مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>
شبرا بلولة.. تضع مصر على خريطة العطور العالمية

القرية تغزو الأسواق الخارجية وتستحوذ على 50 إلى 60%
من الإنتاج العالمي لعجينة الياسمين

الخبراء والمزارعون:
إقامة مجمع صناعي متخصص لتعظيم القيمة المضافة
للمحصول وتعزيز التنافسية

قرية شبرا بلولة بمحافظة الغربية والتي تقع على بُعد كيلومترات قليلة من طنطا، واحدة من النماذج اللافتة للقرية المنتجة في مصر؛ إذ استطاعت أن تجعل من زهرة الياسمين موردًا اقتصاديًا ممتدًا إلى الأسواق العالمية. كما نجحت في أن تصنع اقتصادًا له امتداد يتجاوز حدودها، حتى أصبح الياسمين المصري مادة أساسية في صناعة العطور التي تصل إلى أسواق أوروبا والولايات المتحدة.


زراعات الياسمين في شبرا بلولة تبلغ مساحتها نحو 278 فدانًا، وفق البيانات المنشورة عن المنطقة، بما يعادل قرابة 60% من مساحة الياسمين في مركز قطور، ونحو 42% من إجمالي المساحة المزروعة بالمحصول في محافظة الغربية، وفي ذروة الموسم، يصل ما يتم جمعه من زهور الياسمين في القرية إلى نحو 16 طنًا يوميًا، تتجه إلى مصانع الاستخلاص.

الياسمين هنا ليس مجرد محصول موسمي، وإنما يشكل سلسلة اقتصادية تبدأ من الحقول، مرورًا بعمليات الجمع والاستخلاص، وصولًا إلى صناعة العطور ومستحضرات التجميل، وإلى جانب الياسمين، عرفت القرية زراعة نباتات عطرية أخرى، بينها اللارنج والريحان والبنفسج، لتصبح الزهور جزءًا من هويتها الاقتصادية والاجتماعية.

أهمية شبرا بلولة لا تقف عند حجم الزراعة، وإنما في الخبرة المتراكمة لدى المزارعين والعمال في التعامل مع محصول شديد الحساسية؛ فالزهرة تُجمع في توقيتات محددة، وتنتقل سريعًا إلى مراحل التصنيع للحفاظ على خصائصها العطرية.

أهمية الصناعة تظهر بصورة أكبر عند النظر إلى محافظة الغربية؛ إذ تبلغ المساحة المزروعة بالياسمين نحو 676 فدانًا، منها 465 فدانًا في مركز قطور و211 فدانًا في مركز بسيون، وتشير بيانات منشورة إلى أن أكثر من 90% من مزارع الياسمين المصرية تتركز في الغربية، فيما يقدر معهد بحوث البساتين مساهمة مصر بنحو 60 - 65% من الإنتاج العالمي من عجينة الياسمين.

أما المفارقة الاقتصادية فتبدأ من هنا: الزهرة التي يشتريها المصنع من المزارع كانت تُورد في موسم 2025 بنحو 105 جنيهات للكيلوجرام، بينما تتحول بعد عمليات الاستخلاص والتصنيع إلى مادة تدخل في منتجات عطرية ذات قيمة أعلى بكثير، ووفق بيانات منشورة عن إنتاج الياسمين في الغربية، ينتج الطن الواحد من الزهور نحو 3 كيلوجرامات تقريبًا من عجينة الياسمين، بما يكشف بوضوح حجم القيمة التي يمكن أن تضيفها مراحل التصنيع اللاحقة.

وهنا يطرح اقتصاد الياسمين سؤالًا يتجاوز حدود القرية: هل تظل شبرا بلولة مصدرًا للزهور والخامات، أم يمكن أن تتحول إلى قاعدة صناعية متكاملة لصناعة العطور والزيوت العطرية؟

المزارعون والخبراء وأبناء القرية يرون أن تعظيم القيمة المضافة يبدأ من إقامة مجمع صناعي متخصص في منطقة قطور، يجمع مراحل الصناعة من الاستخلاص إلى تصنيع العطور، والتعبئة والتغليف، ومراقبة الجودة، والبحث والتطوير، وصولًا إلى التصدير.

مثل هذا النموذج لا يضيف مصنعًا جديدًا فحسب، وإنما يعيد توزيع القيمة الاقتصادية داخل سلسلة الإنتاج نفسها؛ فيستفيد المزارع، وتتوسع فرص العمل، وينمو الاستثمار الريفي، وتزداد قدرة المنتج المصري على المنافسة، بدلًا من الاكتفاء بتصدير الخامة وترك المراحل الأعلى قيمة خارج القرية.

فإذا كانت 278 فدانًا من الياسمين استطاعت أن تضع اسم شبرا بلولة على خريطة صناعة العطور، فالسؤال الآن ليس فقط: كم طنًا من الزهور تنتج القرية؟ وإنما: كم قيمة مضافة يمكن أن تصنعها هذه الزهرة داخل مصر قبل أن تغادر إلى العالم؟

العمال والمزارعون:
نتطلع لتصنيع العطور والمنتجات النهائية محليًّا
لمضاعفة القيمة الاقتصادية

تحسين المقابل المادي وتوفير مظلة تأمينية
للعامل في حالات الإصابة والعجز والوفاة

إذا كانت المصانع تمثل الوجه الصناعي لهذه المنظومة، فإن عمال الجمع والمزارعين هم الحلقة الأولى والأهم في سلسلة إنتاج الياسمين.

يقول فرج المزين، أحد عمال جمع الياسمين: «العامل هو أهم عنصر في إنتاج عجينة الياسمين، ويحتاج لمزيد من الحماية الاجتماعية للحفاظ على المساحة المزروعة بهذا المحصول الحيوي الذي انتقل من جيل إلى آخر في القرية، والذي يسهم في صناعة تصديرية مهمة.

وتوضح شريفة فؤاد، مزارعة وجامعة لزهور الياسمين، أن عملية الجمع تبدأ ليلًا وتمتد حتى ساعات الصباح، ويحتاج الفدان إلى أعداد كبيرة من العمال خلال موسم الحصاد، مؤكدة أن الجمع يتم بصورة يومية طوال الموسم، ما يجعل العمالة عنصرًا لا غنى عنه لاستمرار الصناعة.

أما فاطمة إسلام، مزارعة وعاملة في جمع الياسمين، فتوضح أن العامل يواجه ظروفًا شاقة خلال ساعات العمل الطويلة، مطالبة بتحسين المقابل المادي وتعزيز حقوق العمال.

وتقول غادة حبيب، مزارعة، إن محصول الفدان يوفر فرص عمل لعدد كبير من أبناء القرية والقرى المجاورة، مؤكدة أن استمرار زراعة الياسمين يمثل مصدر رزق مهمًا للأسر.

وتطرح رشا محمد، إحدى العاملات في جمع الياسمين، قضية الأجور والتأمينات، مؤكدة أن المقابل اليومي، من وجهة نظرها، لا يتناسب مع مشقة العمل ومتطلبات المعيشة، إلى جانب غياب مظلة تأمينية تحمي العامل في حالات الإصابة أو العجز أو الوفاة.

كما تشير نور يوسف، عاملة في جمع الياسمين، إلى مشكلة أسعار التوريد، موضحة أن بعض العاملين والمزارعين يرون أن الأسعار التي يحصلون عليها لا تعكس حجم الجهد والتكاليف التي يتحملونها.

وبحسب ما ذكره العاملون في القرية، يدور سعر توريد كيلو الزهور حول 115 جنيهًا في الوقت الراهن، وهو رقم يرون أنه يحتاج إلى مراجعة بما يضمن استمرار زراعة المحصول، وتحقيق عائد عادل للمزارع والعامل.

70 ألف جنيه تكلفة الفدان
يقول المزارع محمد عبد العزيز إن تكلفة زراعة فدان الياسمين تتجاوز 70 ألف جنيه سنويًا، وقد ترتفع مع زيادة أسعار مستلزمات الإنتاج والأسمدة والعمالة.

ويشير إلى أن المزارع يتحمل تكلفة الزراعة والرعاية والعمالة والجمع، بينما تنتقل الزهرة بعد ذلك إلى سلسلة من مراحل التصنيع والاستخلاص والتصدير.

ويضيف: «نحن نصدر المادة الخام ونترك جزءًا كبيرًا من القيمة المضافة في الخارج، بينما لو توسعنا في تصنيع العطور والمنتجات النهائية داخل مصر، لكانت الفائدة أكبر للمزارع وللاقتصاد الوطني».

شباب القرية:
التوسع في إنشاء مصانع متخصصة لإنتاج العطور

يقول محمود أحمد، أحد أبناء القرية، إن شبرا بلولة تضم مصانع ووحدات صغيرة لاستخلاص الزيوت، يدير بعضها أبناء القرية، إلى جانب أسر تعمل في مختلف الأنشطة المرتبطة بالزهور، مشيرًا إلى أن هذه الصناعة تمثل مصدر دخل لعدد كبير من الأسر.

ويضيف أن طبيعة الأرض والظروف المناخية المناسبة ساعدت على انتشار زراعة الياسمين، إلى جانب الخبرات التي توارثها أبناء القرية جيلًا بعد جيل، حتى أصبحت هذه الزراعة جزءًا من هويتها الاقتصادية.

أما أحمد عبد الرحمن، أحد شباب القرية والعامل في وحدة صغيرة لاستخلاص الزيوت، فيحلم بأن تتجاوز شبرا بلولة مرحلة تصدير الخامات، إلى تصنيع المنتج النهائي داخل القرية.

ويقول إن القرية قادرة على توفير فرص عمل لآلاف الشباب إذا جرى التوسع في إنشاء مصانع متخصصة لإنتاج العطور ومستحضرات التجميل، مؤكدًا أن ظهور علامة تجارية مصرية عالمية لمنتجات الياسمين يمكن أن يمثل خطوة مهمة لتعظيم قيمة المحصول، وتحويل شهرة الزهرة المصرية إلى قيمة اقتصادية تحمل اسم شبرا بلولة ومصر إلى الأسواق العالمية.

خبراء الاقتصاد والزراعة:
تطوير منظومة الإنتاج والتصنيع والتسويق لتعظيم الصادرات
إنشاء مجمع صناعي ومعامل للجودة والتطوير ومراكز للتدريب

يرى خبراء الزراعة والاقتصاد أن الياسمين لم يعد مجرد محصول تقليدي، وإنما مورد تصديري يمتلك مقومات التحول إلى صناعة متكاملة، إذا جرى تطوير منظومة الإنتاج والتصنيع والتسويق.

ويرى الدكتور السيد خضر، الخبير الاقتصادي، أن تجربة شبرا بلولة تمثل نموذجًا واضحًا للزراعة ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، مستفيدة من الخبرات المتراكمة لدى أبناء القرية، وارتباط محصولها بسوق عالمي واسع.

يؤكد أن تصدير الخام يحرم الاقتصاد المصري من جزء مهم من القيمة المضافة، داعيًا إلى التوسع في إنشاء مصانع لاستخلاص الزيوت وإنتاج العطور ومستحضرات التجميل، إلى جانب تطوير صناعات التعبئة والتغليف.

أوضح أن إقامة صناعة متكاملة للياسمين من شأنها أن تفتح مجالات جديدة للاستثمار والتشغيل، تبدأ من الزراعة والتجميع والنقل، وتمتد إلى الاستخلاص والتصنيع والتعبئة والتسويق والتصدير.

ويشير إلى أن شبرا بلولة يمكن أن تتحول إلى مركز متكامل لصناعة الياسمين والعطور، من خلال إنشاء مجمع صناعي يضم وحدات للاستخلاص والتصنيع والتعبئة، ومعامل للجودة والتطوير، ومراكز للتدريب، مع إقامة روابط أكثر فاعلية بين المزارعين والمصانع والأسواق التصديرية.

الياسمين.. صناعة لا محصول
ويؤكد الدكتور محمد يوسف، الخبير الزراعي، أن قيمة الياسمين لا تتوقف عند حدود الزراعة، وإنما تمتد إلى سلسلة متكاملة من الأنشطة تبدأ بتجهيز الأرض والزراعة والرعاية، مرورًا بالجمع والفرز والنقل، وصولًا إلى الاستخلاص والتصنيع والتعبئة والتسويق.

ويشير إلى أن تطوير هذه السلسلة يمكن أن يرفع القيمة المضافة للمنتج المصري، ويوفر فرص عمل جديدة للشباب، ويعزز قدرة مصر على المنافسة في الأسواق العالمية.

يشدد على أهمية توفير الإرشاد الزراعي والتقنيات الحديثة، ورفع الإنتاجية وتحسين الجودة، إلى جانب تطوير منظومة التجميع والتصنيع بما يضمن للمزارع عائدًا أفضل ويحد من الفاقد.

منظومة ما بعد الحصاد
تؤكد الدكتورة ولاء مجاهد، الخبيرة الزراعية، أن التوسع في زراعة الياسمين يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير منظومة ما بعد الحصاد، من خلال إنشاء مراكز متخصصة للتجميع والفرز والتعبئة والتصنيع.

وترى أن الياسمين يمثل فرصة حقيقية للربط بين الزراعة والصناعة والتصدير، خصوصًا مع تنامي الطلب العالمي على الزيوت والمستخلصات الطبيعية، بما يفتح المجال أمام منتجات مصرية ذات قيمة مضافة مرتفعة.

تصدير عجينة الياسمين
أما المهندس حسام الدين محفوظ، وكيل وزارة الزراعة بالغربية، فيؤكد أن المساحة الكلية لزراعات الياسمين بالمحافظة خلال عام  2026 تبلغ نحو 677 فدانًا، تتركز في مركزي قطور وبسيون.

أوضح أن مساحة الياسمين بمركز قطور تصل إلى 465 فدانًا موزعة على 10 قرى، بينما تبلغ المساحة بمركز بسيون نحو 212 فدانًا موزعة على 15 قرية.

أشار إلى أن موسم جني أزهار الياسمين يبدأ من أول يونيو ويستمر حتى نهاية نوفمبر، بمتوسط نحو 120 يومًا من الجمع الفعلي خلال الموسم.

وأضاف أن نسبة الزيت تختلف باختلاف توقيت الحصاد، حيث تكون أقل في بداية الموسم خلال شهر يونيو وكذلك في نهايته، بينما ترتفع خلال أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر، وهو ما يجعل هذه الفترة الأهم من حيث جودة الخام وارتفاع محتواه العطري.

أكد أن مصر تصدر إنتاجها من عجينة الياسمين للأسواق الخارجية، حيث تمثل هذه الصناعة مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية، إلى جانب توفيرها فرص عمل واسعة لأبناء القرى والمرأة الريفية.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق