اشرنا فى مقالنا السابق "خناقة الدلار والروبل" الى الحرب الدائرة بين العملتين والتى اخذ فيها الدولار صفعة قوية بقرار بوتين بربط الروبل بالذهب وهو ما يفتح الباب على الاستغناء عن الاحتياطى الدولارى فى بعض الدول واستبداله بالعملة الروسية او الذهب، وبذلك نجح الرئيس الروسى فى تحويل المحنة الى منحة
يوم 23 فبر اير كان سعر الدولار مقابل 77 روبل بدات الحرب الروسية فى 27 فبراير وهبط الروبل 9 مارس الى ادنى مستوى مقابل الدولار 139 روبل بما يعادل 44% فى اسبوعين وفى 30 مارس استعاد قوته مرة اخرى ليرتفع الى 83 روبل مقابل الدولارمما يؤكد استعادته قيمته بعد مرة اخرى رغم الحرب والعقوبات!!
السبب فى ذلك يعود الى 28 مارس اعلن البنك المركزى الروسى شراء اى كمية من الدهب بسعر 5 الاف روبل للجرام باقل من السعر العالمى 19%، ويعول الاعلان على اضطرار معظم الدول الغير صديقة لـ روسيا وهم 47 دولة منها امريكا وانجلترا واليابان و اللمملكة المتحدة والاتحاد الاوربى وكل من اتخذ موقف سلبى ضد روسيا على شراء المحروقات بالروبل
ففى الوقت التى تحارب فيه موسكو وتحتاج الى الاموال لتغطية نفقات الحرب وكذلك احتياجات المواطنين، فى الوقت التى جمدت فيه العديد من الدول حسابات روسيا فى الخارج، نجد البنك المركزى يعلن عن شراء اى كميات من الذهب!!
الهدف الروسى هو الضغط على الدول الغير صديقة التى لاغنى لها عن الغاز والنفط بالتراجع عن موقفها او بتكبيدها خسائر اكبر من التى وقعتها على موسكو، بشراء المحروقات الروسية بالذهب بالسعر الذى حددته روسيا، ومن لا يملك الذهب يدفع بالروبل وهو ما سيزيد الطلب على العملة الروسية وفى ظل عدم توفرها لتغطية تلك الصفقات وبالتالى زيادة الطلب على الروبل فترتفع قيمته وتداولة فى البورصات العالمية على حساب الدولار مما يهدد بتضخم العملة الامريكية
الدول الغير صديقة كما اطلق عليها بوتين التى تفرض عليه العقوبات وتناصبه العداء لن ترضخ لهذا الابتزاز كما اطلقت عليه، لكن البدائل اصعب من العرض، فالكميات التى تحتاجها اوروبا ليست بالقليلة وتوفيرها ليس هين، كما انها لو نجحت فى الحصول عليها من دول اخرى سيرتفع سعر الغاز والنفط وستستفيد روسيا ايضا وستشتعل الاسعار بالبورصات العالمية، يبدو ان القيصر لم يترك سؤال الا وكانت لديه الاجابة عليه.
شراء المحروقات بالذهب سيزيد من مخزون موسكو من الذهب وهو من اكبر الاحتياطيات فى العالم وهنا الخطورة على الدولار.. لان ربط الروبل بالذهب سيزيد الطلب والثقة به ويجعل منه احتياطى نقدى جديد، وهو ما يعيد للاذهان كيف خدعت امريكا العالم بحيلة ربط الدولار بالذهب التى ادت لاتفاقية Bretton Woods التى وقعت عليها 44 دولة حول العالم عام 1944
اعتمدت الدولار كاحتياطى نقدى لامتلاك الولايات المتحدة 75% من ذهب العالم ، وكان الدولار الأمريكي هو العملة الوحيدة على مستوى العالم المغطاة بالذهب وهو ما شجع الدول على استخدامه كاحتياطي نقدى، فى حرب فيتنام من العام 1956م – 1975م، تجاوزت الولايات المتحدة الحد المسموح به من الدولارات المطبوعة لتغطية تكاليف الحرب ولم يدرى احد لولا مطالبة الرئيس الفرنسي تشارل ديغول عام 1971م بتحويل 191 مليون دولار الى ذهب، ما انكشف الامر وما اصدر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بيان عام 1973 يلغي فيه التزام الولايات المتحدة بتحويل الدولارات الأمريكية إلى ذهب والتى عرفت لاحقا بـ صدمة نيكسون Nixon Shock الصدمة الاكبر ان الدول التزمت بالتعامل بالدولار خوفا على الاموال المخزنة لديها في الاحتياطي النقدي الأجنبي والا ضاعت اموالها.
والان ونحن أمام أزمة تهدد برسم خارطة اقتصادية عالمية جديدة، هل سنستفيد من تجاربنا الماضية، وننحاز كعرب للخيار الصائب