالًا يعمل على تعميق التعاون فيه، حيث تتوسع المساحة للتعاون مع الدول العربية نظرًا لتزايد التفوق الصيني في البحث والتطوير والإنتاج في مجال الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة، وتحول الصناعة نحو التطور المتقدم؛ أما مجالات التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي والطائرات المدنية والعملة الرقمية للبنوك المركزية، فهي بمثابة نموذج على المجالات الجديدة للتعاون. من بينها، يمكن أن يصبح التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي نقطة بارزة في التعاون الصيني العربي في المستقبل.
كان خطاب الرئيس شي جين بينغ قد ذكر فيه "الذكاء الاصطناعي" خمس مرات، وهو أمر مثير للإعجاب. في الواقع، تتمتع الصين بالتفوق في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي، بينما تتحلي الدول العربية بالرغبة وميزة الاستثمار في تطوير الذكاء الاصطناعي.
إذا تمكّن الجانبان من تحقيق التعاون في مجالات التقنية والحوكمة والاستثمار والتمويل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، فإنه يمكن أن يكون ذلك نموذجًا يحتذى به للتعاون الدولي بين بلدان الجنوب في مجال الذكاء الاصطناعي، ويساهم في تحقيق حق الكلام الدولي لبلدان الجنوب في هذا المجال.
ثانياً: سيحتل التعاون في مجال الابتكار التكنولوجي موقعًا بارزًا في التعاون الصيني العربي. يتم تعيين المعادلة الأولى في "المعادلات الخمس للتعاون" كـ "معادلة أكثر حيوية للتعاون المدفوع بالابتكار"، بدلاً من المجالات التقليدية، وهو ما يتماشى ليس فقط مع الكلمات الرئيسية الأولى المتمثلة في الفكر التنموي الجديد في الصين -- " الابتكار، التناسق، الخضرة، الانفتاح، والتمتع المشترك" ولكنه يعكس أيضًا استجابة صريحة من الجانب الصيني للاحتياجات الملحة للجانب العربي للتنمية المدعومة بالابتكار.
في الوقت الحالي، تواجه الدول العربية تحولاً عميقًا، حيث رفعت العديد من الدول التنمية المدعومة بالابتكار إلى المستوى الاستراتيجي، تكون الصين، باعتبارها دولة رائدة في مجال الابتكار، تتعاون مع الدول العربية في مجال التكنولوجيا المتقدمة، الأمر الذي يساعد الدول العربية على تحقيق تحول التطوير والانطلاق في طريق التحديث بشكل ناجح، لأن الابتكار، لا سيما الابتكار الذاتي، هو أحد مكونات التحديث الرئيسية ومعاييره.
أعرب الجانب الصيني عن رغبته في التعاون مع الجانب العربي في بناء 10 مختبرات مشتركة في المجالات بما فيها الحياة والصحة والذكاء الاصطناعي والتنمية الخضراء والمنخفضة الكربون والزراعة الحديثة والمعلومات الفضائية.
هذا يعكس الاستعدادات الصينية لمشاركة ميزاتها التكنولوجية الرائدة مع الدول العربية، وهو يختلف تمامًا عن ممارسات بعض الدول الغربية التي تقوم ببناء الحواجز على التقنية المتقدمة وتفرض حظرًا على التكنولوجيا الرائدة.
ثالثاً: "المعادلات الخمس للتعاون" تتناسب أكثر مع احتياجات التنمية في الدول العربية، مما يظهر أن الصين تضع نفسها في مكان الدول العربية من حيث التفكير في المسائل. يعرب الجانب الصيني عن ترحيبه بمشاركة الجانب العربي بنشاط في معرض الصين الدولي للاستيراد، ويتطلع إلى توسيع استيراد المنتجات غير الطاقوية من الجانب العربي، خاصة المنتجات الزراعية وذلك نظراً لخصوصية مكونات الصادرات في بعض الدول العربية التي تعاني من النقصان في الموارد النفطية والغازية؛ كما يرحب برغبة الدول العربية في إصدار "سندات الباندا" في الصين، وذلك نتيجة للأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الضخمة للتمويل في بعض الدول العربية؛ كما يرحب بالمؤسسات المصرفية العربية للانضمام إلى نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود(CIPS)، وذلك بسبب مراعاة عدم كفاية احتياطيات النقود الأجنبية لبعض الدول العربية بالدولار الأمريكي؛ و يبذل جهوداً مع الجانب العربي في وصول العدد الإجمالي للسياح المتوجهين إلى الطرف الآخر في غضون السنوات الخمس المقبلة إلى 10 ملايين سائح، وهذا يأتي بالدرجة الأولى نظراً لإمكانية المساهمة الكبيرة التي يمكن أن يقدمها السياح الصينيون في إعادة إحياء صناعة السياحة في الدول العربية التي تمتلك الموارد السياحية الغنية بعد فترة ما بعد الجائحة.
في الواقع، سيكون معظم هؤلاء السياح الذين يبلغ عددهم 10 ملايين سائح القادمين للسياحة في الدول العربية من الصين. إذا كانت نفقة كل سائح تبلغ في المتوسط 10 آلاف يوان صيني (وهو رقم محافظ بشكل واضح)، فسيساهم ذلك في توفير إيرادات سياحية مهمة تبلغ متوسطها 20 مليار يوان سنويًا.
رابعاً: "المعادلات الخمس للتعاون" تتماشى بشكل كبير مع مبادرة التنمية العالمية التي طرحتها الصين سابقًا، مما يعكس الثبات السياسي والتوقعات المتوقعة للإجراءات التي تدعمها الصين للتنمية العالمية.
جوهر "المعادلات الخمس للتعاون" هو التعاون الإنمائي، حيث تشمل مجالات مهمة للتعاون الإنمائي من التعاون في الابتكار التكنولوجي إلى التعاون في التمويل والاستثمار والطاقة والتجارة والاقتصاد، بالإضافة إلى تبادل الخبرات في حكم البلاد وإدارتها.
يمكن القول إن "المعادلات الخمس للتعاون" هي إجراءات عملية للصين والدول العربية للسير سويًا في طريق التحديث، وهي تطبيق محدد لموضوع "السير سويًا في طريق التحديث" الذي طرحه الرئيس شي جين بينغ في خطابه الرئيسي خلال الحوار الرفيع المستوى بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب السياسية في العالم في مارس 2023.
ومن الجدير بالذكر أن "معادلة أوسع أبعادا للتواصل الثقافي والشعبي" من "المعادلات الخمس للتعاون" يشمل تسريع وتيرة بناء الرابطة الصينية العربية للمؤسسات الفكرية. إن معهد البحوث الإقليمية في جامعة صان يات سون، باعتباره عضواً صينياً في هذه الرابطة، سيستفيد بشكل كامل من ميزات البحث والتكنولوجيا التي تتمتع بها جامعة صان يات سون في مجالات مثل المزارع البحرية، وتكنولوجيا الفضاء، والصحة العامة، وإدارة الفقر، وسيشارك هذه الخبرات مع الدول العربية.
على طريق الحرير القديم، تعارفت وتواصلت الصين والدول العربية، وتعاونت وتألقت معًا، مما خلف قصصًا جميلة في تاريخ الحضارة الإنسانية؛ وعلى طريق الحرير المعاصر، تترابط وتتعلم الصين والدول العربية، مما يجعل روح الحرير وروح الصداقة الصينية العربية تتمثل في قصص التعاون الإنمائي.
في الوقت الحالي، بناء "المعادلات الخمس للتعاون" بين الصين والدول العربية ليس فقط مثالًا للتعاون بين بلدان الجنوب، بل هو أيضًا إجراء عملي من قبل الصين لتعزيز التنمية العالمية وبناء مجتمع التنمية المشتركة للبشرية.
كما تعكس الالتزامات والتعهدات للصين كدولة كبيرة مسؤولة في خطابات القائد الوطني ستتجسد بشكل أكبر في عمليات تنفيذ المشاريع المتتابعة، تمامًا كما نرى على أرض الدول العربية في السنوات الأخيرة حين شاركت الصين في تنمية وبناء الدول العربية وقدمت مساهمة في تحقيق رؤى التنمية لدول العربية.
أخيرًا، أتمنى السعادة والتوفيق للدول العربية ولأصدقائي العرب! أتمنى للجميع الاستمتاع بالرخاء الناجم عن التنمية في بيئة سليمة وآمنة.