حكايات جمعها/ محمد سعيد
مسجد دلهي الجامع، أو مسجد جهان نما، أكبر وأشهر مسجد في الهند، مما جعله القبلة التي تجمع أغلبية المسلمين في البلاد. حيث تمتزج فيه ببراعة تخطيط المساجد الجامعة التي سارت على نهج تخطيط المسجد النبوي بالمدينة، وكذلك جوهر تخطيط المساجد السلجوقية ذات الإيوانات، وقد أضيفت إليها بعض السمات المعمارية للمعابد الهندوسية، مما جعله شاهد على ما وصل إليه المغول المسلمين من قوة وحضارة.
ويرجع تاريخ بناء مسجد دلهي الجامع الذي يعرف أيضا باسم المسجد الملكي إلى العصر المغولي. ويقع في قلب دلهي القديمة، وبالتحديد في بداية شارع شواري بازار، أكثر شوارع العاصمة الهندية ازدحاماً. وبدأ العمل فيه يوم الجمعة العاشر من شوال العام 1060 هـ الموافق 19 أكتوبر 1650م، وبمشاركة أكثر من 6000 بناء ومزخرف، استمر العمل قائماً لمدة 14 سنة وافتتح بصلاة عيد الفطر في موكب ملكي حاشد.
آيات الفن لا في تاريخ العمارة الإسلامية
ويعتبر شاه جيهان أو "ملك الدنيا" أحد أعظم سلاطين دولة المغول المسلمين في الهند تعتبر منشآته في الهند من آيات الفن لا في تاريخ العمارة الإسلامية بل في تاريخ العمارة العالمية، مع تمتع عصره بالرفاهية والرخاء. ولذلك فهو يقارن بالوليد بن عبد الملك وعبد الرحمن الناصر وسليمان القانوني الذين ترك كل منهم بصماته واضحة في الآثار الإسلامية المعمارية.
ويعتبر مسجد دلهي الجامع أكبر مساجد الهند المحاطة بفناء على الإطلاق، حيث يتسع لـ 25 ألف مصل. ويرتفع على هضبة عالية ويتميز معماره بطابع هندي خالص باعتماده على التقسيم الثلاثي لإيوانات القبلة بالضلع الغربي، مقارباً في ذلك من التقسيم التقليدي للمعابد البوذية، حيث تقام ثلاث مقصورات لكل من أقانيم الثالوث البوذي، وهي فيشنو وتشيفا وبراهما. ويكتسب تصميم جامع دلهي طابعاً هندياً خالصاً بفضل القباب الثلاث التي تغطي الإيوانات الثلاث للقبلة، وهي قباب بصلية الشكل شيدت بألواح من الرخام الأبيض والأسود، بينما تتوج قمة القبة باللون الذهبي.
قباب بصلية الشكل
وترتفع على جانبي واجهة المسجد مئذنتان عاليتان، تبلغان 41 مترا، وهما رفيعتان، ولهما أربع طوابق، وتقوم أركان صحن المسجد وجداره على أربعة أبراج على هيئة جواسق في منتهى الجمال والروعة. وتتصل الأعمدة المزدوجة التي تتكون منها ومن العقود الفسطونية البواكي المفتوحة، وهي متصلة بالبوابات والأبراج.
حجر الأساس وقيام الليل
وتروى قصص عجيبة عن وضع حجر أساس هذا المسجد، تدل على شدة ورع شاه جيهان ومواظبته على صلاة التهجد بالليل، وقيل أنه عند البدء بوضع الأساس جمع حاشيته ووزراءه وقضاته والعلماء الملتفين حوله، ثم طلب ممن لم يفته قيام الليل مرة واحدة أن يتقدم لوضع حجر الأساس، فأمسكوا وتوقفوا. فما كان منه إلى أن تقدم شاكراً الله على نعمته عليه أن لم تفته صلاة الليل ولا مرة.
معقلا للثوار المسلمين ضد الانجليز
ويذكر التاريخ للمسجد أنه كان معقلا للثوار المسلمين عام 1274هـ / 1857م ضد الإنجليز، وبعد إخماد الثورة بوحشية فظيعة منع الإنجليز المسلمين من الصلاة فيه، فظل مغلقا حتى عام 1279هـ / 1862م. ولم يكتف الإنجليز بإغلاق المسجد، بل نهبوا الأوقاف الكثيرة التابعة له، ولم يتركوا أثراً للمدرسة الملحقة به عند الباب الجنوبي، وهي التي كانت تسمى دار البقاء، وكذلك فعلوا بالمستشفى الملكي المقام عند الباب الشمالي للمسجد، وقد كان يعالج المرضى بالمجان.
الجمهورية اونلاين ترصد أجمل وأشهر وأكبر مساجد في العالم لتقدمها في سلسلة يومية لقرائها طوال أيام شهر رمضان الكريم.
اترك تعليق