مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

د. حاتم صادق

الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا

تأثير الحرب الروسية الاوكرانية على أمريكا الجنوبية

ما زال من المبكر وضع تصور منطقي لنهاية الحرب المندلعة في أوكرانيا، كما لا يزال من الصعب قياس الأثر الكامل لتداعيات تلك الحرب على الأزمات المتفجرة في العالم، ولكن من الواضح أن التداعيات ستكون متعددة الأبعاد. ولن تقتصر آثارها على المجال العسكري، لكن في الميدان السياسي أيضا خاصة مع قيام أطراف الصراع بإعادة التموضع في مواجهة بعضها بعضاً.
واذا كان من الصعب الحكم علي تأثير الحرب على صراعات الشرق الأوسط نتيجة حجم التداخل والتعقيد لدرجة تتماهي معها خطوط التماس ، فان دول أمريكا اللاتينية تمثل نموذجا واضح التباين ، فهناك دول حققت مكاسب كبيرة من الحرب ، مثل فنزويلا ، ودول آخرى تعمقت فيها الأزمة الاقتصادية لدرجة انتشار الجوع ، وعلى رأس القائمة، البرازيل.
تقرير البنك الدولي الأخير ساهم في دعم مواقف تلك الدول، ورفع البنك من توقعاته حول الناتج المحلى الإجمالى لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبى بنسبة 2.5% هذا العام، بزيادة قدرها 0.2% عما قدرته الاطراف المتعددة الاطراف قبل شهرين، وبحلول عام 2023 ، من المتوقع أن يتباطأ النمو إلى 1.9٪ ، وبحلول عام 2024 سوف يرتفع إلى 2.4٪. تعد التوقعات الخاصة بالمنطقة أقل من التقديرات الخاصة بالأسواق الناشئة في جميع أنحاء العالم، والبالغة 3.4٪ ، وهو متوسط تقوده الصين والهند ، حيث يُتوقع أعلى معدل نمو، وفقا لما نقلته صحيفة "انفوباى" الأرجنتينية.
وأشار تقرير البنك الدولى إلى أن "التباطؤ الإقليمى يعكس تشديد الأوضاع المالية ، وضعف نمو الطلب الخارجى، والتضخم السريع، وعدم اليقين السياسي المرتفع في بعض البلدان"، و يتوقع البنك أن ينمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بأكملها بنسبة 0.6٪ فقط بين عام 2023.
وارتفع الطلب على النفط فى دول أمريكا اللاتينية خلال الربع الأول من عـام 2022 بنحـو 90 ألف برميل يوميا مقارنـة بالربع السابق، ليصل إلى 6.4 مليون برميـل يوميا، وهو مستوى مرتفع بنحو 180 ألف برميل يوميا على أساس سنوى وذلك وفقا لتقرير الأوضاع البترولية العالمية  الربع الأول2022.
رسميا من خلال التصويت في مجلس الامن والأمم المتحدة لادانة الغزو الروسي ، فقد انحازت بعض الدول التي يمكن وصفها مجازا بالديمقراطية إلى الموقف الغربي، بينما اتجهت دول مثل ، بوليفيا، وكوبا، والسلفادور، ونيكاراغوا، وفنزويلا، الي الامتناع عن التصويت أو تان تغيب عن جلسات الأمم المتحدة. لكننا لو تجاوزنا مسألة التصويت ونَظَرنا إلى المشاركة في رعاية القرارات والبيانات المشتركة التي تدين روسيا، أو إلى العقوبات ،فسوف نرى صورة مختلفة تماماً. ومن النادِر أن نَجد دولة في أمريكا اللاتينية شارَكَت الغَرب في فَرْض عقوبات اقتصادية على روسيا. 
وكما قال الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيس أوبرادور: "نحن لَنْ نلجأ إلى أي نوعٍ من الانتقام الاقتصادي، لأننا نَرغَب في إقامة علاقات جَيّدة مع جَميع الحكومات في العالم".
لكن هل يمكن أن نفهم موقف دول أمريكا اللاتينية من الحرب من خلال المنظور الاقتصادي؟.. الإجابة ، هي "لا" في اغلب أظن فدول مثل نيكاراغوا، وكوبا، وفنزويلا تتمتع بعلاقات اقتصادية قوية مع روسيا، لكن هذا لا ينطبق على بقية دول المنطقة. المسألة لا تتعلق بتدفقات التجارة والاستثمار في معظم الحالات. وقد يشعر بعض قادة أمريكا اللاتينية في إبقاء خياراتهم مَفتوحة في حال ظهور نظام عالمي جديد – ربما يكون تحت قيادة الصين. وقد ترغب بعض الدول في التعبير عن عدائِها لأمريكا.
فعلي سبيل المثال ، فقد أعربت البرازيل والأرجنتين والمكسيك عن تحفظها على الإعلان الصادر عن مؤتمر وزراء دفاع دول أمريكا حول الحرب في أوكرانيا. وتضمن الإعلان الختامي الصادر عن الدورة الـ15 لمؤتمر وزراء دفاع أمريكا في برازيليا، إشارة إلى العملية الروسية في أوكرانيا التي تم وصفها بـ"الغزو ولا يمكن اعتبارها وسيلة شرعية لتسوية الخلافات". واعتبرت الأرجنتين والبرازيل أن الأمم المتحدة هي "المنصة التي لها التفويض المناسب لمعالجة النزاع في أوكرانيا"… هكذا يمكن فهم مواقف تلك الدول حاليا في انتظار ما قد تسفر عنه هذه الحرب في الشهور المقبلة، وما اذا كان سيتمخض عنها نظام عالمي جديد يجدون فيه ضالتهم المنشودة أو على الأقل يشعرون فيه بتحسن عام في موقفهم الدولي بعيدا عن الاستقطاب النمطي بين الشرق والغرب، املا في خلق عالم متعدد القطبية.
ولكن يبقى السؤال المطروح هو: إلى متى ستحافظ هذه الدول على مواقفها؟. فكلما طال أمد هذه الحرب، كلما زاد الثمن الذي يتعين على الجميع دفعه مقابل قراراتهم.