وتمتد قائمة الفخار لشباب مصر لتشمل أسماء مثل عبد الرحيم مصطفى، توفيق العوام، علي رياض، يوسف عطية، فؤاد قطبي، أحمد حسنين باشا، علوي الجبري، حامد إبراهيم، السيد رفاعي، أمين مرقص، محمد سيف البكري، على أمين يحيى، .. وغيرهم، وكان ذلك سبباً في قيام الحكومة بإنشاء قسم الطيران المدني بوزارة المواصلات.
وبدأت الدولة المصرية عام 1926 في إيفاد البعثات لتعلم الطيران في الخارج، فكان الدكتور أحمد عبد السلام الكرداني من أوائل المبعوثين لدراسة هندسة الطيران في بريطانيا، وتلاه صلاح الدين أباظة، والمهندس محمد رشدي طبوزادة (الذي رأس الشركة فيما بعد)، ثم مصطفى رياض مرسي.
محمد رشدي طبوزادة..
الذي تخرج في أول دفعة درست ميكانيكا في مدرسة الهندسة الملكية بالجيزة، وأوفدته الدولة المصرية لإنجلترا للحصول على إجازتي الطيران الخاص والتجاري ثم هندسة الطيران.وقد قرر عام1929 المجيء إلى مصر بطائرته الخاصة والقيام برحلة طيران من إنجلترا إلى مصر، ولمساعدتهفى إنجاح رحلته قررت الحكومة صرف مبلغ ثلاثة اَلاف جنية إعانه له. غير أن محمد أفندي رشدي رغم تدريبه على الطيران في إنجلترا للقيام برحلته على يد خبيرين إنجليزيين في الطيران لم يقم بها لأن الخبيرين أوصيا بذلك، لأنه حسبما قررا لم ينل التدريب الكافى للقيام بها.
عمل بقسم الطيران المدني بوزارة المواصلات كأول فني مصري وتدرج ليصبح أول مدير مصري للطيران المدني في ديسمبر 1938 ثم شغل منصب مدير عام شركة مصر للطيران من أبريل 1941 وحتى آخر عام 1947.
محمد صدقي ..
تميز بالدقة التى تصل إلى درجة التعجيز، فيوم سفره قرر أن يكون طيارًا ومهندسًا ومحاسبًا وضابط حركة ومسافرًا ... الخ، فلابد أن يرى كل شيء ويكشف على كل شيء وألا يقول كلمته لا سفر والأرزاق على الله !.
وحين سُئل كيف تعرف هذه الأمور وأنت لا تمارسها، أجاب "إن الإنسان منا لا يبيض ولكن يعرف البيض الفاسد بلا شك" !!.
هذا هو محمد صدقى، أحد الكوادر التي قامت عليها مصر للطيران وقت نشأتها، فأصبح جزءً من تاريخها، فلنتعرف على تاريخ هذا الرجل وتأثيره الفعال في تاريخ الطيران المدني المصري.
كانت رحلة حسن أنيس باشا بمثابة الشرارة الأولى التي أشعلت حماس الشباب المصري لإنشاء شركات طيران في الوطن العربي، لأن السلطات البريطانية لم تكن تسمح بقيام شركة مصرية وطنية بحجة عدم وجود تشريع ينظم الطيران في مصر.
ومع ذلك فإن نجاحه في ألمانيا شجع الكثير من الشباب من أبناء بلده القادرين والمتحمسين للطيران، كان من بينهم محمد صدقي الذي سافر مرتين إلى ألمانيا. كانت المرة الأولى لتعلم الاقتصاد والعلوم التجارية، وهناك تعرف على حفيدة الموسيقار "باخ" فتزوجها عام 1922، وعاد إلى مصر ليعمل موظفاً في بنك مصر بناء على رغبة والده الذي كان صديقاً للاقتصادي الكبير طلعت حرب،واستمر بالعمل ببنك مصر حتى عام 1927، إلا أنه لم يسعد بالجلوس خلف قضبان وشبابيك البنك ليتعامل مع العملاء.
وُلد محمد صدقي في عام 1899 بحي سراي القبة بالقاهرة، وشب محباً للرياضة فتعلم قيادة السيارات والدرجات البخارية ليشبع هوايته، وشده مهرجان الطائرات الذي أقامه البارون إمبان في صحراء هليوبوليس عام 1910 مما دفعه لحب الطيران وتمنى أن يتعلمه في شبابه.
كان محمد صدقي شديد الولع بالمغامرة فقرر السفر للمرة الثانية لألمانيا لتعلم الطيران على حسابه الخاص ليعيد ما عجز عنه سابقه حسن أنيس، فقام بشراء طائرة بمحرك واحد ومقعدين مكشوفة (بدون غطاء زجاجي) أطلق عليها اسم الأميرة "فايزة" التي كانت تطير بسرعة 120 كيلومتر في الساعة، فقرر أن يطير بها من برلين التي بقي فيه عدة أسابيع ينتظر ترخيص السلطات البريطانية المسئولة عن الطيران في مصر بالطيران إليها، حتى وافقت السلطات البريطانية على منحه التصريح في 14 ديسمبر 1929.
وفي 12 يناير 1930 قرر أن يقلع بطائرته الصغيرة من مطار برلين وسط جو في غاية السوء، وكان في وداعه السفير المصري في برلين ومدير البعثات وبعض الطيارين الألمان.
ووضع في المقعد الجانبي له تمساح صغير كان يتفاءل به، وأدار محرك طائرته وأقلع في رحلة مثيرة وخطيرة في صراع مع الطقس الشتوي من برلين إلى تشيكوسلوفاكيا ثم يوغوسلافيا ثم إلى برنديزي بإيطاليا، وتوالت توقفاته حتى هبط أخيراً في السلوم في ليلة الخامس والعشرين من يناير 1930.
وفي العاشرة من صباح يوم 25 يناير 1930 أقلع من السلوم إلى مرسى مطروح، ومنها إلى الإسكندرية، حيث أمضى صدقي ليلته ليقلع منها صباح اليوم التالي، حيث ظهرت في سماء المكان طائرة صغيرة بمحرك واحد ومقعدين، دارت فوق المطار ثلاث مرات فسادت الحماسة والتهليل والهتاف والتصفيق ليصل إلى القاهرة في الثالثة والربع من بعد ظهر يوم 26 يناير 1930، ويهبط في مكان متسع من مطار هليوبوليس الذي كان مطاراً حربياً إنجليزياً (حاليًا مقر رئاسة القوات الجوية ويخترقه طريق صلاح سالم).
وأقيم سرادق ضخم على أرض مطار هليوبوليس يضم حشدًا من الأعيان والعظماء لاستقبال محمد صدقىوعلى رأسهم مصطفى النحاس باشا رئيس وزراء مصر، واللواء محمد صادق يحيى كبير ياوران الملك فؤاد الأول ملك مصر ونائب عنه، وحسن حسين باشا وزير الحربية والبحرية، ومحمود فهمي النقراشي باشا وزير المواصلات، ونجيب الغرابلي باشا وزير الحقانية، ومن بين تلك الأسماء كان محمد طلعت حرب باشا وكمال علوى الصقر المصري الآخر الذي سبق صدقي في تعلم الطيران وإن لم يسبقه في الطيران في سماء مصر.
ما أن هبطت الطائرة على أرض المطار حتى اندفع الجمهور وأحاطوا بها ونزل منها الطيار حتى لاقي من الاحتفاء ما يفوق الوصف، فهو أول طيار مصري يهبط بطائرته المملوكة له قادماً من خارج القطر المصري في شجاعة نادرة. ولذا يعتبر يوم 26 يناير من كل عام عيداً قومياً للطيران المدني المصري يُحتفل به سنوياً.
كان الكل في فرحة لنجاح صدقي في دخول التاريخ كأول طيار مصري يصل طائراً بمفرده إلى مصر،حتى أن إحدى السائحات الأجنبيات شبهت وصول صدقي إلى مصر بنفس الاستقبال الذي استُقبل به "لندبرج" عند عبوره الأطلنطي طائراً لأول مرة عام1927.
وقد أقيمت في تياترو حديقة الأزبكية حفلة كبيرة لتكريم الطيار محمد صدقي، وقد رأس لجنة الاحتفالات الاقتصادي الكبير طلعت حرب الذي ألقى كلمة ترحيب وثناء على النسر المصريمحمد صدقي أفاض فيها تقديراً لهذا الإنجاز غير المسبوق، فقال: "حَصُلْت في سكون على ما يؤهلك للطيران، حصلت عليه بجهودك الذاتية دون أن تمتد إليك أية يد بالمساعدة، ولو كنت غنياً لما إندهشنا لتذليل صعاب التدريب ونفقاته في مطارات أجنبية، أما ونحن نعلم أن رأسمالك علم في دماغك وشجاعة في قلبك هما في ذاتهما نعم رأس المال للوطني في وطنه فإن العارفين بك ليقدرون حسن تدبيرك في الوصول إلى ما وصلت إليه من مؤهلات للطيران وهم في الوقت نفسه يشعرون معك بالاعتراف بالجميل لكل مطار أجنبي تدربت فيه على حسن القيادة أحسن تدريب" .. وكان ما يلفت النظر في الكلمة التي ألقاها طلعت حرب ترحيباً بوصول صدقي أول طيار مصري لأرض الوطن هو أنه وضع يده بكل صراحة على عصب المشكلة لمستقبل الطيران في مصر حين قال: "ما كنت أتصور مطلقاً أن تذهب بك المطامع مرة واحدة إلى الطيارة والطيران .. ولكن كيف تصل إليهما والبلاد المصرية بلادك . محرومة من مطارات وطيارات مصرية.
لم يكن لك بد من الرحيل إلى حيث تستطيع تحصيل هذا الفن فرحلت إلى ألمانيا وحصلت في سكون على ما يؤهلك للطيران".
ويزداد طلعت حرب صراحة ووضوحاً في كلمته حين يقول: " كنا قبل وصول صدقي نشعر بنقص فيإستكمال أدواتنا القومية لا لعجز عن إستكمالها ولكن لأسباب قهرية، وكنا نشعر أن الأمم الأخرى أسبق منا في ميادين الطيران ونحن أحق بأن نجاريها فياستعمال الهواء كما تستعمله هي سواء بسواء، وكان يزيد ألمنا بهذا النقص أن الطيران واسطة بريئة للنقل التجاري يتقدم بسرعة هائلة ونحن مع هذا محرمون من حق الانتفاع بهذه الواسطة فى جونا الصافى حتى نحن محرومون من تحضير أبنائنا فى مطارات خاصة بنا. أما وقد وصل إلينا صدقى فإن وصوله يعتبر فوزا للمصريين ودليلا ناهضاً على إمكان تكوين أمثاله من الطيارين المصريين وباعثاً منشطا على تذليل الصعاب لإنشاء أسراب من الطائرات المصرية لتسهيل النقل الجوى أسوة بما تقوم به الأمم الأخرى " .
لنتأمل معاً كلمة طلعت حرب فى حفل تكريم الطيار محمد صدقى ونرسم من خلالها صورة هامة لأوضاع الطيران فى مصر قبل أن يتم تأسيس أول شركة طيران. مبدئياً كان نجاح الطيار محمد صدقى فى رحلته الجوية والوصول إلى مصر طائراً على متن طائرته الخاصة بمثابة الضوء الأخضر لميلاد جيل من الطيارين المصريين مستقبلاً بعد أن حطم حائط الصد المعنوى المملوء بالتشكيك فى قدرات المصريين على إقتحام مجال الطيران ومنافسة الأوربيين فى ذلك.
أما في جوهر الحدث فكانت نظرة الاقتصادي الكبير طلعت حرب أعمق بكثير، فهو يرى أن نجاح تجربة صدقى في الطيران تفتح الباب على مصرعيه مستقبلاً كما قال: "لتذليل الصعاب لإنشاء أسراب من الطيارات المصرية لتسهيل النقل الجويأسوة بما تقوم به الأمم الأخرى"، ولكن ما الذي يمنع مصر من ذلك يرد علينا طلعت حرب في كلمته قائلاً "كنا قبل وصول صدقي نشعر بنقص فياستكمال أدواتنا القومية لا لعجز عن استكمالها ولكن لأسباب قهرية".
ونقف نحن عند كلمة أسباب قهرية ونضع تحتها عشرات الخطوط وعلامة استفهام كبيرة، ما هي الأسباب القهرية التي كانت تحول دون دخول مصر عالم الطيران وتكوين أسطول نقل جوي حتى هذا التوقيت ؟على ما يبدو أن السبب القوي هو الإنجليز واحتلالهم لمصر،فلم يكن من مصلحتهم أن تسير الأمة المصرية نحو هذا الاتجاه لاسيما وأنه كانت هناك بالفعل شركة طيران إنجليزية تعمل في مصر في هذا التوقيت هي شركة المواصلات الجوية البريطانية العاملة في مجال النقل الجوي.
كما كتب المؤرخ عبد الرحمن الرافعي عن هذا الإنجاز "لما وصل صدقي إلى مصر سالماً يوم 26 يناير 1930 اهتزت النفوس فرحاً بمقْدِمه، وكان وصوله يوماً مشهوداً واعتبر فوزه في رحلته فوزاً قومياً وأقيمت له حفلات تكريم أحيط فيها بكل مظاهر الحفاوة والإعجاب وأعدت رحلته من الأعمال التاريخية البارزة التي استرعت الأنتظار واستثارت في النفوس روح الحماسة والطموح".
كان نجاح الطيار محمد صدقى في رحلته من أوروبا لمصر عام 1930 يمثل نقطة تحول هامة في تاريخ تطور الطيران في مصر.
إذ قررت جماعة من المصريين أن يخرج الطيران في مصر من حالة المحاولات الفردية التي يقوم بها بعض المصريين من أوروبا لمصر إلى طور جديد، أمثال النبيل عباس حليم والنبيل عمرو إبراهيم والوجيه على يحيى وعبد الله فكرى أباظة أفندي وحسن باشا أنيس وكمال علوي وقرروا تأسيس نـادٍ للطيران.
وكما يقول النبيل عباس حليم: "كان مجيء الطيار محمد صدقي فرصة حسنة استفدنا منها للخروج بمشروعنا من حيز الفكر إلى حيز العمل، وهذا لأن الرأي العام كان قد فهم الكثير عن الطيران من هذه الرحلة وتهيأ لاستساغة هذا المشروع، وفعلاً وجدنا تسهيلات عديدة وجمعنا مبلغاً من المالافتتحنا به النادى".
ثم فكرت هذه الجماعة في تأسيس نادٍ لتعليم الطيران وفنونه واتجه تفكيرها فيما بعد في خطوة موفقة وجريئة لتأسيس شركة مصرية للنقل الجوي أي شركة طيران مصرية.
وبالفعل صارت الخطوات الأولى بنجاح بمباركة ومساعدة الحكومة المصرية كما قدم لهم بنك مصر وقتها العون لإتمام المشروع إلا أن الحلم ما كاد يتحقق نحو ميلاد أول شركة طيران وطنية على يد مجموعة النبيل عباس حليم حتى توقف المشروع نظرًا للظروف السياسية التي كانت تمر بها البلاد حين تولى إسماعيل باشا صدقي رئاسة الوزارة عام 1930 والذي شهد عهده قَمْعًا للحريات واستبداداً بعد حل البرلمان ووضع دستور جديد.
وكما يقول النبيل عباس حليم وبينما نحن في طريقنا إذ بإسماعيل صدقي باشا يأتي بعهده الأسود ويشهر الحرب علىّ، وحين تم تجريدي من ألقابي في الحادث المعروف استقلت من جميع الأندية التي كنت أتولى رئاستها، لأني أعتقدت أن هذه المشاريع النافعة سوف يُقضَى عليها لو بقيت متصلاً بها، ولأقطع الطريق على المؤامرات التي كانت تُعمل ضدي".
وعلى أي حال يُحسب لهذه الجماعة من المصريين أن فكرة تأسيس شركة طيران مصرية قد ولدت على أياديهم.
كمال علوي ..
كان من بين الشباب المصريين آخرون لا يقلون حماسًا عن سابقيهم،من بينهم كمال علوي الذي تعلم قيادة الطائرات في فرنسا،فاشترى طائرة شحنها إلى مصر كانت أول طائرة يتم تسجيلها في مصر وحملت فيما بعد حروف التسجيل SU-AAA، وقد أهداها بعد ذلك إلى شركة "مصر للطيران" التي عُين مديراً لها لتكون نواة لأسطولها من الطائرات الصغيرة التي بدأت بتعليم الطيران وعمل نزهات جوية لتوعية الناس بالطيران، وإزالة رهبة التحليق في الجو ليصبحوا عملاء يطمئنون إلى إستخدام طائرات الركاب في أسفارهم.
فقد تعلم كمال علوي الطيران في فرنسا، ومن خلال التحاقه بمدرسة فارمان اكتساب بعض الخبرة في صيانة الطائرات بفرنساواستطاع إقناع بعض الشخصيات المصرية بأهمية الطيران، فجمع منهم 1200 جنيها قام بإنشاء نادي الطيران المصري بوسط البلد، وبعرض المشروع على السلطات أوعزت إليه أن ما يهمها أن تكون تلك الطائرات من صناعة إنجليزية وليست ألمانية.
اترك تعليق