مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

برقيات

عجز جماعي

 

رئيس مؤتمر ميونخ للأمن فولفغانغ إيشينغر والذي  قضي 14 عاما رئيسا له منذ 2008  ويترأس  حاليا أعماله للمرة الأخيرة في الفترة من 18 إلي 20 فبراير الحالي,  أعلنها صراحة برفعه شعار العجز الجماعي أمام انهيار القيم, والسبب كما أوضح هو تصاعد الأزمات في كل بلاد العالم, والتي  دائما وأبدا ترفع شعارات أخلاقية براقه وهي في الحقيقة لا يحكمها إلا مصالحها المادية ولو علي حساب كل القيم الأخلاقية التي تدعيها. 

   مؤتمر ميونخ للأمن يجتمع  كل عام بحضور رؤساء الدول ووزراء الخارجية لتسوية القضايا الأمنية لكن يبدو أن رئيس المؤتمر الذي رفع هذا  الشعار قد وصل بقناعته إلي آخر المطاف أو كما يقال باللغة العامية "جاب آخره"

بالطبع هو يقصد  بالعجز الجماعي قضايا المناخ والمسئوليات والاتهامات المتبادلة بين الدول الصناعية الكبرى والدول الفقيرة والتي تبدو مشكلة بلا حل حتي الأن, إضافة إلي أزمات الشرق الأوسط والخلافات الأوروبية, والخوف من التنين الصيني, والخوف من أيران, والحرب الروسية الأوكرانية المتوقعة والدور الأمريكي فيها, حتي أنه تناول بالنقد  قضايا التوزيع غير العادل للقاحات كورونا, والأغذية, وقضايا حقوق الأنسان في كل بلدان العالم بلا استثناء.  ولخص  السبب  الحقيقي لكل تلك الأزمات في عبارة  تراجع المبادئ الأخلاقية والعدالة الاجتماعية, وتراجع رعاية السلام في العالم مهما كانت التكلفة, بحسب تعهدات الدول المنتصرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بحماية حق الأنسان في حياة كريمة.

المجتمع الدولي يعترف أن هناك أزمة  أخلاقية واضحة, وان السياسة لا تعرف الأخلاق لكنها تعرف المصالح, وان هناك عجزا جماعيا أمام انهيار منظومة القيم وهي  ذات التعبيرات التي أستخدمها رئيس مؤتمر ميونخ, والتي يمكن ان نستخدمها بلا عناء علي المجتمعات في الداخل, التي باتت تعاني  خللا اجتماعيا واضحا, لدينا فئات تزداد غني وأخري تزداد فقرا, بل وتتسع رقعتهم وأعدادهم, مما يزيد معاناتهم ويضاعف حجم مشاكلهم التي غالبا ما يعجزون عن حلها فتجد الجريمة والشحناء والبغضاء طريقها اليهم, وكم حذرنا من انهيار الطبقة الوسطي في المجتمع..

 يكفي أن نري حجم العنف الأسري الذي تفاقم بشكل بشع واسع وتنوع بين قتل, وضرب, وإهانة, وكل صنوف التعدي, والغريب أن يستقبلها المجتمع ويتعامل معها باعتبارها أمرا عاديا, أو له ما يبرره, اجتماعيا ودينيا , حتي ضرب الرجل زوجته في ليلة عرسها أمام المارة وهي بفستان الفرح ولم يتحرك احد لنجدتها بحجة أنها زوجته من حقه حتي أن يقتلها, وأرجوكم لا تستندوا إلي مقولة أنها جرائم موجودة منذ الأزل لكن الفارق هو سرعة التعريف بوقوعها بفعل وسائل التواصل الاجتماعي, فمهما كانت الحجة فالمشكلة جد خطيرة, ومن غير المقبول القول بأنها حوادث فرية بل هي نتاج أفكار مغلوطة لم تجد من يصححها, مثل  جواز ضرب الزوج لزوجته, وأن  الخلاف فقط في شروط الضرب وكيفيته, فمن صاحب المصلحة في إحياء كل ما هو ضعيف ومحل خلاف بين الفقهاء؟ ومن ذا الذي يحرك إعلاميا تلك القضايا في الوقت الذي يعاني فيه المجتمع من تراجع حقيقي في التعليم والثقافة  وتراجع ملموس في  دور الجهات المنوط بها الارتقاء بالمجتمعات.  

المجتمع يشهد حالة من الجنون والعجز, يفوق ما قصدة رئيس مؤتمر ميونخ للأمن الذي كان يتحدث عن قضايا دولية كبري, لكن المسافة غير بعيدة أبدا بين القضايا الدولية الكبرى, وتأثيرها الداخلي علي المجتمعات , فمن يضمن لنا علي سبيل المثال عدم تأثرنا بالحرب الروسية الأوكرانية, المجتمعات في الداخل تحتاج إلي صحوة كبري قبل أن يغرقها طوفان الانهيار القيمي والأخلاقي, إن لم يكن نال منها بالفعل.

 السلام الاجتماعي في خطر,  ويبدو ان علماء الاجتماع والنفس والتربية والمعتدلين من علماء الدين قد هاجروا إلي بلد أخر لا نعرفه, أو أنهم تقوقعوا داخل أنفسهم وكأن المجتمعات قد وقعت في الفخ المنصوب لها بإحكام وتوصيف الحالة لن يخرج عن عبارة  "عجز جماعي".