مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>
عقرب بطول متر عاش في بريطانيا قبل 415 مليون سنة

في زمن كانت فيه الحياة على اليابسة لا تزال في بداياتها، ولم تكن الغابات قد ظهرت بعد، جاب عقرب مفترس ضخم أراضي ما يُعرف اليوم بإنجلترا وويلز، بطول يقارب مترًا كاملًا ومخالب يتجاوز طولها 16 سنتيمترًا، في مشهد يكشف أن ظاهرة المفصليات العملاقة بدأت في تاريخ أقدم بكثير مما كان يعتقد العلماء.


وبحسب تقرير نشره موقع ScienceDaily، تمكن باحثون من جامعة مانشستر ومتحف التاريخ الطبيعي في لندن من تحديد هوية هذا الكائن الأحفوري بعد إعادة فحص عينات ظلت محفوظة في مجموعات المتحف لأكثر من 150 عامًا، ليتبين أنها تنتمي إلى نوع جديد من العقارب المفترسة، أطلق عليه العلماء اسم Praearcturus gigas، ويُعد أكبر عقرب معروف حتى الآن.

 

عقرب عملاق قبل ظهور الأشجار

عاش Praearcturus gigas قبل نحو 415 مليون سنة، خلال العصر الديفوني المبكر، في وقت كانت فيه النظم البيئية البرية مختلفة جذريًا عن عالمنا الحالي.

ولم تكن الغابات قد ظهرت بعد، كما كانت الحياة على اليابسة محدودة نسبيًا مقارنة بالعصور اللاحقة، ما يجعل العثور على مفصلي بهذا الحجم في تلك الفترة مفاجأة علمية لافتة.

وقال الدكتور ريتشارد ج. هوارد، أمين قسم مفصليات الأرجل الأحفورية في متحف التاريخ الطبيعي بلندن والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن تصور المفصليات العملاقة يرتبط عادةً بالغابات التي ظهرت في العصر الكربوني، وبكائنات ضخمة مثل الديدان الألفية والحشرات الكبيرة، إلا أن Praearcturus عاش قبل تلك المرحلة بما لا يقل عن 50 مليون سنة، وقبل ظهور الأشجار بوقت طويل.

ويرى الباحثون أن تأكيد كون هذا الكائن عقربًا يغير التصورات المتعلقة بتوقيت تطور المفصليات إلى أحجام هائلة، ويدفع ظهور هذه الظاهرة إلى فترة أقدم بكثير من الحقبة التي ارتبطت تقليديًا باللافقاريات العملاقة.

 

كيف وصل العقرب إلى هذا الحجم؟

أثار الحجم الاستثنائي للعقرب تساؤلات حول الظروف التي سمحت له بالنمو إلى هذه الأبعاد، خصوصًا أن مستويات الأكسجين في الغلاف الجوي لم تكن قد ارتفعت بعد إلى المستويات التي ارتبطت لاحقًا بظهور بعض المفصليات العملاقة.

ويرى الباحثون أن تفسير حجمه ربما لا يرتبط بالأكسجين وحده، وإنما بالظروف البيئية التي عاش فيها.

ففي ذلك العالم القديم، ربما كان عدد الحيوانات المفترسة الكبيرة المنافسة على الموارد محدودًا، ما أتاح لهذا العقرب احتلال موقع مهم داخل النظام البيئي والوصول إلى حجم يصعب على الحيوانات البرية المحافظة عليه في البيئات الأكثر ازدحامًا وتعقيدًا التي ظهرت لاحقًا.

وقال الدكتور راسل غاروود، عالم الحفريات في جامعة مانشستر، إن Praearcturus ظل يحير علماء الحفريات لأكثر من قرن، قبل أن يتيح جمع عينات من مجموعات مختلفة واستخدام تقنيات التصوير الحديثة بناء صورة أكثر وضوحًا للكائن.

 

هل كان يعيش في الماء؟

لا تشير الأدلة إلى أن العقرب كان بريًا بالكامل، إذ تحمل بعض الأحافير تراكيب موجودة على البطن تشبه أغطية أو صفائح توجد في بعض القشريات الحديثة، مثل الكركند.

وأثارت هذه السمات احتمال أن يكون Praearcturus gigas قادرًا على التنقل بين البيئات المائية واليابسة، وربما قضى جزءًا من دورة حياته في الماء.

ودعمت هذه الفرضية نتائج تحليل أوسع للسجل الأحفوري للعنكبيات أجراه غاروود وفريقه، إذ وجد الباحثون أن العقارب كانت شائعة بصورة لافتة في صخور تلك الفترة مقارنة بالعنكبيات الأخرى.

وقد يعني ذلك أن بعض العقارب المبكرة كانت مرتبطة ببيئات المياه العذبة، وهو ما قد يساعد أيضًا في تفسير فرص حفظ بقاياها في السجل الأحفوري.

وتضع هذه النتائج Praearcturus في مرحلة محورية من تاريخ الحياة على الأرض، عندما بدأت الحيوانات في استكشاف البيئات الواقعة خارج المحيطات والتكيف مع ظروف جديدة على اليابسة والمياه العذبة.

وقال الدكتور جريج إيدجكومب، الباحث المتميز في متحف التاريخ الطبيعي بلندن والمؤلف المشارك للدراسة، إن الحدود بين اليابسة والبحر كانت أقل وضوحًا في ذلك الزمن، وقد يقدم هذا العقرب لمحة عن كيفية تكيف الحيوانات المبكرة مع البيئات المتغيرة.

وأضاف أن الكائن ربما يمثل أيضًا سلالة عادت إلى الماء بعدما كان أسلافها قد بدأوا بالفعل في التكيف مع الحياة على اليابسة.

 

أحفورة حيّرت العلماء لأكثر من 150 عامًا

المثير في القصة أن العلماء لم يكتشفوا الأحفورة حديثًا، بل إن العينات كانت موجودة في مجموعات المتحف منذ أكثر من قرن ونصف.

فقد وصف العلماء Praearcturus gigas للمرة الأولى عام 1871، لكنهم اعتقدوا آنذاك أنه قشري عملاق يشبه قمل الخشب.

وكانت الأحافير المكتشفة في ذلك الوقت غير مكتملة، كما افتقدت بعض السمات التشريحية المهمة التي كان يمكن أن تساعد على تحديد هوية الكائن، ومن بينها أجزاء من الذيل.

ومع اكتشاف أحافير أحدث وأكثر اكتمالًا لأنواع مرتبطة به، تمكن الباحثون من إجراء مقارنات تشريحية باستخدام أساليب تحليل وتصوير حديثة، واكتشاف صفات مميزة للعقارب لم تكن واضحة في العينات القديمة.

وساعد ذلك العلماء على إعادة تقييم جنس Praearcturus والتوصل إلى أنه ينتمي إلى العقارب، وأنه يمثل نوعًا متميزًا هو Praearcturus gigas.

ويرى الباحثون أن إعادة دراسة العينات القديمة توضح القيمة العلمية الكبيرة لمجموعات المتاحف، إذ يمكن لأحفورة جُمعت قبل أكثر من 150 عامًا أن تقدم، باستخدام التقنيات الحديثة، معلومات تغير فهم العلماء لتاريخ الحياة على الأرض.

 

اكتشاف يعيد رسم تاريخ المفصليات العملاقة

نشرت الدراسة في مجلة علم الأحياء القديمة (Palaeontology)، وتقدم دليلًا جديدًا على أن ظهور المفصليات العملاقة لم يكن ظاهرة مرتبطة فقط بالغابات الكثيفة أو الارتفاع اللاحق في مستويات الأكسجين.

فحجم Praearcturus gigas الهائل في مرحلة مبكرة من تطور النظم البيئية البرية يشير إلى أن عوامل أخرى ربما لعبت دورًا في ظاهرة العملقة، من بينها طبيعة البيئة وتوافر الموارد وغياب المنافسة من الحيوانات المفترسة الكبيرة.

ويمنح هذا العقرب العملاق العلماء نافذة نادرة على عالم عاش قبل مئات الملايين من السنين، عندما كانت الحيوانات تخوض واحدة من أهم مراحل تطورها: الانتقال من البيئات البحرية إلى استكشاف الحياة على اليابسة والمياه العذبة.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق