الأم منبع الحنان وحصن الأبناء؛ فهي على الدوام تقيم من نفسها حارسا يقظا أمينا على كل حاسة من حواسهم، فلا يجدون الأمان إلا في حضنها ولا يستشعرون الحب الحقيقي إلا من قلبها، بل أنها قد تقرع طبول الحرب إذا نازعها الزوج فيهم عند وقوع الطلاق، فلا تتخلى عنهم أبدا ولا عن دورها في رعايتهم وحمايتهم مهما كلفها الأمر من مشقات وصعوبات بما في ذلك التنازل عن كل المستحقات.
غير أن هذا الزمان شهد انقلابا في الموازين واختلالا في المعايير؛ فأصبحنا نرى منهن من تتخلى عن أبنائها عند وقوع الطلاق، فتتنازل طواعية عن حضانتهم، وهنا يقع الأبناء ضحايا الحرب الانفصالية بين الآباء.
إن كل طلاق حتى لو كان مطلبا ضروريا للخلاص من حياة زوجية غير قابلة للاحتمال وعلاقة مشوهة لا تتوفر لها ظروف الاستمرار، يولد ردات فعل متباينة من قِبل المرأة، فهي إذ تقع فريسة للاكتئاب والحزن على الذات وضياع العمر مع شريك غير مسؤول، قد تضطر إلى رفض حضانة أبنائها إما بدافع الانتقام من الزوج حتى تنغص عليه حياته فلا يهنأ له عيش ولا يهدأ له بال خاصة وأنه غير مهيأ للقيام وحده برعاية الأبناء، ولا حتى في وجود زوجة جديدة غير مأمول فيها الرأفة والحنان على الأبناء أكثر من أمهم التي تركتهم، وإما لأنها مكرهة على تركهم من أسرتها لعدم مقدرتهم الإنفاق عليهم أو لعدم وجود مأوى لهم، وإما لأنها ترى نفسها غير قادرة على رعايتهم والإنفاق عليهم سيما عندما يتعنت الأباء ويرفضون دفع النفقات التي هي بالأصل فتات لا تكفي لسد جوع أو لعلاج مرض.
وقد يتجاوز هذا التعسف من الآباء كل الحدود عند استغلال بقاء الولاية تحت أيديهم فيذيقون مطلقاتهن شتى صنوف التعذيب إن أردن الانتقال بالأبناء من مكان إلى آخر أو من مدرسة إلى أخرى، فتجد الواحدة منهن نفسها غارقة وحدها بين التربية والنفقة والعمل، تضيع أيامها سدى بين أروقة المحاكم من أجل الحصول على حقوقها، فلا تجد إلى ذلك سبيلا، ولا أراهُن في ذلك إلا ضحايا قسوة بعض الرجال وشح قلوبهم وفقر أخلاقهم؛ فتصرع أمومتها بنفسها أملا في الخلاص من جحيم العجز أمام أبنائها وتحت قسوة القوانين؛ فإن من أعجز العجز أن تنظر المرأة فتجد نفسها غير قادرة على نفقة أبنائها ورعايتهم؛ ولا تجد خلاصا من ذلك إلا بالتخلي عنهم إلى أبيهم علهم ينعمون في كنفه بحياة أفضل!.
وفي بعض الحالات قد تتنازل أم عن حضانة أبنائها من أجل التفرغ للحياة المهنية وتحقيق الذات، أو من أجل تجديد الحياة مع زوج آخر طمعا في أن تجد في كنفه العوض الذي ينسيها مرارة العيش مع السابق، ولا أعلم كيف يهنأ لهذه الأم عيش وهي بعيدة عن أبنائها؟! وأي مهنة تلك التي يمكن أن تعوضها حضنهم؟! وأي ذات ترجو تحقيقها بعدما تساقطت ذاتها من عيون أبنائها وقلوبهم؟!.
ثم إني لا أرى نفعا في سن قانون يجبر المطلقة على حضانة أبنائها، فمن تنازلت عن الحضانة بسبب تعنت الزوج في دفع النفقة أو استخدام سلطته في الولاية عليهم بما يكدر عليها حياتها؛ ففي إجبارها على الحضانة ظلم لها وإخلاء لطرف هذا الزوج المتعنت من المسؤولية ومساعدة له في التنكيل بها وظلمها، أما من تنازلت عن الحضانة من أجل تحقيق النجاح المهنى أو الزواج من آخر ففي إجبارها على حضانتهم ضرر بالغ بالأبناء؛ فإن من استطاعت أن تعادي فطرتها وتنحر أمومتها على أعتاب وهم تحقيق الذات، لا يمكن أن تحسن تربية هؤلاء الأبناء ولن تقدم لهم ما يستحقونه من رعاية وحماية، وفي كل فإن الخاسر الأكبر هم الأبناء الذين سيواجهون بانفصال الأبوين مصيرا محتوما من التشتت والضياع والشقاء في الحياة؛ فاتقوا الله فيهم، ولا يحملنكم الانتقام على نسيان واجبكم تجاه نعمة الله التي تستحق الشكر بالحفظ والرعاية؛ فهم زينة الحياة وزهرتها، وبهجة الدنيا وسرورها، وأنسها وفرحتها..
بقلم - الدكتورة أسماء عبد الحكيم راتب:
مدرس الأدب والنقد
بكلية البنات الإسلامية بأسيوط
اترك تعليق