مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>
قد يبدأ قبل الولادة.. دراسة تكشف سر إصابة مفاصل معينة بالتهاب المفاصل الروماتويدي

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة أكسفورد عن أدلة تشير إلى أن الاستعداد للإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي قد يبدأ في مرحلة مبكرة للغاية من نمو الإنسان، وربما قبل الولادة.


وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير أحد الألغاز التي حيرت العلماء لسنوات، وهو سبب إصابة التهاب المفاصل الروماتويدي لمفاصل معينة بشكل متكرر، بينما تظل مفاصل أخرى أقل عرضة للمرض.

وبحسب "ساينس ديلي" التهاب المفاصل الروماتويدي أحد أمراض المناعة الذاتية، إذ يهاجم جهاز المناعة الغشاء الزلالي الذي يبطن المفاصل، ما يؤدي إلى الألم والتورم والتيبس، ومع استمرار الالتهاب قد يتسبب المرض في تلف الغضاريف والعظام والأنسجة المحيطة بالمفصل.

لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن الأمر قد لا يرتبط بجهاز المناعة وحده، إذ يبدو أن الاختلافات في بنية المفاصل والخلايا الموجودة فيها تتشكل خلال مراحل النمو، وقد تؤثر لاحقًا في مدى تعرض كل مفصل للالتهاب.

ونُشرت الدراسة بعنوان «الأصول الجنينية لالتهاب المفاصل الموضعي» في مجلة «Nature Immunology»، وقادها باحثون من معهد كينيدي لأمراض الروماتيزم في جامعة أكسفورد، بالتعاون مع باحثين من جامعة برمنغهام وكلية لندن الجامعية ومصدر الضوء الماسي.


لماذا تصاب بعض المفاصل بالروماتويد دون غيرها؟

ركز الباحثون على مفاصل مختلفة في أصابع اليد، وقارنوا بين مفاصل السلاميات القريبة، المعروفة اختصارًا باسم PIP، والتي تتأثر بالتهاب المفاصل الروماتويدي بشكل متكرر، ومفاصل السلاميات البعيدة، أو DIP، الموجودة بالقرب من أطراف الأصابع، والتي عادة ما تكون أقل تعرضًا للمرض.

وأظهرت المقارنة أن هناك اختلافات واضحة بين نوعي المفاصل، ليس فقط لدى الأشخاص المصابين بالمرض، وإنما منذ مرحلة تكوين المفاصل أثناء النمو.

ووجد الباحثون أن مفاصل السلاميات القريبة تحتوي على كمية أكبر من النسيج الزلالي، إضافة إلى أعداد أكبر من نوع متخصص من الخلايا الليفية يعرف باسم PI16+.

والخلايا الليفية هي نوع من خلايا النسيج الضام، وتؤدي أدوارًا مهمة في تكوين الأنسجة والحفاظ على بنيتها، بينما توجد الخلايا الليفية الزلالية داخل المفصل وتساعد في إنتاج المواد التي تسهم في حماية المفصل وتسهيل حركته.

لكن هذه الخلايا يمكن أن تتغير طريقة عملها في حالات الالتهاب، وقد تصبح جزءًا من العمليات التي تؤدي إلى استمرار المرض.

واللافت أن الباحثين وجدوا هذه الاختلافات بين المفاصل منذ فترة ما قبل الولادة، ما يشير إلى أن بعض الخصائص التي تجعل مفصلًا أكثر عرضة للالتهاب قد تكون موجودة منذ تكوينه.

وقال كريستوفر باكلي، أستاذ أمراض الروماتيزم الانتقالية في معهد كينيدي بجامعة أكسفورد، إن العلماء يعرفون منذ عقود أن التهاب المفاصل الروماتويدي يستهدف مفاصل محددة بشكل انتقائي، لكن السبب ظل أحد الأسئلة المهمة التي لم تجد تفسيرًا كاملًا.

وأوضح أن نتائج الدراسة تشير إلى أن الإجابة لا تكمن في جهاز المناعة فقط، وإنما في الأنسجة نفسها أيضًا، إذ يمكن للخصائص الخلوية والبنيوية التي تتشكل أثناء نمو المفصل أن تساعد في تحديد المكان الذي ينتشر فيه الالتهاب في وقت لاحق من الحياة.


خريطة دقيقة للمفاصل أثناء النمو

استخدم الفريق مجموعة من التقنيات الحديثة لدراسة المفاصل أثناء مراحل نموها، من بينها تحليل الخلايا المفردة، وتقنيات التصوير المتقدمة، والتصوير ثلاثي الأبعاد عالي الدقة بالأشعة السينية.

وساعدت هذه التقنيات الباحثين على تكوين خريطة مفصلة للتركيب الخلوي والبنيوي لمفاصل أصابع الإنسان أثناء تطورها.

وأظهرت النتائج أن المفاصل النامية تتكون بشكل أساسي من خلايا هيكلية وليست خلايا مناعية، ومن بينها الخلايا الليفية والخلايا المسؤولة عن تكوين الغضاريف.

ثم درس الباحثون الإشارات التي توجه هذه الخلايا خلال عملية نمو المفصل، وكيف تتحول إلى أنواع متخصصة وتنتظم داخل الأنسجة.

واكتشفوا أن الغشاء الزلالي قد يتطور من مصدرين رئيسيين، هما الغضروف والخلايا الليفية المحيطة بالمفصل، كما يبدو أن الظروف المحلية داخل المفصل، بما في ذلك المناطق التي تحتوي على مستويات منخفضة من الأكسجين، يمكن أن تؤثر في هذه العملية.

ويرى الباحثون أن فهم هذه الإشارات التي تتحكم في نمو المفصل قد يساعد مستقبلًا في معرفة كيفية اكتساب الخلايا الليفية الزلالية وظائفها، وربما اكتشاف طرق تساعد على استعادة دورها الوقائي الطبيعي لدى المصابين بالتهاب المفاصل.


خلايا أكثر في المفاصل المعرضة للروماتويد

أظهرت التحليلات أن الخلايا الليفية PI16+ كانت أكثر انتشارًا في مفاصل السلاميات القريبة، وهي المفاصل التي تتأثر بالتهاب المفاصل الروماتويدي بشكل أكثر شيوعًا.

كما تركزت هذه الخلايا حول الأوعية الدموية وفي المناطق التي تلتقي فيها الأوتار والأربطة بالأنسجة المحيطة بالمفصل.

وأظهرت التجارب أن الخلايا الليفية PI16+ تستجيب للإشارات الالتهابية بطريقة تختلف عن أنواع أخرى من الخلايا الليفية.

ورغم أن النوعين يشتركان في بعض الاستجابات العامة للالتهاب، فإن خلايا PI16+ أظهرت تغيرات مميزة في مسارات بيولوجية مرتبطة بتنظيم المناعة وبنية الأنسجة.

وهذا يشير إلى أن وجود هذه الخلايا وموقعها وطريقة استجابتها للالتهاب قد تكون من العوامل التي تساعد في تحديد سبب إصابة بعض المفاصل بالمرض دون غيرها.

كما اكتشف الباحثون اختلافات في بنية الأنسجة نفسها، إذ أظهرت صور الأشعة ثلاثية الأبعاد عالية الدقة أن مفاصل السلاميات القريبة تحتوي على كمية أكبر من النسيج الزلالي، وأن هذا النسيج يختلف في طريقة تنظيمه عن النسيج الموجود في المفاصل التي عادة ما يتجنبها التهاب المفاصل الروماتويدي.

وقالت سارة ديفيدسون، الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه بمعهد كينيدي وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، إن المفاصل التي تتأثر عادة بالتهاب المفاصل الروماتويدي تحتوي بالفعل على مجموعات خلوية مميزة قبل الولادة.

وأوضحت أن وجود خلايا PI16+ بكثرة في المفاصل الأكثر عرضة للمرض، إلى جانب استجابتها المختلفة للإشارات الالتهابية، يشير إلى احتمال مساهمتها في تحديد المكان الذي يمكن أن يتطور فيه المرض.


هل يبدأ الاستعداد للروماتويد قبل الولادة؟

تشير نتائج الدراسة إلى أن قابلية بعض المفاصل للإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي قد لا تتحدد بالكامل عندما يبدأ المرض في الظهور خلال مرحلة البلوغ، وإنما قد تكون هناك خصائص خلوية وبنيوية تتشكل أثناء نمو المفصل قبل الولادة وتستمر معه لسنوات طويلة.

وبعبارة أبسط، قد يمتلك كل مفصل بيئة بيولوجية مختلفة عن الآخر، وهذه الاختلافات قد تحدد جزئيًا مدى استجابته للالتهاب عندما يتعرض الجسم للعوامل التي تؤدي إلى ظهور المرض.

لكن الباحثين يؤكدون أن الدراسة لا تعني أن الإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي أصبحت محددة قبل الولادة، ولا تعني أن وجود هذه الاختلافات يؤكد حتمية الإصابة بالمرض مستقبلًا.

فالنتائج تكشف عن عوامل بيولوجية محتملة قد تساعد في تفسير قابلية بعض المفاصل للالتهاب، بينما تظل الإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي مرتبطة بتداخل مجموعة من العوامل المناعية والوراثية والبيئية.

وقد تمثل هذه النتائج خطوة جديدة نحو فهم سبب استهداف الأمراض الالتهابية لمفاصل معينة دون غيرها، كما يمكن أن تساعد مستقبلًا في تطوير علاجات تستهدف البيئة الخلوية للمفصل إلى جانب التحكم في نشاط جهاز المناعة.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق