يُعد المطاط المقوى من أهم المواد في الحياة المعاصرة. يُساعد هذا المركب إطارات السيارات والطائرات على تحمّل ضغوط هائلة، ويدخل في صناعة كل شيء تقريبًا، من الأجهزة الطبية إلى خراطيم الحدائق. ورغم استخدامه منذ حوالي قرن من الزمان، لصناعة الإطارات التي تُقدّر قيمتها بنحو 260 مليار دولار، لم يفهم العلماء تمامًا سبب اكتسابه هذه القوة الهائلة عند مزجه بجزيئات الكربون الأسود.
الآن، يقول باحثون بجامعة جنوب فلوريدا إنهم حلّوا هذا اللغز.
كشف الفريق، بقيادة أستاذ الهندسة ديفيد سيمونز، كيف تُحوّل جزيئات الكربون الأسود الدقيقة المطاط اللين إلى مادة تتحمّل ضغوطًا هائلة، بينها الطائرات مكتملة الحمولة. ونُشرت نتائجهم بمجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم.
يقول سيمونز: "مرّ المطاط بمراحل من التجارب والأخطاء. تشتري شركات الإطارات أنواعًا مختلفة من الكربون الأسود -وهو سخام مُطوّر -وعليها أن تُجرّب وتُخطئ لتحديد ما يستحق الشراءه بالمال."
بعد 1500عملية محاكاة جزيئية استغرقت 15عامًا من وقت الحوسبة، حدد الباحثون الآلية الرئيسية وراء المطاط المقوى. واستطاعوا التوفيق بين النظريات العلمية المتنافسة.
ظلت تركيبة المطاط المقوى دون تغيير لعقود. يمزج المصنّعون جزيئات مجهرية من الكربون الأسود، مع المطاط لجعله أكثر صلابة، وأطول عمرًا، وأكثر مقاومة للتآكل. وهذا سبب سواد لون معظم الإطارات.
وكافح العلماء لسنوات لتفسير السبب. اعتقد بعضهم أن جزيئات الكربون تُشكّل هياكل شبيهة بالسلاسل داخل المطاط ككل. وجادل آخرون بأن الجزيئات تُصلّب المادة المحيطة بها مثل الغراء. ورأى آخرون أن الجزيئات تشغل حيزًا، فيتمدد المطاط بشكل مختلف.
لم تشرح هذه التفسيرات سلوك المادة بالكامل. ولأن الجزيئات والتفاعلات تحدث على المستوى النانوي، فإن مراقبتها أمر في غاية الصعوبة. لذلك، قرر سيمونز وفريقه استخدام محاكاة حاسوبية متقدمة.
قام سيمونز وفريقه بنمذجة سلوك مئات آلاف الذرات داخل المطاط المقوى.
حسّن الباحثون نماذج المحاكاة السابقة لتمثيل شكل وتوزيع جزيئات الكربون داخل المادة بدقة أكبر.
قال سيمونز: "لم نقم بتشغيل المحاكاة لمدة 15 عامًا بشكل حَرْفي، لكنك إذا أجريت عملية حسابية باستخدام حاسوبك المحمول، بكل إمكاناته، لمدة ساعة واحدة، فستستغرق العملية ست ساعات. لكننا استخدمنا مجموعة الحوسبة الضخمة بجامعة جنوب فلوريدا لعدة أشهر، بما يعادل 15عاما بحاسوبك."
تمحور هذا الإنجاز حول خاصية تُسمى نسبة بواسون، وتصف كيفية تغير شكل المواد عند شدها.
يشبِّه سيمونز هذا التأثير بضغط مكبس حقنة مغلقة مملوءة بالماء. ولأن الماء يقاوم الانضغاط، فإن ضغط المكبس يُولّد مقاومة متزايدة.
يتصرف المطاط بطريقة مماثلة. فعند شدّ شريط مطاطي عادي، يصبح أرقّ دون أن يتغير حجمه الإجمالي تقريبًا. وتعمل جزيئات الكربون الأسود كدعامات هيكلية دقيقة داخل المطاط، مانعةً إياه من الترقق أثناء الشدّ. ولذلك، عند ضغط المطاط، فإنه يقاوم ذلك بشدة، فيصبح أكثر صلابة وقوة.
لا تنفي النتائج الجديدة النظريات السابقة حول المطاط المقوى، بل تجمعها في تفسير أشمل.
قد يكون لهذه النتائج آثار كبيرة على صناعة الإطارات. غالبًا ما يواجه مهندسو الإطارات ما يُعرف بـ"المثلث السحري" لتصميم الإطارات، وهو التحدي المتمثل في تحقيق التوازن بين كفاءة استهلاك الوقود، والتماسك، والمتانة. فتحسين إحدى هذه الصفات أو اثنتين منها غالبًا ما يُقلل من الثالثة.
مع فهم أوضح للأسس الفيزيائية، قد يتمكن المهندسون من تصميم مواد مطاطية بدقة أكبر. مما يسمح بإنتاج إطارات أطول عمرا، وتوفر ثباتًا أفضل على الطرق في الظروف الرطبة، وتحسن استهلاك الوقود.
لا تقتصر الآثار المترتبة على الإطارات فحسب، فالمطاط المقوى يُستخدم على نطاق واسع في محطات توليد الطاقة، وأنظمة الفضاء، والبنى التحتية الحيوية حيث يمكن أن يكون لفشل المواد عواقب وخيمة.
وأشار سيمونز إلى كارثة مكوك الفضاء تشالنجر عام 1986، والتي ارتبطت بتلف حشية مطاطية في درجات حرارة منخفضة.
اترك تعليق