"ما يميز مجموعة الشاعرة رضا أحمد (قبلات مستعارة) ليس جرأتها في فضح الذات أو أنها تحمل خاصية تدوين مجتهدة بدءًا من العنوان الذي يفضح روحه في العديد من التأويلات التي يمكن أن تحملها قصدية الشاعرة ذاتها، بل في إمكانية توظيف المفردة لتكون شعرًا في نصّ أو أن بإمكانها أن تخلّق من النصّ النثري ليكون شعرًا.. فما بين السبيلين مسافة واحدة وما بينهما سمك شعرة يمكن ان تقطع في أية لحظة إذا ارتبكت عملية التخليق الشعري للنص"..
بتلك السطور استهل الناقد العراقي الكبير على لفتة سعيد قراءته النقدية في ديوان (قبلات مستعارة) للشاعرة المصرية رضا أحمد، مستطردًا:
فالعنوان الرئيس هو البوابة الكبرى لمدينة الشعر.. منها يمكن معرفة الدواخل والغايات والقصديات وحتى الغايات الشعرية وما يمكن ان تشهده النصوص الشعرية من تراكيب لغوية، فهو عنوان يعبر عن العطش والخلو والأزمة والعوز والحرمان وكذلك في الجانب الآخر ثمة لامبالاة ولا اهتمام وربما صورة معاكسة لماهية هكذا عنوان من أن لا شيء مفيد وأن ما حولنا كلها مستعار إذا ما كان الحب مستعار والذي أولى علاماتها القبل العاشقة.
ويكمل" سعيد": إن بنية الكتابة في هذه المجموعة لها العديد من العوامل المهمة التي تستند إلى خاصية مختارة من خواص تدوين الشعر لها الشاعرة ذاتها والتي تبدأ من أبواب المدينة الأخرى، وهي العناوين الفرعية التي لا نجدها عناوين مهيمنة على الفكرة أو انها ترسم الحدود العليا للنص أو أنها تأويل أول ما يأتي به النص، بل هي نص شعري آخر مرافق للنص الشعري في متنه.. وهي بهذا تختط لنفسها انها تمتلك عناوين غير منفصلة عن النص وهي تعطي العنوان إمكانية أن يختزل قليلا من كونها منطقة عليا تتوسط النص أو يكون بخط أعرض في الشكل التوديني للإخراج ليكون مع النص، فلا تشعر بالفرق إلا من خلال أهميته أن يكون عنوانا. ومن هذه العنوانات نقرأ (جلسات قديمة تصلح منفى.. عن الغيمة التي سقطت في فنجانك.. أوتجراف فارغ لحفل وداع.. أكثر مما ينبغي لمقبرة ملكية.. حلم معفي من الضرائب.. بعد انقطاع التيار أخمن رائحتك.. نسيت مظلتي في سباق السيارات......)، وهو ما يشي أن العنوان طويل يساوي حجمه في عدد المفردات بالقياس الرياضي ما يساوي حجم الشطر الشعري إن لم يكن أكثر عددا من المفردات وهو عنوان أيضا أطول حتى من العنوان الرئيسي للمجموعة وكأنها ـ أي الشاعرة ـ لا تريد للعنوان الفرعي أن يكون مجرد ضوء أو حالة أو مفتاح بل تريده مشاركًا في عملية تخليق الفكرة الشعرية وصنع الشاعرية التي تبدأ استهلالها من العنوان، وليس من السطر الأول للنص، خاصة أنها لا تتصنع المفردة الشعرية أو تعتمد على المفردة اللغوية التي تحتاج الى شطارة ماهرة، بل هي تسوق المفردة الطبيعية اليومية المعاشة الممسوكة المعنى لتضعها في النص وتحولها من كونها مفردة استهلاكية إلى مفردة تحمل تأويلا آخر ومعنى آخر وربما تربطها بالمستوى الفلسفي لما تريده هي من معانٍ خاصة بها.. فلو أمسكنا بالمفردات اليومية التي نختصر بها التسميات الأخرى لمثل هكذا مفردة سنجد انها تتمثل بما يمكن أن تعين النص لكي يكون قادرًا على استمالة الشعر لصالحها.
ويضيف الناقد العراقي الكبير: إن البنية الكتابية تعتمد في قيافتها على حركتين مهمتين بعد حركة العنوان.. أولهما أعطاء الفكرة مفعولها في الاستهلال وتوضيح معالم الطريق والحركة الثانية الاستمرار في هذا الاستهلال للوصول الى عملية الربط والتأويل النهائي المرتبط بفلسفة الشاعرة في كلية هذه المجموعة.. ومن أجل اكتمال البناء الشعري، فإنها تلجأ إلى منح الجسد النصي خاصية التقطيع عبر الفراغات بهدف إيجاد علاقات زمنية مرة أو الانتقال من معنى إلى آخر في ذات الاتجاه ليكون حاصل الجمع الكلي هو هذا الرفض لما هو متوافر وموجود من عمليات المقابلة مع المعاناة والحياة والعوز في الحياة التي تعيشها الشاعرة والتي تريد منحها الكثير من المقابلات ليس بطريقة الرفض لها بل بفضح ما يمكن فضحه بجرأة قابلة للانشطار الشعري حتى أنها في المقدمة التي سبقت الإهداء لأبيها أوضحت كتنويه إعلاني (تعجبني هذه الكلمات/ تأخذ روحي، وتتملكني بشدة/ أنا التي علي أن أكون قاسية القلب/ وميتة بطريقة ما في مكان آخر) وهي مقدمة شعرية توضح ماهي الجملة الشعرية وغاياتها في المجموعة التي تعجبها المفردات وهي قاسية معها لأنه لولاها لكانت ميتة.. وهو ما يعني تعويض الشعر عن الحياة.. وهي تبدأ نصوصها الشعرية بعنوان فيه المنفى علامة من العلامات الدالة على ما جاء في الإهداء وما مثله العنوان الرئيس من دلالة مضمرة لما يأتي (جلسات قديمة تصلح منفى) لتنتهي بعنوان نص شعري (كنت أوصيتهم بمسلة من حجر الديوريت) وهي توصية تحمل معنى الانتهاء أو الترقب لما يمكن أن تحمله هذه الوصية من تعليمات أو مفارقات.. والدلالة أنه حجر صنعت منه مسلة حمورابي الشهيرة وهو حجر بركاني وهنا دلالة أخرى ترتبط ما بين الخلود والاحتراق.
ويرى سعيد أن النصوص المتواجدة ما بين هذه العناوين يمشيان معا في طريقة التدوين.. انسيابية المفردة وعطاؤها. غايتها ودلالتها.. رمزيتها ووضوحها.. جرأتها وهدفها (أنا لا اعرف الطريق الى السماء/ لست وردة/ تنتظر أن تتفتح فوق قبرك/ ولا نجمة برية/ خارجة من خرائط الابراج/ تمارس التمرد على القدر ) وهي هنا مفاتيح في هذا النص الاستهلالي وهي توضح بطريقتها الخاصة علن حقيقة وجودية (انا امرأة عادية/ حيث يشاورني الشيطان في أمر/ أجلس معه دون تردد) ص4. (تطمئنك العرافة/ انها ستخرج ﺇليكَ/ ممتلئة بالطوﺍﺑﻊ كرسائل ﺍلصيف ﺍلبالية/حافية تضع قصيدتكيدتك ﻓﻲ شعرها/ وخاتمك الارجواني في حمالة ﺻﺪﺭها ﺍلبيضاﺀ) ص6، وهي تعلن ذلك في أغلب النصوص بهذا الاتجاه المعاكس والمتمرد (بتنورة مزﺧرفة/ ﺭﺃﺱٌ يميل بمحوره تجاه ﺍلشمس/ وجسد يدور عكسَ جاذبية ﺍلأﺭﺽ/ أستطيع ﺃﻥ ﺃسرﻕ نهارا كاملا/ من مشكاة الرب)، وهي أيضا تحتج بمفردتها اليومية وبطريقة الخاصة في التدوين الشعري الذي يمنح التأويل مهمة الجذب المهمة والتماهي مع هكذا مفردات (ورأيت أمرأة تقرأ على وهج القصف/ رسالة ابنها المريض بالتوحد/ لقد استطاع في لعبته الجديدة/ اختراق بنك النقد/ وعرفة فصيلة والده المنقرضة) ص18. مثلما هي تحاول مجادلة المعنى المعروف بمعنى مختلف وتوصيف آخر يحسب لصالحها (ينتظرني رجل لأقتله/ الليل جندي صارم/ يروح لبضاعته القديمة) ص27، وهي تبث احتجاجها على كل الأشياء بما فيها تلك الارتباطات العائلية ولكنه احتجاج من نوع آخر.. يحمل في عملية التدوين تلك الخاصية التي تحمل العديد من المستويات التي تأتي على شكل مستوى إخباري في شكله الخارجي لكنه يحمل ماهيته الفلسفية والقصدية، وبالتالي التأويلية لمناطق أخرى خارج العرف اليومي للمفردة ذاتها (تعلقت باصابع أمي/ كنت أعرف أنها ربطت يدها/ في غيمة هشة/ تدحرجت بعيدا عن البيت/ وحين سقطت في حقل أبي/ لم تذق العصافير طعم القمح/ كانت الفزاعة الأخيرة الباقية لديه)ص77.
ويختتم الناقد والأديب العراقي الكبير علي لفته سعيد قراءته النقدية في ديوان (قبلات مستعارة) للشاعرة رضا أحمد قائلًا: والشاعرة بهذا التنوع التأويلي لماهية النص الذي يخرج من كونه وجدانيًا نفسيًا علاقاتيًا إلى كونه أشمل وأوضع وأقدر وبأقصر الطرق، وإن كانت القصيدة لديها طويلة مقسمة، لكنها تحمل الدهشة المضمرة، تلك التي يجدها المتلقي في روح النص الذي ـ كما قلنا ـ يبدأ من العنوان كاستهلال أولي إلى آخر كلمة كخاتمة قصد.
اترك تعليق