جرت عادتي عندما أكتب عن أحد كتب التنمية البشرية أن أقدم الكتاب بسطور قليلة ألخص فيها فكرته العامة.. لكنني هذه المرة لم أجد أفضل من تلك الكلمات التي ختم بها الكاتب الأمريكي د. روبرت أنتوني كتابه "الأسرار الكاملة للثقة بالنفس" لتكون مدخلا ومفتتحا لقرائته من جديد..
"عندما تكتشف أسرار وكيفية الثقة في النفس سوف يظهر شخصك الجديد الناجح, سوف تكون صاحب قوة واتجاه وعمل مخطط له جيدا, سوف تقهر المعتقدات الخاطئة التي كانت تعوق تقدمك, سوف تكون شخصا ودودا لا يمكن أن يكون وحيدا أبدا, سوف تكون شخصا يعتمد على نفسه ويتحكم في مصيره, ولن تكون في حاجة إلى إدانة نفسك أو الآخرين, سوف تكون شخصا متزنا متعاطفا ومتوحدا مع الآخرين, سوف تكون منفتحا ومتقبلا لقيم وأفكار ومعتقدات جديدة, سوف تتمتع بصحة جيدة وحياة جميلة, سوف تتعلم أن تحب نفسك وتحب الآخرين أكثر من أي وقت مضى, سترى صورة مشرقة وجديدة لنفسك عندما تخوض إحدى أعظم المغامرات إثارة في حياتك، لأنك بمجرد أن تلزم نفسك ببناء الثقة التامة بنفسك فإنك لن تكون نفس الشخص كنت عليه من قبل".
تذكرت وأنا أتصفح الفصول الأولى من هذا الكتاب إحدى مقولات الأديب العراقي الراحل جبرا إبراهيم جبرا على لسان بطل روايته الغريبة "الغرف الأخري" .."كيف كنت سأعرف أن الحقيقة كما هى ..لا كما كنت أتصورها"..هذه هي النقطة الأولى التي يطرحها د.روبرت أنتوني كمحور لفصله الأول الذي عنونه بـ"إيقاظ نفسك من التنويم المغناطيسي" حيث يؤكد بشروحات مطولة أن الخطوة الأولى أو السر الأول لاستعادة قدراتك الحقيقية هو أن تدرك أن لديك أفكارا خاطئة عن نفسك وعن إمكانياتك يمكنك تغييرها حين تؤمن بأن لديك قوة كبيرة تحتاج منك فقط أن تعيد صياغتها من جديد بعيدا حتى عن معتقداتك الشخصية عن نفسك ..تأكد أن لديك حقيقة أخرى أكثر قوة وأكثر قدرة على الفعل ..حقيقة تختلف عما نشأت عليه فيما يشبهه الكاتب بحالة من التنويم المغناطيسي نخضع لها جميعا وتدور حياتنا وقناعاتنا داخلها ..حقيقة لم نشارك نحن في صنعها لكننا تشربناها من خلال المحيط الذي نعيش فيه, وشكلت وعينا عن أنفسنا على مدى سنوات من العمر طال أو قصر ..حقيقة تحتاج لجهد كبير للتخلص منها أو تغييرها لرؤية الجانب الآخر من قوتنا الخفية التي لا ندرك مدى ما يمكن أن تساهم به في تغيير حياتنا للأفضل.
يشبه أنتوني آليات تقوية الثقة بالنفس باكتشاف الأسرار الكامنة داخل كل منا ويحددها في أربعة عشر سرا هي عدد فصول الكتاب فعليا ويكشف –حسب رؤيته- في كل فصل سرا جديدا يمكنك في حال اكتشافه أن تخطو خطوة واسعة في سبيل استعادة حقيقة نفسك الإيجابية في كل الأحوال, حيث يشجع الكاتب في فصله الثاني على التحرر من العبودية للأفكار القديمة عن الذات من خلال الاعتماد على النفس والاستقلال في رؤية وإدارة شئونك الخاصة بعيدا عن الآخرين حتى على مستوى الفكرة لأنك تستطيع ذلك بالفعل بمفردك, وينصح بكل قوة "أعتمد علي نفسك فقط وتخلص من آفة الإتكالية على الآخرين ليس لأنك اناني أو انطوائي أو لاتحب الآخرين لكن لأنك بالفعل تستطيع فعل كل شيء بنفسك بشرط التخلص من الفكرة الخاطئة بأن الآخرين أبرع منك"..يؤكد الكاتب أن الشخص الذي يقرر الاعتماد على نفسه فقط هو بالفعل قادر على مواجهة تحديات الحياة بكل صلابة وقوة, ويواصل درب أولادك على ان يتخذوا قرارهم بالاعتماد على الذات مبكرا جدا لأنهم سيضطرون لاتخاذ هذا القرار في مرحلة ما دون إعداد مسبق, حينها سيدركون أن اتخاذ القرار المصيري يحتاج إلى الشجاعة التي يؤكد أن عكسها الخضوع والتبعية وليس الجبن.
الغريب ان أنتوني يتخذ موقفا سلبيا من فكرة المنافسة ويرى أنها تتعارض مع الثقة بالنفس لان التنافس- حسب رؤيته - يعني محاولة اثبات قدراتك للآخرين ويطالب "حاول أن تحقق ما تريد دون النظر للآخرين فالمنافسة تتعارض مع الإبداع لأنها تأخذك في اتجاه آخر بعيدا عما يحقق لك السعادة الشخصية بانغماسك المفرط في التنافس الذي يعني اثبات شئ ربما لا يدخل في حساباتك من الأساس", ويرى أن الانشغال بذلك يعطل ابداعك الذاتي لصالح حسابات اخرى والحل هو أن تتخلص من المقارنة والخضوع والاتكال والتنافس .."كن انت نفسك كما تحب أن تكون ..انت رقم مستقل في الحياة يمكنك صنع الحياة التي تريدها دون النظر لما يفعله أو يرغب فيه الآخرون".
يصف أنتوني قبول الذات بكل مافيها والاعتزاز بها بالسر الأكبر ويعدد الصفات التي تكشف الشخص الذي يحمل تقديرا متدنيا لذاته ومن أهمها العدوانية, والطمع, والتظاهر, وكثرة الشكوى واللوم, والحاجة العدوانية للفوز والسيطرة وتصيد الأخطاء للآخرين, والحاجة الملحة والدائمة للفت الإنتباه والاستحسان من المحيطين, والتردد والتسويف والاكتئاب وقلة الأصدقاء المقربين, والرثاء الدائم للذات, وهي عيوب ومظاهر يجب التخلص منها فورا لتنمية الإحساس بالثقة, لذلك يسمي تقدير الذات فنا من فنون الحياة يحتاج لجهد ورغبة قوية لتحقيقه لأن تقدير الذات كما هي بكل حقيقتها الفعلية خطوة مهمة للثقة فيها بقدراتها وامكانياتها اللامحدودة لأنك لن تستطيع أن تكون أفضل من التقدير الذي تحمله لنفسك, حيث يصبح عليك من الضروري قبول واقعك الحالي باعتباره واقعا حقيقيا يمكن تغييره ببذل الجهد اللازم لتغييره بامكانياتك الحالية وفي الوقت الحالي, ولأن تحقيق أي نجاح في تغير الواقع للأفضل مهما كان بسيطا يمثل للإنسان مدعاة للفخر ومؤشرا مهما لزيادة مقدار الثقة بالنفس, وفي هذا الإطار يطرح الكاتب رؤيته الخاصة لتغيير العادات السلبية بأخرى ايجابية خلال مدة لا تتجاوز 21 يوما من خلال الإلتزام بوصاياه في نمط جديد للحياة والاستمرار عليه مهما كان مستوى التغيير بسيطا, ثم محاولة تحسينه بصورة مستمرة .
يشدد الكاتب في أحد فصول أو أسرار الكتاب على التخلص بصورة قاطعة من إحساس الشعور بالذنب تجاه الآخرين على كل المستويات العاطفية والعملية والعلاقات الاجتماعية مذكرا أنك تتصرف في كل مرة حسب مستوى وعيك الحالي, لذلك لاتضع نفسك دائما في موضع النقد طالما لم يكن هناك تقصيرا فعليا منك تجاه النفسك أو تجاه الآخرين..وتذكر أن أي فعل قمت به في وقت ما من حياتك كان حسب قدراتك ومعرفتك في تلك اللحظة وبالتأكيد دون قصد سيئ .
يضع أنتوني الحب كواحد من أهم أسرار الثقة بالنفس لدى الإنسان ..الحب بمعناه المثالي والمجرد الذي لا يعرف الشروط ..لكن قبل أن تبحث عن شخص يحبك إبدأ أولا بحب نفسك وحاول إسعادها بقدر ما تستطيع – طبعا في إطار الضوابط الأخلاقية والدينية -..يستعين الكاتب بمقولة رائعة لرجل الدين الأمريكي أميت فوكس عن الحب "الفهم الكافي للحب يتغلب على أي شيء, ليست هناك صعوبة لا يستطيع الحب الحقيقي قهرها, ولا مرض لا يستطيع شفاؤه, ولا باب لايستطيع فتحه, ولا شعور بالذنب لايستطيع تجاوزه, ولا جدار لا يستطيع هدمه, ولا خطيئة لا يستطيع تجاوزها, الحب شعور إنساني عظيم يستطيع أن يرفعك لأعلى الآفاق".
يطالب الكاتب في واحد من أهم أسرار بناء الثقة بالنفس بأن تجعل العقل مشروعك الخاص, منوها بالمقولة المعروفة في علم التنمية البشرية "أن الإنسان ليس هو ما يعتقد أنه هو ولكن هو ما يفكر فيه", أي ما يسوقه إليه عقله الباطن من أفكار وتصورات نفسية وذهنية عن نفسه وعن واقعه المحيط وعن قدراته وإمكانياته, ومهما كانت طموحاتك ورغباتك العملية فإنه يمكنك تحقيقها طالما استخدمت عقلك بقوة وإيمان بأنك تستطيع ..السر هو الرغبة الجامحة والخيال القوي الذي يستطيع إيقاظ كل القدرات الكامنة داخلك وهى الأساس القوي الذي يشحن طاقتك الداخلية بالثقة الكبيرة بأنك تستطيع فعل ذلك الحلم أو الخيال في تحقيق الفكرة واقناع عقلك الواعي والباطن بأنك على قدر التحدى مهما كانت قوته, وفي هذه النقطة يحدد الكاتب عدة خطوات لإيقاظ وتشكيل جديد لعقلك الواعي من خلال التعبير والتأكيد اللفظي وبصوت عال- لكي تسمع نفسك- على الأشياء الإيجابية في حياتك وهي إحدى الوسائل المعروفة لتغيير قناعات عقلك الباطن وتقوية الشعور الجاد بالقدرة على الفعل والتخلص من القلق والتوتر والخوف ثم إقناع نفسك بتصور تحقق طموحاتك بالتغيير بالفعل.
يستكمل روبرت أنتوني كشفه لأسرار تقوية الشعور بالذات في عدة نقاط أهمها التغلب على الخوف والقلق تلك الآفة التي تدمر الإنسان داخليا وتقضي على كل أمل له في النجاح, والتحلي بالشجاعة في مواجهة شعور الخوف بكل أنواعه وفي مقدمتها الخوف من الفشل.. وتذكر أن الصفة التي تجمع العظماء على مر التاريخ هي إحساسهم المتنامي كل يوم بقدرتهم على مواجهة مخاوفهم ودواعي القلق لديهم, فالثقة تبدأ من مواجهة التوتر والمخاوف والتسلح بالقوة الكامنة في داخلك .تلك القوة التي يجب أن تدرك حجم التأثير الإيجابي الذي يمكنها أن تصنع في حياتك.
ويختتم انتوني كتابه بالسر الأخير لاكتساب الثقة بالنفس بتغذية التصورات الإيجابية ذهنيا عن ذواتنا وبقدرتنا على الوصول لأهدافنا من خلال التخلص من الأفكار السلبية, والتعلم من الأخطاء, والتركيز على ما يناسبنا من أعمال لأننا سننجزها بصورة أفضل, ويستدعي الكاتب حوارا قصيرا لكنه يحمل الكثير من المعاني التي يريد توصيلها من كتاب "أليس في بلاد العجائب" بين البطلة أليس وبائع القبعات المجنون تعلمه فيه خبرات حياتية لم يكن يعرفها,اهمها أن يتعلم من أخطائه لكي لايفعلها مرة أخرى وأن يتعلم مايحب كي يجيد فعله, وأن يركز على ما يريد ويبعد عقله عما لايريده لأن التركيز سيجعله ينجز بصورة أفضل.