مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

ترامب بعد انتخابات الكونجرس

دخل الرئيس الأمريكي ترامب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأسبوع الماضي. وحزبه الجمهوري يسيطر علي مجلسيه: النواب والشيوخ. بأغلبية مناسبة. وخرج منها محتفظاً بأغلبية في مجلس الشيوخ وحده. بينما انتزع منه الحزب الديمقراطي المعارض. أو المنافس. الأغلبية في مجلس النواب.
وفي أول تعليق له علي نتيجة الانتخابات فور إعلانها. تجاهل ترامب تماماً الجانب السلبي منها. رغم أهميته البالغة. وهو فشل حزبه في الاحتفاظ بأغلبيته في مجلس النواب. وركز فقط علي فوزه بأغلبية مجلس الشيوخ. وبالغ في تصويره علي أنه انتصار تاريخي. وأن هذا الانتصار راجع إلي "سحره الشخصي" لدي الناخبين. وأن كل المرشحين الذين دعمهم شخصياً. هم من فازوا في هذه الانتخابات.
المبالغة في الاحتفاء بالنتيجة عكست شعورين متضاربين لدي الرئيس ترامب. أولهما أنه ربما كان يتوقع نتيجة أسوأ. وهي فوز الديمقراطيين بأغلبية المجلسين. وثانيهما رغبته في التغطية علي فشله في قيادة حزبه للاحتفاظ بسيطرته علي المجلسين معاً.
نتيجة الانتخابات لن يبدأ تفعيلها إلا يوم الثالث من يناير القادم.. وفقاً للدستور الأمريكي ــ وهو اليوم الذي يعقد فيه الكونجرس بمجلسيه بتشكيلهما الجديد أول اجتماع مشترك إيذاناً ببدء ممارستهما لمسئولياتهما الدستورية.
بالمناسبة. يوم 17 نوفمبر الحالي ــ بعد غد ــ تمر 218 سنة علي انتقال الكونجرس إلي العاصمة الأمريكية واشنطن. وعقده أول اجتماع له يوم 17 نوفمبر 1800 في مبناه الحالي المعروف بمبني الكابيتول. بعد أن كان يعقد اجتماعاته قبل ذلك في نيويورك وفي فلوريدا.
ما يعنينا هنا. هو مدي تأثير نتيجة هذه الانتخابات علي الرئيس الأمريكي ترامب وسياساته خلال السنتين الباقيتين له في فترة رئاسته الحالية. ثم علي فرصه في الانتخابات الرئاسية القادمة في نوفمبر 2020 والتي ينوي خوضها للفوز بفترة رئاسة ثانية.
الحقيقة التي أسفرت عنها الانتخابات. هي أن ترامب يدخل نصف فترته الرئاسية القادمة حتي عام 2020 وهو أقل قوة. وأكثر عرضة للمشاكل.
لقد كان يحلق. خلال العامين الماضيين بجناحين: الشيوخ والنواب. فأصبح عليه أن يحلق بجناح واحد خلال العامين القادمين.
هذا الوضع. ليس غريباً ولا جديداً في السياسة الأمريكية.. لقد تكرر مرات عديدة أن يكون الرئيس جمهورياً والكونجرس بمجلسيه أو أحدهما ديمقراطياً. أو العكس.. دون أن تتوقف الحياة أو يختل التوازن.
آخر مثال علي ذلك. هو سيطرة الجمهوريين علي الكونجرس بمجلسيه خلال آخر سنتين من رئاسة الرئيس السابق أوباما "2016-2014".
بالطبع حين تكون أغلبية الكونجرس من الحزب المعارض. فإن ذلك يسبب متاعب للرئيس. ويعرقل بعض خططه. ويبطئ من تنفيذ بعضها الآخر. وباختصار. يغل قدرة الرئيس علي التصرف. وأحياناً يشل هذه القدرة. لكن الأمور تنتهي في كل مرة بتسوية سياسية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لصالح البلاد.
علي الجانب الآخر. يمكن القول إن فترة العامين الماضيين لم تكن فترة مريحة تماماً لترامب. ولم يكن مطلق اليد فيها رغم سيطرة حزبه الجمهوري علي الكونجرس بمجلسيه. وكان ذلك راجعاً. في الأساس. إلي عاملين:
الأول: أن الأقلية الديمقراطية في المجلسين كانت منظمة جيداً ومتمرسة علي المعارضة ولديها قيادة مؤثرة.. صحيح أنها لا تستطيع تمرير مشروع قانون أو قرار عند التصويت. لكنها قادرة علي التأثير علي التوجهات والتيارات العامة.
الثاني: أن ترامب نفسه ساعد علي ذلك.. فقد كانت سياساته سواء في الداخل أو الخارج بمثابة انقلاب شبه كامل علي القواعد التقليدية المستقرة في المجتمع الأمريكي. وفي التعامل الدولي. مما أثار ضده جانباً كبيراً من الرأي العام الداخلي والخارجي. بل ولقي معارضة من قيادات مؤثرة داخل حزبه الجمهوري نفسه. وعلي رأسها السناتور الراحل "جون ماكين" الذي بلغ في رفضه لترامب وسياساته أن أوصي قبل أيام من وفاته بعدم السماح لترامب بالمشاركة في تشييع جنازته.
لذلك سنجد أن ترامب اضطر للتراجع عن مواقفه المبدئية في بعض القضايا وفي مقدمتها قضية الهجرة. سواء تحت ضغط الرأي العام حين نزل الأمريكيون إلي الشارع معترضين. أو تحت ضغط السلطة القضائية التي أوقفت تنفيذ بعض قراراته. ولم تسعفه في ذلك أغلبية حزبه في الكونجرس.
بالتأكيد. الرئيس ترامب يدرك تماماً الآن. أنه مقبل علي ما هو أسوأ.
والأسوأ هنا. هو خوف ترامب من احتمال قيام مجلس النواب بأغلبية الديمقراطية المعارضة بالبدء في إجراءات التحقيق معه في قضية التدخل الروسي المفترض في الانتخابات الرئاسية الماضية لصالحه. أو في ملف تعارض المصالح. المفترض بين ترامب رجل الأعمال وإمبراطوريته العقارية وامتداداتها الخارجية. وترامب الرئيس. وما إذا كانت هناك شُبهة انتهاك للدستور فيها.
وفي مسألة التحقيق مع الرئيس يوفر الدستور الأمريكي التوازن بين مجلسي الكونجرس. فيعطي لمجلس النواب ــ منفرداًــ سلطة توجيه الاتهام للرئيس. بينما يعطي لمجلس الشيوخ ــ منفرداً أيضاً ــ سلطة إجراء التحقيق مع الرئيس أو محاكمته. حيث يتحول المجلس بكامل هيئته إلي محكمة أو هيئة محلفين. ويصدر الحكم بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين.
وخلال التاريخ الأمريكي كله. تعرض ثلاثة رؤساء فقط لهذا الموقف من بين 45 رئيساً. والثلاثة هم: "أندرو جونسون" الديمقراطي عام 1868 بتهمة إقالة وزير الحربية دون إخطار الكونجرس. وحوكم ولم تتم إدانته.. و"ريتشارد نيكسون" "الجمهوري" في فضيحة "ووترجيت" الشهيرة عام 1974 بتهمة التنصت علي أعضاء الكونجرس. واكتفي الكونجرس باستقالته. أما الثالث والأخير فهو "بيل كلينتون" "الديمقراطي" في فضيحة "مونيكا" متدربة البيت الأبيض. وتمت تبرئته بعد اعترافه واعتذاره.
هل يكون "ترامب" "الجمهوري" هو الرابع الذي يُحال للتحقيق والمحاكمة؟!!
حتي الآن. اتخذ ترامب إجراءين احترازيين يؤكدان أنه يعيش بالفعل هاجس احتمال محاكمته:
الإجراء الأول هو إقالة وزير العدل المؤيد للتحقيق الذي يجريه المحقق المستقل "مولر" في ملف التدخل الروسي المفترض في الانتخابات الرئاسية. وتكليف نائب الوزير بتسيير أمور الوزارة. وهو معارض لهذا التحقيق. فإن لديه من الوسائل ما سيرد به علي هذه الإجراءات.
ولذلك ما أن سمع ترامب تصريحات النائبة الديمقراطية المخضرمة "نانسي بيلوسي" وهي رئيسة سابقة لمجلس النواب في عهد أوباما. بالدعوة لتعاون الحزبين والمجلسين. حتي تعلق بقشتها. وأشاد بروحها. ووصفها بأنها أصلح من يتولي قيادة مجلس النواب مجدداً.