مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

د. حاتم صادق

الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا

أمريكا واللعب على الجميع

بعد سنوات من انتهاء الحرب الامريكية على فيتنام التي استمرت قرابة ٢٠ عاما ،بدأت الوثائق الرسمية والتسريبات الصحفية الامريكية تكشف وتتكشف حقيقية هذه الحرب، وكانت الصدمة الكبرى ان الحرب التي قتل فيها اكثر من ٥٨ الف جندي امريكي فضلا عن اكثر من ١٠٠ الف مصاب ومفقود، كان السبب فيها مجموعة من سماسرة الحرب ورجال اعمال علي علاقة وطيدة بشركات صناعة السلاح الامريكية، والهدف هو زيادة مبيعات تلك الشركات بما يعزز من ربحيتها ونموها… اذن الامر كله متعلق بالمال.

نفس التجربة تتكرر حاليا من منظور آخر، ومنذ أسبوعين طرح الملياردير الأمريكي ايلون ماسك اتفاق محتمل لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، تتنازل بموجبه أوكرانيا بشكل دائم عن شبه جزيرة القرم لروسيا، وأن تجرى استفتاءات جديدة تحت رعاية الأمم المتحدة لتحديد مصير الأراضي التي تسيطر عليها روسيا وأن توافق أوكرانيا على أن تصبح دولة محايدة. وطلب ماسك من مستخدمي "تويتر" إبداء رأيهم في خطته، مما أثار انتقادات حادة من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الا ان هذا الاقتراح تم رفضة من جانب الرئيس الاوكراني فلاديمير زلينيسكي.
ومنذ أيام أعاد ماسك تجربته، لكن هذه المرة بين الصين وتايوان، وأشار إلى إمكانية إنهاء التوترات بين الصين وتايوان من خلال تسليم بكين بعض السيطرة على تايوان. وتدير شركة "تيسلا" للسيارات الكهربائية التي يملكها الملياردير الأمريكي مصنعاً كبيراً في شنغهاي.
وقال ماسك إنه يعتقد أن اندلاع صراع في شأن تايوان أمر حتمي. وحذر من تأثيره المحتمل ليس فقط على "تيسلا"، ولكن أيضاً على شركة "أبل" التي تصنع أجهزة "الآيفون" وعلى الاقتصاد على نحو أوسع نطاقاً. 
الجانب الإيجابي، ان كلا الطرفين الروسي والصيني وافقا علي مقترحات ماسك، واعتبروها خطوة جيدة في انهاء النزاعات والحروب.
وفي فبراير، عندما تعطلت الإنترنت في أوكرانيا في أعقاب الهجوم الروسي، رد ماسك على تغريدة مسؤول في الحكومة الأوكرانية يطلب المساعدة.
وقال إن خدمة "ستارلينك" للنطاق العريض عبر الأقمار الصناعية التابعة لـ "سبايس إكس" متاحة في أوكرانيا، وأن الشركة ترسل مزيداً من المحطات الطرفية إلى الجمهورية السوفياتية السابقة.
وكتب ماسك على "تويتر"، "تبلغ كلفة (سبايس إكس) لتمكين ودعم (ستارلينك) في أوكرانيا نحو 80 مليون دولار حتى الآن. دعمنا لروسيا هو صفر دولار. من الواضح أننا مؤيدون لأوكرانيا".
لاشك ان للمال تأثير قوي على البنى الاقتصادية حول العالم، باعتباره القلب النابض لها. ومن الطبيعي ان من يمتلك المزيد منه سوف يمتلك المزيد من القوة والنفوذ. وفي الوقت الحالي اصبحت الشركة الكيان الذي تجتمع لديها رؤوس الاموال الضخمة، ومع مرور الوقت والسعي المحموم للربح، نشأت شركات جبارة تمتلك اصول مالية وموجودات وميزانيات توازي ما لدى دول بأكملها.
ومن ابرز تلك الشركات، الشركات الامريكية التي تخصصت كل منها في مجالات اقتصادية وتجارية مختلفة من صناعة الاسلحة والبترول مرورا بالإعلام وانتهاءا بالمصارف والبنوك. ونظرا لطبيعة التحالفات والتكتلات بينها، اصبح كل منها يهيمن على المجال الذي يعمل فيه ويمارس نوع من الاحتكار والسيطرة على الاسواق. بل ان تلك الشركات الكبرى تجاوزت نطاق عملها، لتتدخل بشكل مباشر وغير مباشر في صناعة القرار السياسي الامريكي، الداخلي منه والخارجي، بما يضمن لها استمرار اعمالها وزيادة ربحها وصيانة مصالحها.
ونظرا للطبيعة الخاصة للنظام السياسي الامريكي، وسبل الحكم والانتخابات هناك، استطاع اصحاب المال تكوين لوبيات تعمل لضمان مصالحهم، حتى وصل الامر إلى تبادل الادوار، فنرى على سبيل المثال رجل الاعمال يصبح سياسيا مخضرما وقد نرى الاخير يدخل إلى معترك التنافس التجاري ليصبح ثريا من الاثرياء.
لذا يمكن الاشارة إلى ان لا غنى للسياسيين الامريكيين عن اصحاب رؤوس الاموال،وكذلك لا غنى للأخيرين عن السياسيين.فهما يكملان بعضهما. فأي سياسي امريكي يحتاج إلى دعم مالي واعلامي من قبل كتلة اقتصادية معينة (غالبا ما تكون شركة كبرى) وفي المقابل يقوم هو (او يطلب منه) ضمان مصالحها عبر القرارات السياسية والاقتصادية. فمن غير اصحاب الثروات الضخمة قادر على التبرع بها، في مقابل استمرار الوضع الراهن او تغييره لمصلحة الجهة الممولة.
ان الشركات الكبرى تلعب دورا في صناعة القرار السياسي الامريكي بما تمتلكه من عناصر القوة الاقتصادية والتأثير السياسي.حتى ان نفوذها امتد على الشعوب ايضا، بما تتمتع به من سلطة اعلامية هائلة تشكل الرأي العام وتتحكم بالأذواق والامزجة.

بقلم د حاتم صادق
 استاذ بجامعة حلوان