جلست راضيه وبين ضلوعها إبنها الوحيد سعد، كانا يبحثان عن دفء عز الحصول عليه في تلك الظروف وهذه الأجواء وسط العشرات من أمهات ثكلى، وأطفال ينهش الجوع أمعائهم وينخر البرد في عظامهم، وآباء ضاق عليهم الحال وانقطع بهم السبيل ولم يعد لهم من ملجأ سوى الملجأ.
كانت بدايات الليلة الثالثة من ليالي فبراير قارسة البرودة في تلك البقعة المنسية عمدًا من العالم، حيث كانت حبات الثلوج تتساقط من السماء وكأنها حجارة من سجيل، تحملها ريح السموم، ريح تقتلع القائم من شجر وحجر وبشر إلا ما رحم ربي، ولا ترحم حتى من استتر خشية مواجهتها من وحشة صوت قصفها المرعب، فقد كانت السماء وكأنها ترجم بثلوجها هؤلاء البشر الذين قد نالت منهم الحرب ونال منهم المرض والجوع والفقر والشتات ما نال.
كانت راضية وسعد يستتران من برد تلك الليلة ولو لدقائق معدودة وسط جموع من جيرانهما اجتمعوا بالخيمة الوحيدة التي تحظى بوسيلة تدفئة بدائية، وشاشة تلفاز عتيقة تلتقط بعضًا من البث الأرضي يحاولون من خلالها لدقائق الاتصال بالعالم الذي نسيهم، ذلك في إحدى المخيمات بمنطقة عفرين في شمال سوريا مخيم من ألف مخيم في تلك المنطقة التي كانت تعج بما يقارب المليون والنصف مليون من المهجرين السوريين الذين شتتتهم وطحنتهم رحى الحرب الضروس.
وقد نسيهم العالم في هذا المخيم واستحال تواصله معهم بعدما قطع تراكم الثلوج الطرق، وطوق البرد الحركة وقيضها، فصاروا في عزلة كاملة بلا ساتر من البرد إلا أقمشة مخيماتهم الملهلهة وبلا طعام وبلا وقود وبلا حياة، يتطلعون جميعًا لقبلة الحياة التي تأتيهم من تلك المؤسسة المسماة بمجموعة المأوى العالمية التابعة للأمم المتحدة بين فترة وأخرى.
وسط هموم راضية المتراكمة تلك والتي اعتلاها كرب زوج ذهب لإدراك نصيبه من الرزق فلا نعلم إن كان قد ضل طريق الرزق أم طريق العودة، جلست راضية تنظر لسعد الذي كان يتلوى من الجوع والبرد، وما كانت لها من حيلة سوى أن ترسم له خيالات تشبعه وتنسج له أحلامًا كاذبة تدفئه، وسط تلك الهموم نزل على مسامعها خبر ما زاد قلبها سوى حسرةً وهمًا، وكأن الكآبة تجيد اصطياد ضحاياها.
فهذا التلفاز اليتيم الذي تنتظر عشرات العائلات منه تسلية قد تنسيهم ما هم به من كرب، تنفس عن كرب جديد، طفل مغربي يدعى ريان في الخامسة من عمره -تماما كابنها سعد- ألقت به الأقدار إلى قاع جب سحيق، وإلى الآن لم يتاح من المقومات على كثرة الجهود ما ينقذه من موت محقق.
نظرت راضية إلى ابنها وضمته لها بشدة، وشعرت في تلك اللحظة بأم ريان، وما يعترك صدرها من لهيب القلق والتوتر خشية الفقد، ذلك اللهيب الذي يكوي بصيص الأمل الضعيف الذي كلما أضاء سرعان ما خفت من جديد.
ذهبت إلى خيمتها ولم تذهب تلك الصور التي أذيعت لريان المسكين من ذهنها، بل ظلت صورته وصورة أمه عالقة في ذهن راضية بلا منفذ، بل أنها كلما نظرت لابنها سعد رأت فيه ذلك الطفل ريان، وراحت تتعقب رغم الهموم والثلوج والصقيع أخبار ريان لعلها تسمع ما يثلج صدرها، وكذلك كان حال جميع جيرانها، فعلى الرغم مما يعانونه من وحدة وعزلة وانقطاع من المؤن والموارد، فقد كانت قلوبهم عامرة بالإنسانية، بل إن معاناتهم ضاعفت أحساسهم بمعاناة الآخرين.
ووسط صخب الترقب والقلق، كان الأمل يحوم في الأفق، فقد أكدت الأخبار أكثر من مرة أن ريان مازال حيًا، وستُثمر الجهود المتواصلة عن إنقاذه بالتأكيد، وكانت راضية تحدث نفسها أن تلك المعضلة ما دامت قد وقعت تحت ضوء الإعلام البراق فلابد لها من حلحلة، حتمًا ستتحرك المعدات بل المؤسسات والوزارات بل الدول لإنقاذ ريان، مادمت قضيته قد رأت نوع الإعلام فلابد لها من نهاية سعيدة.
وبعد مرور أكثر من مائة ساعة على ريان حبيسًا في جبه بلا مأكل ولا مشرب، تمامًا كمئات العائلات من ضحايا التهجير، تسارعت الأخبار في الليلة السادسة من فبرابر أن ريان على وشك الخروج وأنه حي، ولكن بعد دقائق تحطمت الآمال وفطرت القلوب، فقد مات ريان، وراح العالم أجمع يبكي ميتته المأساوية.
هنا تدافعت مئات التساؤلات لذهن راضية، كيف مات؟ وبأي ذنب؟ لماذا لم يسرعوا في إنقاذه؟ وكيف أكدوا أنه كان حيًا؟ أين العالم بموارده وحداثته وتكنولوجياته وإنسانيته المفتعلة من إنقاذ هذا المسكين بشكل أسرع؟ يال المسكين، يال أمه الثكلى، هل ينفعهم الآن صخب الإعلام؟
عادت وسعد لخيمتهما الضيقة، ونام سعد في ركنه وذهبت راضية تبحث عن بضع قطع من الحطب الجاف لدى الجيران تشعل بها نارًا تمنحهم بعضًا من الدفء في تلك الليلة الباردة، كانت الثلوج تتساقط بكثافة وكانت الرياح شديدة ووسط صرير الرياح تعالى في الأجواء أصوات تحطم شديدة، انخلع على إثره قلب راضية التي كانت تتحرك بصعوبة وسط الرياح الهادرة والثلوج المتراكمة، ولما وصلت خيمتها علمت سبب ذلك الجرح الذي أصاب قلبها، كانت خيمتها قد تهاوت على سعد داخلها، صرخت واجتمع على صراخها جيرانها وراحوا ينبشون حطام وأنقاض الخيمة بحثًا عن سعد.
وبعد لحظات من البحث وجدوا سعد، فضمته راضية بشدة، ولم يكن نفس الإحساس الذي تعودته، فقد كان باردًا كالثلج الذي يغطيه، وكان وجهه أزرق والدم يكسو صدره.
فصاحت راضية بصوت ملؤه الألم والحزن، مات ريان وستذكره الإنسانية لأيام ثم تنساه ومات سعد ولن يذكره أو يعرفه أحد، فتبًا للإنسانية المزيفة.
ترندات وتوباكو هي مقالات في هيئة قصص قصيرة مستوحاة من ترندات فضاء المنصات الاجتماعية ولا تمثل أي شخصيات أو أحداث حقيقية.
اترك تعليق