لطالما عرف العلماء أن باطن الأرض ليس كتلة واحدة متجانسة، لكن دراسة جديدة تقدم دليلًا إضافيًا على أن اللب الخارجي للكوكب أكثر ديناميكية وتعقيدًا مما كان يُعتقد، إذ كشفت تغيرات دقيقة في سرعة الموجات الزلزالية عن تحرك مواد داخل هذه المنطقة العميقة من الأرض.
واعتمدت الدراسة على مصدر غير تقليدي للبيانات، يتمثل في موجات زلزالية نتجت عن تجارب نووية فرنسية أُجريت تحت الأرض قبل عقود، وهو ما أتاح للباحثين مقارنة موجات قطعت مسارات متقاربة عبر باطن الكوكب في أوقات مختلفة، وفقًا لما ذكره موقع «ساينس أليرت».
تجارب نووية قديمة تكشف أسرارًا جديدة عن باطن الأرض
استفادت عالمة الجيوفيزياء يينغ تشو، من جامعة فرجينيا للتكنولوجيا، من بيانات تجارب نووية تحت الأرض أُجريت في جزيرة موروروا ببولينيزيا الفرنسية خلال الفترة بين عامي 1977 و1995.
وبعد انطلاق الموجات الناتجة عن تلك التجارب، عبرت باطن الأرض ووصلت إلى محطة لرصد الزلازل في كازاخستان.
وكان تقارب مواقع التجارب مهمًا للباحثة، لأنه سمح بإجراء مقارنات بين موجات زلزالية سلكت مسارات متشابهة للغاية داخل الكوكب، وبالتالي رصد أي تغيرات طرأت على باطن الأرض خلال السنوات الفاصلة بين التجارب.
أجزاء من الثانية تكشف تغيرات عميقة
أظهرت المقارنة أن الموجات التي مرت عبر اللب الخارجي لم تحافظ على السرعة نفسها مع مرور الوقت.
فمقارنة بالإشارات المسجلة عام 1977، كانت الموجات أسرع بنحو 0.1 ثانية خلال عامي 1982 و1983، ثم ارتفع الفرق إلى نحو 0.15 ثانية بين عامي 1988 و1990.
لكن الصورة تغيرت بحلول عام 1995، عندما أصبحت الموجات أبطأ بنحو 0.15 إلى 0.2 ثانية.
ورغم أن هذه الفروق تبدو ضئيلة للغاية، فإنها تحمل دلالة علمية مهمة، لأن الموجات قطعت آلاف الكيلومترات عبر باطن الأرض، وأي تغير في سرعتها يمكن أن يشير إلى اختلافات في المواد أو الظروف التي مرت خلالها.
هل يتحرك اللب الخارجي باستمرار؟
تدعم النتائج احتمال وجود حركة واختلاط مستمرين للمواد داخل اللب الخارجي، بدلًا من كونه مجرد كتلة متجانسة من المعادن المنصهرة.
وتشير الدراسة إلى وجود منطقة غير طبيعية في جنوب المحيط الهادئ، عند خطوط العرض المنخفضة، تمتد لأكثر من 700 كيلومتر، ويبلغ سمكها نحو 100 كيلومتر.
وقد تكون هذه المنطقة أحد التفسيرات المحتملة للتغيرات التي رصدتها الموجات الزلزالية أثناء عبورها الأرض.
ما علاقة ذلك بالمجال المغناطيسي للأرض؟
لا تقتصر أهمية هذه النتائج على فهم تركيب باطن الكوكب، إذ يمكن أن تساعد دراسة حركة المواد داخل اللب الخارجي العلماء على تفسير كيفية نشوء المجال المغناطيسي للأرض والتغيرات التي تطرأ عليه.
ويتكون اللب الخارجي بصورة أساسية من معادن في حالة سائلة، وترتبط حركة هذه المواد بالعمليات المسؤولة عن توليد المجال المغناطيسي الذي يحيط بالأرض، ويساعد على حمايتها من جزء كبير من الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس.
وبذلك، تكشف فروق زمنية لا تتجاوز أجزاء من الثانية عن نشاط يحدث في أعماق هائلة تحت سطح الأرض، وتمنح العلماء وسيلة جديدة لدراسة ما يجري داخل أحد أكثر أجزاء الكوكب غموضًا.
اترك تعليق