لم تكن مشاركة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الثامنة عشرة لتجمع "بريكس" بالعاصمة الهندية نيودلهي مجرد حضور بروتوكولي عابر، بل جاءت محطة دبلوماسية مكتملة الأركان، كرّست مكانة مصر كدولة محورية في منطقتها وفي العالم.
فعلى مدار يومي 12 و13 سبتمبر الجاري، قاد الرئيس السيسي وفد مصر في واحدة من أهم القمم الدولية، ملقيا كلمة مصر أمام قادة التجمع، كما عقد سلسلة من اللقاءات الثنائية رفيعة المستوى مع رؤساء دول وزعماء وكبار المسؤولين الدوليين، وسط حفاوة استقبال لافتة من الجانب الهندي المضيف، عكست الوزن الذي باتت تحظى به القاهرة في المحافل العالمية، والمكانة الشخصية التي يحتلها الرئيس السيسي في أوساط القيادات الدولية.
حفاوة استقبال تليق بمكانة مصر
ومنذ اللحظة الأولى لهبوط طائرة الرئاسة في مطار قاعدة بالام الجوية بنيودلهي، كانت مشاهد الاستقبال معبّرة عن التقدير الهندي الخاص للرئيس السيسي؛ إذ كان في مقدمة مستقبليه وزير الدولة الهندي لشؤون الدفاع سانجاي سيث، وقائد قاعدة بالام الجوية، وكبار مسؤولي وزارة الخارجية والمراسم الهندية، في استقبال رسمي رفيع المستوى.
وعلى المستوى الصحفي، رصدت كبريات الصحف الهندية والعالمية مشاركة الرئيس السيسي باهتمام واضح، معتبرةً حضوره من أبرز ملامح هذه النسخة من القمة، ومستذكرةً تاريخ العلاقات المصرية الهندية وزيارات الرئيس المتكررة للهند، بما فيها وقوفه ضيف شرف في احتفالات عيد الجمهورية الهندي عام 2023.
استقبال لافت من مودي في مقر القمة
وبلغت الحفاوة ذروتها لدى وصول الرئيس السيسي إلى مركز "بهارات ماندابام" للمؤتمرات، مقر انعقاد القمة؛ حيث كان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي شخصياً في استقباله، والتقطت صورة تذكارية جمعت الزعيمين في مشهد عكس دفء العلاقات بين البلدين والتقدير المتبادل بين قيادتيهما.
كما شارك الرئيس السيسي مع قادة وممثلي الدول الأعضاء في الصورة الجماعية للقمة، وحضر مأدبة العشاء الرسمية التي أقامها رئيس الوزراء الهندي على شرف القادة المشاركين، في أجواء عكست حرص نيودلهي على إبراز حضور الضيوف الكبار وعلى رأسهم الرئيس السيسي.
كلمة مصر.. رؤية واضحة تلفت قادة العالم
وتصدرت كلمة الرئيس السيسي أمام الجلسة المغلقة الأولى لقادة التجمع، تحت عنوان "الحوكمة العالمية الشاملة وتعزيز العمل متعدد الأطراف"، أبرز محطات المشاركة المصرية.
وقدم الرئيس السيسي - في كلمته - رؤية مصرية متكاملة، شدد خلالها على أهمية تعزيز آليات الحوكمة العالمية ودفع العمل متعدد الأطراف، مؤكداً أن مصر تنظر إلى بريكس باعتبارها فرصة واعدة لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، وإطاراً لدول الجنوب العالمي لمواجهة التحديات التنموية والاقتصادية والأزمات المتشابكة الممتدة إلى الأمن والطاقة والتجارة.
وشملت الكلمة رسائل محورية حول أهمية استقرار حرية الملاحة الدولية ودعم أهداف التنمية المستدامة وتنويع مصادر النمو، والترحيب بجهود إصلاح الهيكل المالي الدولي وتطوير أدوات التمويل الميسرة وتقوية دور بنك "التنمية الجديد"، إلى جانب التركيز على قضايا الأمن الغذائي والمائي وأمن الطاقة وضرورة تبني مقاربة متكاملة لمواجهتها.
ولعل أكثر ما لفت الأنظار في الكلمة تأكيد الرئيس السيسي استعداد مصر لمواصلة الشراكات العملية مع دول التجمع، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي الفريد، وتطلعها إلى رئاسة بريكس مستقبلاً — وهي رسالة تحمل في طياتها ثقة القاهرة بدورها وطموحها المشروع داخل التكتل.
لقاء بوتين.. شراكة استراتيجية وشهادة تقدير روسية
وفي مقدمة اللقاءات الثنائية، جاء اللقاء الذي جمع الرئيس السيسي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي حمل دلالات بالغة على عمق العلاقات المصرية الروسية؛ حيث وجه بوتين حديثه إلى الرئيس السيسي قائلاً: "أنت صديق مقرب جداً بالنسبة لنا"، مؤكداً "أن موقف مصر بالنسبة لنا مهم للغاية"، ومشدداً على حرص بلاده على استمرار التواصل والتنسيق مع القاهرة بشأن مختلف القضايا الإقليمية والدولية.
واستذكر الرئيس الروسي محطات التعاون المشترك، ومنها إطلاق منصة قمة "روسيا-إفريقيا" خلال رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي، مؤكداً متابعته الشخصية لتنفيذ المشروعات الكبرى بين البلدين.
وعلى الصعيد الاقتصادي.. كشف الرئيس السيسي - خلال اللقاء - أن حجم التبادل التجاري بين مصر وروسيا يصل إلى نحو 10 مليارات دولار، فيما بحث الجانبان مشروع محطة الضبعة النووية بقدرة 4800 ميجاوات، والمقرر دخول وحداتها على خط الإنتاج بحلول عام 2028، وملف إمدادات الحبوب؛ حيث أكد الرئيس استعداد مصر للتعامل مع أي مساعٍ من شأنها تيسير استيراد الحبوب من روسيا وأوكرانيا؛ وهو ما يعكس مركزية القاهرة في ملف الأمن الغذائي العالمي.
لقاء رامافوزا.. قيادة مصرية إفريقية لملفات القارة
وفي تأكيد على البعد الإفريقي للدبلوماسية المصرية، عقد الرئيس السيسي لقاءً موسعاً مع الرئيس سيريل رامافوزا رئيس جمهورية جنوب إفريقيا، شهد تباحثاً معمقاً حول ترقية العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية وتطوير اللجنة المشتركة إلى لجنة عليا لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري.
وتناول اللقاء مشروعات الربط القاري وإنشاء ممرات تجارية أكثر كفاءة بين شمال وجنوب القارة، لدعم التكامل الإفريقي عبر الاتحاد الإفريقي ووكالة النيباد واتفاقية التجارة الحرة القارية.
كما تطرق اللقاء إلى الملفات الإفريقية الساخنة، حيث شدد الرئيسان على المسؤولية المشتركة في تسوية النزاعات سلمياً، مؤكدين أن أمن السودان وسيادته خط أحمر، إلى جانب التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية وضرورة إقامة الدولة الفلسطينية وفقاً للمقررات الدولية، وضرورة احترام قواعد القانون الدولي في ملف المياه — وهي مواقف تكرس دور مصر كضمير إفريقيا وصوتها المسؤول في المحافل الدولية.
لقاءات موسعة مع جوتيريش ورئيس إندونيسيا وقادة الأعمال
ولم تتوقف أجندة الرئيس السيسي الثنائية عند هذا الحد، إذ التقى الرئيس السيسي، السكرتير العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، في لقاء عكس التنسيق الوثيق بين مصر والمنظمة الدولية إزاء قضايا السلم والأمن والتنمية، كما التقى سيادته مع الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو× لبحث آفاق التعاون بين البلدين، وهما لقاءان يجسدان اتساع شبكة علاقات مصر من إفريقيا إلى آسيا، ومن العمل الثنائي إلى متعدد الأطراف.
وفي بعد اقتصادي لافت، حرص الرئيس السيسي على اللقاء بعدد من الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات الهندية، في رسالة عملية بأن المشاركة المصرية لا تستهدف السياسة وحدها، بل فتح أبواب الاستثمار والشراكة الاقتصادية مع واحد من أسرع اقتصادات العالم نمواً.
مصر المحورية.. قراءة في دلالات المشهد
إن الحصيلة الكاملة لهذه المشاركة تقدم صورة ناصعة لما صنعته القيادة المصرية على مدار السنوات الماضية، دولة يتسابق قادة العالم على لقاء رئيسها، ويحرص كبار الزعماء على وصفه بـ "الصديق المقرب"، وتُستمع كلمته باهتمام في أهم منتديات الاقتصاد العالمي.
فحين يلتقي الرئيس بقادة روسيا وجنوب إفريقيا وإندونيسيا والأمم المتحدة في قمة واحدة، ويستقبله رئيس وزراء الدولة المضيفة شخصياً عند مدخل مقر القمة، فإن ذلك ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل شهادة عملية على أن مصر باتت رقماً لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة والعالم، ودولة محورية يُستمع لرؤيتها في ملفات الأمن الغذائي والطاقة والسلم الإقليمي وإصلاح النظام المالي الدولي.
وأثبتت مشاركة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة "بريكس" بنيودلهي، أن مصر ليست مجرد عضو جديد في التجمع، بل شريك مؤسس في صياغة مستقبله، وصوت فاعل يمثل العرب وإفريقيا ودول الجنوب العالمي بثقل واقتدار.
وبين كلمة رسمت خارطة طريق مصرية للحوكمة العالمية، ولقاءات ثنائية كرّست شبكة تحالفات وشراكات تمتد من موسكو إلى بريتوريا ومن جاكرتا إلى نيويورك، خرجت القاهرة من نيودلهي بحصيلة دبلوماسية ثرية تضاف إلى سجل النجاحات المتوالية لدبلوماسيتها، وتؤكد أن المكانة التي صنعها الرئيس السيسي لمصر في المحيط الدولي لم تعد شعاراً، بل واقعاً يشهد عليه قادة العالم قبل شعوبه.
اترك تعليق