في ظروف غامضة. تستدعي الفحص والتحقيق اختفي قصر "زينب هانم الوكيل" ذات القيمة التراثية العالية بمنطقة المرج شمال القاهرة. وتساوت طوابقه وساحته العريضة بالأرض تماما. وأحيطت مساحته الـ12فدان بسور من الطوب وبوابة حديد ضخمة محكمة الغلق بالسلاسل والجنانيز وضعت عليها الأقفال. بفعل من لا أحد يعلم؟!.. قصر زينب هانم الوكيل زوجة مصطفي باشا النحاس رئيس مصر الأسبق والذي شهد علي حقبة وأحداث تاريخية هامة حيث اتخذ كمنفي حددت فيه إقامة اللواء محمد نجيب أول رئيس جمهورية لمصر مدة 11 عاما بأوامر من قيادة ثورة يوليو 1952. اختفي ولم يعد له أي أثر بمنطقة المرج رغم أنه مسجل كتراث معماري فريد غير مسموح بهدمه أو تشويه معالمه ولو حدث يمثل ذلك جريمة يعاقب عليها القانون.
"الجمهورية أون لاين" انتقلت إلي منطقة المرج حيث عزبة زينيت هانم الوكيل أو كما يطلق عليها البعض قصر محمد نجيب نظرا للمدة الطويلة التي قضاها رئيس وزراء مصر الراحل اللواء محمد نجيب داخلها وتحديدا داخل القصر معتقلا. ورصدت "الجمهورية اون لاين" مالا كان يخطر علي البال. المكان مساحات شاسعة تصل إلي حوالي 300 فدان كان يشمل عزبة زينب هانم الوكيل ويتوسطها القصر المختفي. ولم يعد هناك أية ملامح للعزبة المترامية الأطراف التي كانت مكسوة أرضها بالزرع والأشجار ولم يعد أي وجود للقصر الذي كان يتلألأ بجمال تصميمه المعماري العريق وسطها. بل أصبح المشهد عبارة عن مساحات من الأراضي أرتفعت في معظمها الأبراج السكنية. وظهرت أثار إلقاء مخلفات البناء والحفر في البعض الأخر. وتراكمت أكوام القمامة في جوانب أخري وصارت فيها المرتفعات والمنخفضات تكاد تسير فيها علي الأقدام متحسسا خشية الوقوع لعدم استواء الأرض تحتك. كما ظهرت ورش الحدادة ومحال سمكرة السيارات ومحال البقالة والخردة وتعالت أصوات الباعة الجائلين مع أدوات الطرق علي صاج السيارت لتصبح العشوائية أبرز مميزاتها وأما القصر ذاته الذي كان يتوسط العزبة فقد اختفي وأحيط بسورعال وبوابة حديدية محكمة الغلق. بالسلاسل والجنازير وارتفعت علي يمينه ويساره العمائر التي بنيت علي معظم أراضي العزبة.

محررة "الجمهورية اون لاين" اخترقت الأسوار العالية التي أحيطت بمساحة القصر وتمكنت من الدخول من خلال فتحة سرية بحثا عنه ولكن المفاجأة أن لا معالم للقصر خلف السور والبوابة الحديد العالية المجنزرة من الخارج. فوجدت "الجمهورية اون لاين" مساحة القصر البالغة حوالي 12 فداناً وقد هدمت عن بكرة أبيها وتساوت بالأرض ولا أثر لأي حجر حتي من جدران القصر المتهدم. أرض مستوية تناثرت في جوانبها أكوام من القمامة وأعداد ليست بقليلة من الكلاب الضالة. أثار لزجاجات "البيرة" الفارغة ومشاهد تدل علي إتخاذها وكرا للشمامين وتجار المخدرات.؟!
وخارج السور اقتربنا من بعض القاطنين بمحيط قصر زينب هانم الوكيل المختفي بحثا عن ملابسات اختفائه الكثير رفض الحديث معتبره موضوعا شائكاً والأخر تحدث علي مضض.
روي خيري أحمد شعبان أقدم ساكن بمحيط القصرشهادته عما حدث. فقال. أنا أول واحد يسكن جنب. القصر كان قائما بكامل هيئته. وكان اللواء محمد نجيب محبوس سنوات طويلة. حتي نقل في قصر أخر بحدائق القبة في عهد الرئيس مبارك. وحتي عام 2009. كان القصر موجودا. وكان مزار نشاهد أفواج من الطلبة المصريين والأجانب تأتي لزيارته لأنه كان منفي لأول رئيس مصري. وبعد هذا العام بدء يتهدم جزءا جزءا. لا أحد يعلم بفعل من. حتي استيقظنا في صباح أحد الأيام بعد عام 2013 ولم نجد له أثراً وقد ساوته لودرات الهدم بالأرض. والكلام المتداول حوله الآن إن ورثة زينب هانم الوكيل باعت لأحد تجار الأراضي والمقاولات ويدعي ضياء درويش. وهو المتحكم في مساحة القصر وقام بإحاطتها بسور عالي وباب حديد ضخم مغلق كما نشاهد خلفنا بالسلاسل والأقفال.
وفي مواجهة القصر وجدت عمارة حديثة الإنشاء مرتفعة الأدوار وكان الدور الأرضي عبارة عن محلات. جلس داخل أحدها " الأسطي عادل"پ. الذي يمارس نشاطه في بيع الأجهزة الكهربائية ومستلزماتها فقال. القصر كان موجود لحد ثورة يناير. وبعدها أتهد. وقبل الهدم الأراضي المحيطة بالقصر كلها أتنبت وارتفعت أدوارها وسكنت بالناس. لكن مين أصحابها ماحدش يعرف بالظبط. وبعد الثورة لقينا القصر أتهد واتعمل حواليه السور والبوابة ومقفول زي ما احنا شايفين.
بحثنا عن شهود عيان علي جريمة هدم القصر عثرنا علي حارس القصر نفسه ويدعي أيضا "خيري محمد" مواليد سنة 45. والذي مازال حتي الآن معينا حارسا علي سوره وبوابته الحديدية المجنزرة. وقال متحفظا عندما سألناه أين القصر.؟؟قال خلاص مافيش قصر... ماعدش في كان زمان.. القصر اشتراه واحد أسمه الفلاح من ورثة زينب الوكيل والفلاح باع لواحد مسيحي. وأنا كنت غافر القصر أيامه. والمسيحي باع لواحد اسمه ضياء... ولما سألناه كيف تتم عمليات البيع والهدم وهذا القصر مسجل كأثر تراثي. قال اللي نعرفه أن اللي اشتراه بيقول أن الورثة باعت له وأن الحكومة هي اللي هدمت القصر عشان يتصرف براحته في القصر.
وكشف أحد الأطفال من سكان محيط القصر مالم يجروء السابقون عن حكيه. حيث عرفنا عبده سلامة طفل بالصف الأول الإعدادي أن للقصر قبل هدمه كان دخوله مباحا للجميع. دون حراس. قائلا: في ناس كتير دخلت القصر ونهبت حاجات حلوة منه كتير. كان الأطفال بتدخل تلعب فيه وتوصل لحد البدروم. وكنا بنشوف فيه فلوس قديمة مرمية علي الأرض وتحف حلوة بس كل ده اتنهب. ولما اتهد صاحب الأرض بيأجرها في الأفراح والموالد. والكلاب كتير قوي فيها وبتولد علطول هنا وباليل بينط فيها بتوع الحشيش والمخدرات وبيشموا ويشربوا ونشوفهم من الشبابيك العاليا في بيتنا لكن ماحدش بيقدر يتكلم معاهم.
أراضي عزبة قصر محمد نجيب تحت يد تاجر أراضي يبيع القطعة الواحدة لأكثر من شخص ويحتمي بالبلطجية.
واستمعت "الجمهورية اون لاين" إلي حفيدة الرئيس محمد نجيب. السيدة نبوية يوسف التي استعادت ذكرياتها داخل القصر مع جدها حيث كان جميع أبنائه يعيشون معه. وقالت : والدي وكل أفراد أسرة جدي وأحفاده كانوا يعيشون معه داخل القصر فترة تحديد إقامته. وكانت الزيارات ممنوعة عن القصر حتي جاء الرئيس السادات وتحسنت الأمور وبدأت الزيارات من باقي الأصدقاء لجدي ووالدي. وكنت صغيرة جدا لأعرف أمور المعيشة كيف تدبر لكن علمت أن معاش جدي محمد نجيب هو ما كان يفي به متطلبات العائلة فترة تحديد الإقامة. مشيرة إلي أنها لا تعلم شيئا عن القصر الأن وما أل إليه خاصة وقد نقلت منه الأسرة كاملة في عهد الرئيس مبارك.
أراضي عزبة محمد نجيب. يروي خيري أحمد شعبان مأساتها قائلا: زينب الوكيل ورثت عن زوجها النحاس باشا 320 فدان هي العزبة ومعروفة بعزبة محمد نجيب أيضا. ويتوسطها القصر و قام الرئيس جمال عبد الناصر بتسليم الأرض إلي الجميعة الزراعية لتأجيرها للفلاحين بعقود انتفاع وباع الفلاحون هذه الحيازات دون عقود نهائية. ومن ضمن المشترون شخص يدعي درويش الجر وباع جزء من تلك الأراضي إلي أخر يدعي حمدي حسين واشتري منه قريب لي مساحة 9 قراريط و أنا اشتريت مساحة 260 متر لكن حتي الآن لم نستطيع الحصول علي الأرض بعد أن تبين أنه يبيع قطعة الأرض الواحدة لأكثر من مشتر. وانكاره واستناده علي مجموعة من البلطجية يحرمون المشترين من استلام أراضيهم التي هي في الأساس تتبع عزية زينب هانم الوكيل.
أكدت وزارة الآثار عدم تبعية القصرلها. حيث قال د. أسامة طلعت رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار لـ "الجمهورية اون لاين": إن هذا القصر غير مسجل كـ "أثر". ولا يندرج تحت قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 ولكنه مبني تاريخي خاضع لقانون الحفاظ علي التراث. وهو ما أكده مسئول بالجهاز القومي للتنسيق الحضاري وهو أن القصر مسجل كتراث معماري متميز طبقاً للقانون 144 لسنة 2006. والذي يحظر ويمنع الهدم. أو التغيير في شكل العقار. ويعتبر القصر ذي قيمة تاريخية بالاضافة إلي طرازه المعماري المتميز.

رد رئيس حي المرج اللواء إيهاب زهني علي "الجمهورية اون لاين" بأن القصر موجود وقائم حتي الآن كان مفاجأة. وهو ما يدل علي أنه لا يعلم ما حدث للقصر وقال أن القصر موجود ومحاط بسور عاليا. وعندما أكدنا له اختفاء القصر فقال أنه ليس تابعا لحي المرج ولكن لحي الخانكة. وإن كان يتبع محافظة القاهرة لكنه تحت تصرف الإصلاح الزراعي.
حصلت "الجمهورية اون لاين" علي صورة من وثيقة رسمية عبارة عن مراسلات بين المسئولين بمحافظة القليوبية والقاهرة تخلي فيها الأولي مسئوليتها عن أعمال الهدم والبناء التي تتم للقصر ومحيط العزبة علي مدار سنوات بعد ثورة يناير. وجاءت الرسالة موجهة إلي رئيس مجلس مدينة الخانكة بمضمون يفيد بأن القصر يتبع محافظة القاهرة وأن رئيس حي المرج أن ذلك يحملهم المسئولية عن كل أعمال الهدم والمخالفات وما استصدر من قرار بالهدم للقصر من إدارة القلج. وفي دفاعه عن نفسه أكد عواد احمد عواد رئيس حي المرج. وقتها أنه ليس من أفاد أن قصر محمد نجيب لا يتبع المرج. إنما مجلس مدينة الخانكة التابع لمحافظة القليوبية. وهو الذي أرسل جميع الأوراق الدالة علي تبعية القصر لهم. مشيرا إلي أنه تصدي لهم وأوقف الهدم بالتعاون مع شرطة المرج وتم مصادرة معدات الهدم وطلب من رئيس هيئة قضايا الدولة برفع دعوي إلغاء ترخيص الهدم رقم 4 لـ2012 الصادر من الوحدة المحلية بالقلج لكنهم أثبتوا بالمستندات من هيئة المساحة تبعيتها لهم.
اترك تعليق