الجماعة الارهابية حولت الميدان الآمن إلى معسكرات مسلحة
أدخلوا كميات ضخمة من الأسلحة الآلية وقذائف الأربيجي والذخائر الحية
أمهات وزوجات وابناء شهداء الشرطة تحدثوا لـ "الجمهورية اون لاين ":
أولادنا فتحوا لهم الممرات الأمنة فأمطروهم برصاص الغدر
الإرهابيون نكلوا بالشهداء بطرق لا تقبلها شرائع السماء
13 عاماً تمر اليوم وكأنها حكاية الأمس، ولا تزال ملحمة الشرطة في الرابع عشر من أغسطس 2013 تنبض بالفخر والوجع معاً في ذلك اليوم القاسي ، لم يكن أبطال الشرطة والعمليات الخاصة يخوضون معركة عادية ضد تظاهرات سلمية، بل واجهوا تنظيماً مسلحة حوّل ميادين الاعتصام في ميداني رابعة العدوية والنهضة إلى بؤر مُحصنة؛ حيث اتخذت قيادات الإخوان من النساء والأطفال دروعاً بشرية في الخطوط الأمامية، وتاجرت بجثث الموتى أسفل المنصات لاستعطاف الرأي العام وإطالة أمد الفوضى، ونكلت بكل من حاول الخروج من قبضتهم، فبعد أن عمدت قيادات الإخوان المجرمون تحويل اعتصامي "رابعة العدوية" و"النهضة" إلى معسكرات مسلحة حصينة وتم إدخال كميات ضخمة من الأسلحة الآلية، والخرطوش، وقذائف الأربيجي والذخائر الحية، وتخزينها داخل خيام الاعتصام ودور عبادة محيطة بها لتنفيذ مخططات ممنهجة قامت على السلاح، والترهيب، وتعريض أمن الدولة والمواطنين للخطر؛
جاء نصر الله وبعزيمة الأبطال تمكن رجال الشرطة من فض الاعتصام وإعادة هيبة الدولة وفرض إرادتها، ومع مرور السنوات وفي ذكرى يوم الفض تحكي أمهات وزوجات شهداء الشرطة تفاصيل اللحظات القاسية، لا ليبكوا رحيلهم، بل ليذكّروا التاريخ بأن الأوطان لا تُبنى إلا بالدم والرجال الأوفياء .
تفاصيل اليوم القاسي
في ذكرى فض اعتصام رابعة العدوية الثالث عشر ، تقف السيدة وفاء السيد، أم الشهيد البطل الرائد مصطفى يسري عميرة، لتستعيد شريطاً طويلاً من الفخر ومرارة الفقد، لتتحدث عن تفاصيل اليوم القاسي 14 أغسطس 2013، حين كان ابنها يقف في الصفوف الأمامية لحماية الدولة من الانزلاق نحو الفوضى، مؤدياً واجبه كأحد رجال قطاع العمليات الخاصة الأبطال، لتروي كيف استهدفه قناص غادر بثلاث رصاصات قاتلة استقرت في الرأس والقلب.
تتذكر الأم صمود ابنها البطل الذي ظل يصارع الإصابة لثلاث سنوات كاملة في غيبوبة تامة وشلل رباعي، وهي الحالة التي وصفتها وزارة الداخلية آنذاك بالأصعب في صفوف الجهاز، ليلقب بحق "الشهيد الحي" حتى فاضت روحه إلى بارئها في التاسع عشر من أغسطس لعام 2016 ... تسترجع والدته مواقفه الإنسانية العميقة وكيف أنه وزع أول راتب تقاضاه عام 2010 على عماته وخالاته وجداته وكأنه كان يودعهم ببره، وتتذكر أيامه قبل إصابته بشهرين حين كان في العمرة يخدم كبار السن ويرفض الراحة حتى أطلقوا عليه "خادم المعتمرين"، مشيرة إلى أثره الطيب الذي لم يتوقف قط حيث كان يترك في كل مكان يطؤه سجادة صلاة ومصحفاً، وكأنه كان يخطط لرحيله المبكر الذي طالما تمناه حين كان يحدثها صغيراً عن حلمه بأن يصبح ضابطاً وشهيداً ، تختم الأم ممسكة على قلبها وبرواز صورته بالرضا قائلة : لا شيء يعوض غياب الضنا لكن الوطن حين ينادي وجب أن نلبي .. عادت تطوف بشوارع الوطن وترى حجم الإنجازات والمشروعات الضخمة التي تحققت، لتتنفس الصعداء وتخاطب روح ابنها قائلة إن دمائه الطاهرة لم تذهب هدر وأن بلادنا باتت اليوم أقوى وأمن وأحسن، ويزداد فخرها حين تتذكر تكريم الرئيس عبد الفتاح السيسي له و
إطلاق اسمه على المدرسة النموذجية بمصر الجديدة، ليظل اسم مصطفى يسري عميرة محفوراً في ذاكرة التاريخ كبطل حقيقي حمى المصريين وترك في قلوبنا وطناً آمنا لا ينسى رجاله المخلصين .
رصاص الغدر
وتقول والدة الشهيد الرائد محمد جودة إن أبنها الشهيد فتح لهم الممرات الأمنة فأمطروه برصاص الغدر .. وذهبت معه الفرحة وترك لي ناراً لا تبرد في صدري
أضافت : أتذكر ابني وفلذة كبدي، الرائد محمد جودة، أسد العمليات الخاصة، وكأن الحكاية حدثت بالأمس .. كان محمد بالنسبة لي ليس مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل كان روحي التي تمشي على الأرض، وابناً باراً لم تعرف الرحمة لقلبه حدوداً، حتى في أقسى لحظات المواجهة.
أضافت : حين جاء فجر 14 أغسطس عام 2013، أذكر جيداً كيف اتصل بي في الرابعة والنصف فجراً، وكأن قلبه الشجاع كان يودعني ويطمئن علي للمرة الأخيرة ، لم أكن أعلم أن تلك الكلمات الدافئة هي الأخيرة التي أسمعها منه، وأنني على موعد مع فاجعة هزت بيتي واعتصرت قلبي حين استيقظنا في الثامنة صباحاً على خبر استشهاده يملأ الشاشات.
أشارت إلى أن أبنها لم يذهب ليروّع أحداً، بل وقف بطوله الفارع فوق المدرعة، وبصوت نقي يملؤه الثبات، صارخاً عبر مكبرات الصوت ليفتح ممرات الحياة للنساء والأطفال وكبار السن، موصياً جنوده بحمايتهم وتأمين خروجهم وعدم إطلاق النار إلا للدفاع عن النفس فتح هو ممرات الأ في تمام السابعة إلا الثلث صباحاً، وبينما كان يهم بالنزول لاستكمال واجبه الإنساني والوطني، استهدفته رصاصة قناص غادرة من أسطح العمارات المحيطة، لتخترق رأسه وتنهي حياة بطل أقسم على حماية تراب هذا الوطن لقد ذهب محمد وذهبت معه الفرحة ودفء البيت، وترک لي ناراً لا تبرد في صدري، لكن عزائي الوحيد أنه نال ما تمناه، وشهادةً لا تليق إلا الأبطال الشرفاء ... أرفع رأسِي عالياً وأنا أنعي مهجة قلبي وسندي، ابني وحبيبي الذي لم ينحنِ إلا لخالقه. رحلت يا محمد جسداً، وبقيت فينا روحاً طاهرة وسيرة عطرة لا تغيب. أقول لك يا بني: اذهب إلى ربك راضياً مرضياً فقد أديت الأمانة وصنت الأرض والعرض وحميت الوطن .
زرع حياته في تراب هذا الوطن
تتذكر السيدة سعاد الرفاعي، والدة الرائد البطل محمد سمير عبد المعطي، ضابط العمليات الخاصة، ابنها الذي اختار طريق الشرف حتى نهايته، مسترجعة تفاصيل أيام أثقلها الفراق لكنها ملئت بالعزة تقول الأم ودموعها تسابق الكلمات إن ابنها تخرج في كلية الشرطة عام 2010 ليبدأ مشواره في قطاع الأمن المركزي، وليواجه مع زملائه تحديا وطنياً قاسيًا تداخلت فيه أحداث ثورة يناير وما تبعها من تحديات جسام .... وتمر الأم بيوم الرابع عشر من أغسطس، اليوم الذي يسجل فيه الحزن تاريخًا مجيدًا، ففي مثل هذا اليوم من عام 2010 استلم خدمته الأولى، وفي اليوم نفسه من عام 2013 نال ما تمناه واستشهد ببطولة خلال أحداث فض رابعة العدوية، وكأن القدر أبى إلا أن يختم حكايته في تاريخ ميلاده المهني ذاته تتعثر الكلمات في حلق الأم وهي تستعيد كلماته الأخيرة قبل أن يغادر للفض، وكأنه كان يقرأ كتاب أجله ويودع الدنيا بقلب مطمئن كان على وشك أن يزف عروسًا بعد خطبة استمرت عامين، لكن نداء الوطن كان أسبق، ففضل تأجيل زفافه ليلبي الواجب يومها التفت إليها قائلًا بابتسامة حانية وروح شفافة: "مش خايف من الموت يا ماما.. أنا خايف عليكي إنتي، هتتعيشي إزاي من بعدي.. بس دي بلدنا، نموت وهي تعيش" رحل البطل وترك خلفه فراغًا لا يملؤه سوى فخر أم تعرف أن ابنها زرع حياته في تراب هذا الوطن لتزهر أمنًا وسلامًا.
استشهاد زينة الشباب
وتحدثت السيدة إكرام والدة النقيب الشهيد هشام شتا قائلة : ظل يطمئننا رغم شراسة الهجوم وجبروت المجرمين الذين حاصروه بالرشاشات وقذائف الأربيجي ..حتى سمعنا خبر استشهاده على الشاشات
تعود بذاكرتها إلى تلك اللحظات القاسية التي غيرت مجرى حياتها للأبد فمع كل ذكرى لفض ميدان رابعة العدوية وما تلاه من أحداث مؤلمة، تقف الأم لتسترجع تفاصيل يوم استشهاد زينة الشباب، الذي دافع بشجاعة وبسالة عن مركز شرطة كرداسة حتى الرمق الأخير لتروي كيف وقف ابنها ببطولة مانعاً العناصر الإرهابية من اقتحام القسم قبل أن ينال نيل الشهادة التي طالما تمنىها ، تستحضر الأم تلك اللحظات الصعبة حين تلقى والده مكالمته الأخيرة فجر ذلك اليوم ، يطلب الدعاء مع بدء أحداث الفض، وظل يطمئن أهله رغم شراسة الهجوم وجبروت المجرمين الذين حاصروه بالرشاشات وقذائف الأربيجي. وبينما كان هشام يؤدي واجبه ويطمئن عائلته، انقلبت حياة الأسرة رأساً على عقب حين ظهر نبأ استشهاده على شاشات التلفزيون، لتنطفئ بهجة البيت ويغيب الحلم الذي طالما انتظرت تحقيقه بأن ترى ابنها عريساً وأبًا لأبنائه .. وفي ختام حديثها، تؤكد هذه الأم الصابرة أن العزاء الوحيد يكمن في إيمانها العميق بأن ابنها ارتقى شهيداً عند ربه، مستجيباً لدعواته الصادقة حين وقف يوماً أمام الكعبة المشرفة يدعو لحفظ مصر ويتمنى الشهادة وترفع يديها بالدعاء أن يحفظ الله مصر وجيشها، مثمنة وقفة الرئيس عبد الفتاح السيسي الدائمة بجانب أسر الشهداء ورعايتهم الدائمة والوصية بهم خيراً.
وجع الفراق وفخر الصمود
وتحدثت د. نجلاء سامي أرملة الشهيد العميد عامر عبد المقصود نائب مأمور قسم شرطة كرداسة وقالت إن الإرهابيين أسقوه "مية النار " وهو صائم
قالت إن الشهيد لم يكن مجرد زوج بل كان ملاكاً يمشى على الأرض و تستحضر الزوجة تفاصيل تلك الليلة القاسية التي وافقت ذكرى زواجهما حين اعتذر منها عن الخروج للاحتفال لارتباطه بطوارئ العمل، واعداً إياها بمفاجأة ستهز كيانها لم تكن تدري أن القدر يخبئ لها فاجعة كبرى، وأن تلك المفاجأة ستكون عودته إليها ملفوفاً بعلم مصر، ضحيّة لغدر وخسة نالوا من جسده الطاهر وهو صائم بعد ساعات من التعذيب الأليم في أحداث كرداسة البشعة عام 2013 وسط هذا الحزن العميق، تؤكد الأرملة الصابرة أن البكاء دماً لن يوفي هذا البطل حقه، لكن العزاء يبقى في أنه استشهد صائماً، واصطفاه الله ليكون في نعيم جناته ، وفي غمرة هذه الذكرى الأليمة توجه الدكتورة نجلاء رسالة وفاء خالصة من القلب إلى الأب الحنون والقائد الأعلى للقوات المسلحة، الرئيس عبد الفتاح السيسي، شاكرة رعايته الدائمة واللفتة الإنسانية الغالية عندما أطلق على نساء الشهداء لقب عظيمات مصر ترفع رأسها عالياً بكل فخر واعتزاز، مؤكدة أن أسر الشهداء ماضون في مسيرة العطاء، وأنها تكتفي فخراً وشرفاً بأنها واحدة من عظيمات مصر اللاتي ضربن أروع الأمثال في الصبر والتضحية والوفاء لدم الأبطال.
الإرهابيون نكلوا بالشهداء
وتحدث أحمد نجل الشهيد اللواء محمد جبر وقال إن الإرهابيين نكلوا بالشهداء في كرداسة بطرق لا تقبلها شرائع السماء .. لتظل تلك الصور البشعة شاهدة على مدى حقد هؤلاء على الوطن ومؤسساته ..
أضاف بقلب يعتصره الألم ويملؤه الفخر إنه لا توجد كلمات تستطيع أن توفي والده حقه أو تعبر عن حجم تضحيته، خصوصاً وأن تلك البطولة القصوى قد وثقها القتلة أنفسهم بأيديهم الغادرة، ونشروها على الملأ لتكون شاهدة على قسوة الإرهاب ووحشيته التي لم تستثنِ ديناً ولا إنسانية.
ويستعيد بمرارة تلك اللحظات القاسية التي وقعت يوم الرابع عشر من أغسطس من العام 2013، حين طالت يد الغدر والخيانة والده وباقي أبطال مركز شرطة كرداسة، في مشهد تجاوز كل حدود القسوة والبشرية، حيث لم يتورع المجرمون عن التنكيل بالشهيد ورفاقه الأوفياء بطرق لا تقبلها عقول السويين ولا تقرها شرائع السماء، لتظل تلك الصور البشعة وشاهدة على مدى حقد هؤلاء على الوطن ومؤسساته ... يختصر نجل الشهيد حكايته المؤلمة بالقول إنه يفضل الصمت أحياناً لأن هول الحكاية أكبر من أي تعبير، ولأن تضحيات هؤلاء الرجال الأبرار باتت معروفة للقاصي والداني، فقد ضحوا بأرواحهم الغالية لتبقى مصر آمنة، وليستعيد الشعب وطنه من أيدي جماعة لم يكن الوطن بالنسبة لها سوى حفنة تراب لا تعني شيئاً، مؤكداً أن دماء والده وباقي شهداء مصر ستظل نبراساً يضيء طريق المستقبل لكل من يحب هذا البلد بإخلاص.
اترك تعليق