بأفكارهم ورؤاهم الخلَّاقة الطموحة.. يحدثون تحولات كبرى عند توليهم المسئولية.. يبنون قواعد مجد ترفع شأنهم وشأن مؤسساتهم، وتجعلهم جزءًا لا ينسى من تاريخ المؤسسات والدول سواءً بسواء.
وقد عرفت دار التحرير للطبع والنشر «الجمهورية» رجلين من طراز رفيع، نجحا باقتدار فى دفع إصداريها الرئيسيين الجمهورية والمساء على طريق الريادة والتميز، أحدهما هو الكاتب الصحفى الكبير محسن محمد الذى رفع توزيع العدد الأسبوعى للجمهورية إلى أرقام غير مسبوقة، والآخر هو سمير رجب الذى أسهم فى نهضة الجمهورية ونجح فى تحويل المساء من جريدة «ميتة» إلى أوسع الصحف المسائية انتشارًا.
سمير رجب كان ولا يزال كاتبًا من طراز فريد، وقائدًا إداريًا ناجحاً، يعرف كيف يصل للهدف من أقرب طريق، له أسلوبه الصحفى المتميز وقاموسه اللغوى الخاص، يصيب المعنى من أقصر طريق.. بعبارة بسيطة اللفظ، عميقة المعنى والمغزي، يملك حسًا لغويًا لا يخطئ، وذائقة صحفية بعضها فطرى وبعضها مكتسب.. وهو مهنى ماهر وصاحب قلم جريء.
عرفت سمير رجب طاقة عطاء لا تنضب، ويكفى أنه يفهم طبيعة البشر ويعامل كل واحد بما يناسب شخصيته وطبيعة نفسه.. ويعرف كيف يسوس من معه فى حزم لا يعرف المهادنة ولين لا يغرى بالكسل والإهمال والتراخي..يضع كل شخص فى مكانه ويحسن توظيف من حوله، كلًا فى مكانه.
استهل حياته محررًا فوق العادة بالمطار، وما أدراك ما «المطار»، إنه دولة مصغرة فيها الغادى والرائح، والحكايات والأسرار، نجح فى وضع اسمه بين الكبار بل لعله فى رأيى أشهر من عمل فى هذا المكان وترك بصمة يصعب تجاهلها..حقق انفرادات صحفية أشاد بها الجميع وفى مقدمتهم الكاتب الصحفى الكبير الراحل موسى صبرى وقد اختاره محسن محمد مديرًا لتحرير الجمهورية الأسبوعى الذى حقق بفضل سمير رجب قفزات كبيرة فى التوزيع.
يمتاز سمير رجب بلمسات إبداعية فى العناوين الصحفية، والعمل المتواصل دون كلل أو ملل، حتى أنه كان يمر بنفسه على مكاتب المحررين ليكلفهم كلاً فى نطاق اختصاصه، بما هو مطلوب منهم، سواءٌ كانت متابعة أو حوارًا أو تحقيقًا..وأذكر أنه طلب مني، وكنت يومها محرراً لشئون وزارة النقل والمواصلات والاتصالات، طلب تحديد موعد مع الوزير سليمان متولى أشهر من تولى حقيبة النقل فى مصر لمدة تزيد على 20 عامًا..وبالفعل وافق الوزير «متولي» على تحديد الموعد فورًا وأجرينا معه حوارًا فوجئت به منشورًا وعليه اسمى عليه مجاوراً لاسم الكاتب الكبير سمير رجب وبنفس «البنط» على صفحات الجمهورية.
نجاحات سمير رجب دفعت محسن محمد لترشيحه للرئيس السادات ليتولى رئاسة تحرير «المساء» التى لم يكن توزيعها يتجاوز يومها 5 آلاف نسخة، وقد انطلق بها لأوسع الآفاق توزيعًا وتأثيرًا، وقبل موافقته على هذا المنصب.. ونظراً لعلاقتى الوثيقة به فقد طلبنى سمير رجب يسألني: ما رأيك لو توليت رئاسة تحرير «المساء»، فبادرته مندهشًا: كيف تترك «الجمهورية الأسبوعي»، وقد قفزتَ بتوزيعها مرات ومرات..لكنه قال: بل سأقبل التحدي..وبالفعل نجح فى تحويلها من جريدة «خاملة» محدودة التأثير إلى أوسع الصحف المسائية انتشارًا فى الشرق الأوسط، كما أصبح «محرروها» فى مصاف نظرائهم بالصحف الصباحية القومية، وأذكر أن سمير رجب كان يتصل فى الصباح الباكر برئيس الوزراء د.فؤاد محيى الدين رئيس الوزراء أيامها لينفرد بأخبار تميزها عن الصحف الأخري.
لقد دبت الحياة فى جريدة «المساء» وصار لها قراؤها وجمهورها بفضل سمير رجب الذى جعل منها خلية نحل تضم صحفيين شباباً وكبارا صاروا قوة مؤثرة لا يستهان بها فى الرأى العام، واكتسبت المساء مذاقها «الشعبوي» كصحيفة محببة لقلوب طائفة كبيرة من القراء أحبوا فيها متابعتها الدءوبة لأهم قضاياهم الحيوية، كما امتازت بأبواب صحفية متفردة كالرياضة والحوادث والمحافظات والشكاوي، كما استحوذ باب «قلبى يسأل» على إعجاب المتلقين الذين حرصوا على متابعته بشغف والتواصل معه بمتعة وانسجام وتفاعل غير مسبوق.
يُحسب لـ «سمير رجب» أنه أحيا جريدة «راكدة» وبعث الحياة فى أوصالها، ورفع توزيعها وجعلها جريدة قومية بطعم المعارضة خدمة للوطن واستشرافاً لهموم المواطن الذى كافأها بالإقبال عليها والحرص على شرائها كل مساء.
وأمام هذا النجاح والتميز الذى حققه سمير رجب فقد كافأه الرئيس الأسبق حسنى مبارك باختياره رئيسًا لمجلس إدارة دار التحرير بجانب رئاسة تحرير «المساء» التى تركها بعدها ليرأس مجلس إدارة وتحرير «الجمهورية».
اهتم رجب بالبشر والحجر معاً، ونجح فى تشييد مبنى ضخم لدار التحرير بشارع رمسيس بوسط القاهرة، وهو المبنى الذى جرى تصميمه على هيئة كتاب مفتوح ويضم أحدث مطبعة صحفية وقتها وقد افتتح الرئيس «مبارك» المبنى والمطبعة لتنتقل دار التحرير نقلة نوعية بوأتها مرتبة الصدارة بين الصحف القومية.
وفى عهد سمير رجب تمت ترقيتى نائبًا أول لرئيس تحرير الجمهورية ومشرفًا على قسم الخدمات الصحفية المتميزة (139 جمهورية) الذى كلفنى بتأسيسه والإشراف عليه وقد ترددت فى البداية فى قبول المهمة حتى أنه قال للدكتور أحمد نظيف وكان وزيرًا للاتصالات حيئذ إن «الزميل على هاشم يرفض أن يدير «139 جمهورية» ذلك الرقم المميز الذى اختير بعناية فائقة للتفاعل مع المواطنين لكنى أمام هذا الحماس لم أجد بدًا من الموافقة على قبول تلك المهمة إلى جانب عملى الأصلي.. وبالفعل طلبت منه أن يترك لى مهمة اختيار أفراد القسم بنفسي، على أن تكون الزميلة جمالات يونس نائبة لي.. وقد أجاب «طلبي» على الفور لينطلق هذا القسم الوليد لأداء رسالته الصحفية والإنسانية متسلحاً بأحدث أدوات التكنولوجيا والاتصالات، متفاعلاً مع الجمهور محققًا نجاحًا مدويًّا بفضل حسن التواصل مع الجمهور والحكومة وعرض القضايا وتلقى الشكاوى وحلها مع المسئولين لحظة بلحظة.
مواقف كثيرة عشتها مع سمير رجب الذى فاجأنى يوماً باتصال تليفونى يبلغنى أنه رشحنى لرئاسة تحرير المساء، فقلت له دون تردد: كيف وأنت تعلم أنى أحب عملى بالجمهورية ولا أتطلع للعمل بغيرها، ودعوت الله بينى وبين نفسى ألا أغادر عملى بالجمهورية ولو إلى رئاسة تحرير أى جريدة أخري، وهو ما قد لا يصدقه البعض..لكنه ما حدث فعلاً.. ومضت الأيام وفوجئت به يقول لى فى اتصال آخر: «يبدو أن التغيير قد حان أوانه ولا مفر منه» فى إشارة إلى مغادرته منصبه بالجمهورية».. فبادرته بالقول» لقد أديت واجبك على أكمل وجه ولا يبقى للصحفى إلا قلمه واسمه..وأنت تكتب بالفعل مقالاً مؤثرًا له جمهوره وقراؤه..».
وقد طُلب من رؤساء مجالس الإدارة ورؤساء التحرير المغادرين لمناصبهم ان يرشحوا من يخلفونهم فيها ورغم أن صحف المعارضة وقتها ذكرت اسمى بين المرشحين فى دار التحرير ورغم قربى من الاستاذ سمير الذى لا يكاد يمضى يوم دون أن يجرى بيننا اتصال هاتفى فإننى لم أفاتحه فى الأمر حتى أننى فوجئت بترشيح غيرى لرئاسة تحرير الجمهورية ورئاسة مجلس إدارتها فى التغييرات التى جرت إبان 2005 حيث فوجئت به يبلغنى فى الثامنة صباحا بأن التغيير تم بالفعل وسرد لى بعض الأسماء مؤكدا أن هناك من كان يقف ضد ترشيحى فقلت له إننى لم أطلب منك يوما أن ترقينى ولا أن ترشحنى لأى منصب قيادى بالمؤسسة.. ربما قلت ذلك وفى داخلى شيء من الزعل لكنه لم يغير شيئا من حبى الدائم للأستاذ سمير رجب متعه الله بالصحة، فعلاقتنا أقوى من أى منصب أو عرض زائل وما جمعه الله لا يمكن للأيام أن تفرقه.. ولا أنسى أبدا أنه ما من مرة اجتمع بوزير أو برئيس وزراء إلا ودعانى للجلوس معه حتى أننى ربما أكون قد جالستهم جميعا بفضله.. وما أكثر ما كان يدعوهم إلى دار التحرير لإجراء حوارات صحفية أو لحضور مناسبات وفعاليات ترعاها المؤسسة أيام مجدها وريادتها وهيبتها التى صنعها سمير رجب ولا تزال تذكره الأجيال له ضمن إنجازاته ومآثره الكثيرة.
وقد أتاح سمير رجب الفرصة لى لكتابة عمود صحفى بالجمهورية الأسبوعى رغم صغر سنى ولا أذكر أنه اعترض أو رفض أى نقد بناء وجهته للحكومة ووزرائها ومسئوليها.
والحق أقول إننى عشت أياما كثيرة حلوة مع سمير رجب تعلمت منه الكثير والكثير فى دروب المهنة الشائكة، ذلك أننى كنت أقرأ عموده (حكايات) بالجمهورية الأسبوعى منذ كنت طالبا فى الإعلام وكان هو محررا للمطار .. أعجبنى براعة وجاذبية أسلوبه..أما مواقفه الإنسانية فهى أكبر من أن تحصيها هذه السطور.. ويكفى أننى حين مرضت ومكثت بالمركز الطبى العالمى ٤٥ يوما كان يتصل بى يوميا للسؤال عن صحتى فإذا تعذر الكلام معى طلب ابنى عبدالرحمن أو كبار الأطباء ليطمئن على أحوالى دون كلل أو ملل.
هذا هو سمير رجب الصحفى العصامى والإنسان الذى كان له فضل على كثيرين.. ونجح فى تنفيذ مشروع يفتح أبواب الرزق لمئات الصحفيين وأسرهم ومن استحق بالفعل لقب «ظاهرة صحفية» جديرة بالدراسة والاهتمام..ومن هذه الزاوية أرى أن سمير رجب يستحق التكريم النقابى لأنه أحيا جريدة المساء وشيد أكبر مبنى صحفى لدار التحرير وأحدث مطبعة صحفية ولا يقدح فى قيمته أنه كان يدافع بشدة عن الرئيس مبارك لكنه فقد كان فى الوقت ذاته يوجه نقدا لاذعا للحكومة والمسئولين وخصوصا فى كبسولاته الأسبوعية بالجمهورية كل خميس والتى اشتهرت بقوة تأثيرها السياسى وسرعة مردودها فى الواقع.. ولا يزال قلمه شابا ينبض بالحياة ويفيض بالحيوية أطال الله فى عمره ومتعه بالصحة والعافية..فهو ظاهرة صحفية جديرة بالاهتمام والدراسة والإعجاب.
ويبقى أن الجمهورية ظلت منذ نشأتها حافلة بقامات سياسية وصحفية كبيرة عملت فيها أو كتبت على صفحاتها وأذكر منهم الرئيس السادات وعميد الأدب العربى د.طه حسين وهى شخصيات تركت بصماتها فى جريدتنا العريقة.. لكن سيظل محسن محمد وسمير رجب أبرز من أسهموا فى نهضتها وتحولاتها الكبري.