في الوقت الذي تترك فيه السكتة الدماغية بعض المرضى أمام أضرار عصبية وحركية طويلة الأمد، يختبر باحثون في جامعة ديوك طريقة جديدة لا تكتفي بإنقاذ أنسجة المخ من التلف، وإنما تحاول تهيئة المنطقة المتضررة نفسها لتبدأ عملية إصلاح جديدة.
وبحسب "ساينس ديلي" طوّر الباحثون دعامة حيوية قابلة للحقن، أظهرت في تجارب على الفئران قدرة على جذب خلايا مناعية إلى منطقة الإصابة، وتحفيز نمو أوعية دموية جديدة، ودعم نمو الألياف العصبية، وهو ما انعكس في النهاية على تحسن الحركة.
لكن المفاجأة الأبرز في الدراسة لم تكن الدعامة وحدها، بل الخلايا المتعادلة «العدلات»، وهي خلايا مناعية يرتبط وجودها عادة بالالتهاب وتلف الأنسجة في المراحل الأولى من السكتة، إلا أن الباحثين وجدوا أنها قد تلعب دورًا مساعدًا في إصلاح المخ عندما تصل إلى المنطقة المصابة في الوقت والظروف المناسبين.
من إنقاذ المخ إلى محاولة إصلاحه
تحدث السكتة الدماغية الإقفارية عندما تمنع جلطة دموية وصول الدم إلى جزء من المخ. ويمكن للتدخل السريع، سواء باستخدام أدوية إذابة الجلطات أو إزالة الجلطة بإجراء طبي، أن ينقذ الأنسجة التي لم تتعرض للتلف الكامل.
لكن المشكلة تبدأ عندما تموت خلايا المخ بالفعل.فاستعادة تدفق الدم لا تعني أن الأنسجة التي فُقدت ستعود، وقد تترك السكتة الشديدة تجويفًا في المنطقة المصابة. وهنا يعتمد المريض بدرجة كبيرة على إعادة التأهيل لمساعدة المخ على التكيف مع الضرر.
ومن هذه النقطة انطلقت فكرة فريق الباحثين بقيادة تاتيانا سيغورا، الأستاذة المتميزة في الهندسة الطبية الحيوية بجامعة ديوك: ماذا لو أمكن تحويل المنطقة التي خلفتها السكتة إلى بيئة تساعد الجسم نفسه على إعادة البناء؟
دعامة صغيرة تصنع بيئة جديدة داخل المخ
استخدم الباحثون هياكل حيوية مسامية تُعرف باسم MAPS، تتكون من جسيمات دقيقة من الهيدروجيل تتجمع لتكوين هيكل يحتوي على فراغات تسمح للخلايا بالدخول والتفاعل داخله.
لكن الدعامة لم تكن مجرد هيكل يوضع في المنطقة المتضررة.
فالعلماء حمّلوها بحويصلات خارج الخلية، وهي جسيمات دقيقة تطلقها الخلايا النجمية في المخ وتحمل بداخلها مجموعة من البروتينات والدهون والمواد الوراثية القادرة على التأثير في سلوك الخلايا الأخرى.
وربط الباحثون هذه الحويصلات بسطح جسيمات الهيدروجيل بدلًا من حقنها منفردة، بهدف إبقاء إشاراتها مركزة داخل المنطقة المصابة لفترة أطول.
كما اختبروا إشارات مختلفة يمكن أن تساعد في جذب الخلايا المناعية ودعم إصلاح الأوعية الدموية، وبرزت إشارتا IL-4 وC1q باعتبارهما من أكثر التركيبات فاعلية.
الخلايا المناعية تدخل على خط الإصلاح
مع وضع الدعامة داخل منطقة الإصابة، بدأت خلايا مناعية بالوصول إليها، من بينها الخلايا البلعمية والعدلات.
وهنا ظهرت واحدة من أهم نتائج الدراسة.فالعدلات معروفة بأنها من أوائل الخلايا التي تصل إلى موقع الإصابة، ويمكن أن تؤدي دورًا في الالتهاب وتلف الأنسجة بعد السكتة الدماغية.
لكن الباحثين وجدوا أن الأمر قد يتغير بمرور الوقت.ففي البيئة التي صنعتها الدعامة، ومع وجود إشارات معينة، بدا أن العدلات يمكن أن تتحول من مجرد جزء من الاستجابة الالتهابية إلى عنصر يساهم في عملية إصلاح الأنسجة.
وللتأكد من أهمية هذه الخلايا، خفّض الباحثون عدد الخلايا المناعية التي تحتوي على نسبة كبيرة من العدلات. وكانت النتيجة تراجع تكوين الأوعية الدموية وانخفاض إعادة تشكيل المنطقة المعالجة.
ويشير ذلك إلى أن العدلات لم تكن مجرد خلايا وصلت إلى مكان الإصابة بالصدفة، وإنما شاركت في الاستجابة التي أحدثتها الدعامة.
وقال شانغجينغ شين، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن هذه النتائج تشير إلى أن وظيفة العدلات بعد السكتة قد تعتمد على موعد وصولها ومكان وجودها والإشارات التي تتلقاها من البيئة المحيطة بها.
ماذا حدث داخل أدمغة الفئران؟
مع استمرار الاستجابة العلاجية، شهدت المنطقة المصابة تكوين أوعية دموية جديدة، وهي خطوة مهمة لتوفير بيئة أفضل للأنسجة.
كما وجد الباحثون زيادة في الألياف المحورية داخل المنطقة المتضررة وحولها، وهي أجزاء من الخلايا العصبية تساعد على نقل الإشارات بين الخلايا.
ولم تتوقف النتائج عند التغيرات التي ظهرت تحت المجهر.
ففي اختبارات الحركة، تمكنت الفئران التي حصلت على الدعامة المحسنة من أداء اختبار المشي على شبكة بصورة أفضل، وهو اختبار يستخدم لرصد أخطاء وضع الأطراف الأمامية.
وبعد 8 أسابيع، أصبح أداء الفئران المعالجة غير مختلف إحصائيًا عن أداء الفئران السليمة في المجموعة الضابطة.
وهذا يعني أن التحسن لم يكن مجرد تغير في الأنسجة، بل انعكس أيضًا على وظيفة حركية يمكن قياسها.
لماذا لا تكفي الحويصلات وحدها؟
اختبر الباحثون نقطة مهمة أخرى: هل يمكن الحصول على النتيجة نفسها بمجرد حقن الحويصلات خارج الخلية، من دون استخدام الدعامة؟
الإجابة كانت لا.فالحويصلات التي أُعطيت من دون دعامة لم تحقق التأثير نفسه في إصلاح الأوعية الدموية.
وهذا يشير إلى أن نجاح التجربة لم يعتمد على المادة التي تحمل الإشارات فقط، وإنما على البيئة التي صنعتها الدعامة حولها.
فالبنية المسامية وفرت مكانًا تستطيع الخلايا الدخول إليه، بينما ساعدت الدعامة في إبقاء الإشارات العلاجية مركزة في المنطقة التي تحتاج إليها.
هل يمكن أن يصبح هذا علاجًا للبشر؟
رغم النتائج اللافتة، لا يزال الطريق طويلًا قبل الحديث عن علاج متاح لمرضى السكتة الدماغية.
الدراسة أجريت على الفئران فقط، وجرى حقن الدعامة مباشرة في المنطقة المتضررة من المخ.
ويحتاج الباحثون إلى معرفة مدى أمان هذه الطريقة، وكيف تتفاعل الأنواع المختلفة من الخلايا المناعية مع العلاج، وما إذا كانت النتائج ستتكرر في نماذج حيوانية أكبر وأكثر شبهًا بالإنسان.
ويعمل الفريق حاليًا أيضًا على دراسة حويصلات تنتجها خلايا نجمية مشتقة من خلايا جذعية بشرية، في محاولة للوصول إلى مصدر أكثر قابلية للتوسع، وربما أكثر ملاءمة للتطوير الطبي مستقبلًا.
وهكذا، لا تقدم الدراسة حتى الآن «علاجًا جديدًا للسكتة»، لكنها تفتح اتجاهًا مختلفًا تمامًا في أبحاث التعافي من آثارها: بدلًا من الاكتفاء بمحاولة إنقاذ ما تبقى من أنسجة المخ، يسعى الباحثون إلى إعادة تصميم البيئة المحيطة بالمنطقة الميتة بحيث تساعد خلايا الجسم نفسها على بدء عملية إصلاح جديدة.
اترك تعليق