فاجعة "الدواويس" بالإسماعيلية ليست مجرد حادث مروري عابر، بل كارثة إنسانية اعتصرت القلوب بعد أن خطفت ثمانية عشر روحًا بريئة وتركت العشرات يعانون ألم الإصابة، فعندما تُزهق أرواح كل هذا العدد بسبب الاستهتار وتحميل الركاب في صناديق سيارات النقل، يصبح السؤال واضحًا وبسيطًا: أين الخلل؟ ولماذا يتكرر الموت على الطرق دون حساب حقيقي لكل من تسبب فيه؟
العقوبات القديمة والإجراءات الإدارية وحدها لم تعد تكفي، وصار لزامًا على القانون أن يتحرك بقوة لردع كل من يتهاون بحياة البشر، بدءًا من السائق المتهور وصولًا إلى المتعهد وصاحب العمل الذي يرى الخطر ولا يمنعه، فهل حان الوقت لوضع عقوبات صارمة لا تساهل فيها وتعديل القوانين لمنع تحميل الركاب في سيارات النقل وحماية الأرواح؟ وهل بات تفعيل مدارس القيادة والفحص الفني الحقيقي للسيارات إلكترونيًا لزامًا؟ وألا تقع المسؤولية على السائق وحده دون محاسبة متعهدي نقل العمال وكل من سمح باستخدام مركبات غير مجهزة؟
فحين تُزهق أرواح ثمانية عشر إنسانًا، ويُصاب عشرات آخرون، ويكون بين الضحايا والمصابين أطفال، فإن الأمر يتجاوز حدود الحادث العارض إلى سؤال تشريعي وقانوني وإنساني بالغ الخطورة: هل تكفي النصوص القائمة لردع كل سلوك من شأنه أن يضع حياة عشرات الأشخاص في دائرة الخطر؟
الإجراءات الإدارية لا تكفى
في البداية أكد اللواء مدحت قريطم، مساعد وزير الداخلية الأسبق لقطاع الشرطة المتخصصة، ضرورة الإسراع في تعديل قانون العقوبات للحد من الجرائم المرورية الخطيرة، مشيرًا إلى أن العقوبات الإدارية الردعية الحالية لسيارات النقل التي تقوم بنقل الركاب تصل إلى إيقاف رخصة السيارة ورخصة القيادة لمدة ثلاثة أشهر وقد تصل إلى إلغاء التراخيص، إلا أن هذه الإجراءات تظل إدارية ولا تكفي بمفردها.
وأضاف "قريطم" أنه لا بد من تعديل التشريع الجنائي وتغيير هذا الوضع بشكل صارم، حيث لا يمكن السماح بنقل المواطنين داخل "صندوق" سيارات النقل دون توفير أي وسيلة من وسائل الأمان والسلامة. وأوضح أن التركيز الأساسي يجب أن ينصب على مواجهة مخالفة شروط التراخيص وتحميل الركاب في الصندوق، بغض النظر عن ظروف الحادث أو المتسبب فيه.
وفيما يتعلق بحالة الطرق، أشار مساعد وزير الداخلية الأسبق للمرور إلى أن مصر حققت طفرة كبيرة في شبكة الطرق السريعة ووصلت إلى المرتبة الـ 18 عالميًا، إلا أن هناك حاجة ماسة لتقييم وضع الطرق الداخلية التي تقع تحت مسؤولية المحافظات ومديريات الطرق، مثل طريق القصاصين بالإسماعيلية وغيرها من الطرق الداخلية.
واختتم "قريطم" حديثه بالمطالبة بإجراء حصر شامل لكافة الطرق الداخلية في مختلف المحافظات، ووضع خطة زمنية لتطويرها ورفع كفاءتها، لا سيما فيما يتعلق بالتأكد من جودة الإنارة وتحديد طبيعة الحركة عليها سواء كانت اتجاهًا واحدًا أو اتجاهين، مع إعادة التأكيد على أن الرادع التشريعي الجنائي الصارم هو السبيل الأساسي لمنع ظاهرة تحميل الركاب في سيارات النقل.
رقابة شديدة
ومن جانبه أكد اللواء خالد علي، مساعد وزير الداخلية مدير إدارة نظم المعلومات بالمرور الأسبق، على ضرورة وجود استكمال ورقابة شديدة وصارمة في المنظومة المرورية لضمان الانضباط في الشارع، موضحًا أنه طالما نادى بضرورة تطبيق القواعد بطريقة صحيحة وسليمة تضمن الالتزام التام بكافة اللوائح والقوانين المعنية بالمرور.
وفيما يتعلق بالسائقين وقائدي السيارات، يشير اللواء إلى أنه تم وضع تشريعات سابقة خلال فترة خدمته تنص بوضوح على عدم منح رخص القيادة بسهولة، بل يتطلب الحصول على الرخصة دخول مدارس للقيادة تسمى "مدارس القيادة النموذجية"، وتعمل هذه المدارس على تقديم قدر كبير من التعليم والثقافة المرورية وثقافة التعامل مع الحوادث. ويبين أن الوقوع في الأخطاء المرورية لا يقتصر ضرره على الوفيات فقط، بل يترتب عليها إصابات متعددة وحالة اقتصادية متضررة تقع على عاتق الموارد العامة للدولة، فضلاً عن أن هذه المدارس حتى الآن لم تُفعل بالشكل المطلوب رغم أهميتها الكبرى.
ويضيف اللواء خالد علي أنه قد تم أيضًا التخطيط لإنشاء "محطات الفحص الفني النموذجي" تكون متواجدة في كافة المحافظات، بحيث يتم فحص السيارات بالكامل بصورة أوتوماتيكية بالكامل، وتدخل السيارة في هذه المحطات لتبدأ الفحوصات الخاصة بالموتور والعفشة وغير ذلك، ليخرج في النهاية تقرير إلكتروني مرسل مباشرة إلى قاعدة البيانات الخاصة بالإدارة العامة للمرور. ويؤكد أن هذه التشريعات قد أُعدت منذ نحو ستة أعوام وتمت الموافقة عليها في مجلس النواب بالتعاون مع لجان نوعية مختلفة وبعض المحافظين والشخصيات البرلمانية إلا أنها لم تُفعل حتى الآن على أرض الواقع، وهو ما يستوجب ضرورة استكمالها وتنفيذها بشكل عاجل.
ويؤكد أن هذا التطبيق يشمل كافة أنواع السيارات والمركبات، سواء كانت نقل خفيف أو ثقيل أو ملاكي، وكافة فئات الرخص الأخرى بدءًا من رخصة الموتوسيكل والرخصة الخاصة وصولًا إلى رخصة الدرجة الأولى. ونتيجة لتطبيق هذه التشريعات ومدرسة القيادة النموذجية، فإن الأثر الإيجابي المنتظر يتمثل في رفع الثقافة المرورية لدى السائقين، ليصبح السائق على دراية تامة بنتائج أخطائه، مما يقلل من الرعونة وتعاطي المخدرات والكحوليات أثناء القيادة. وإلى جانب ذلك، تتكامل هذه المنظومة مع تشديد الرقابة عبر حملات الفحص الصحي والفني المستمرة، ويشدد اللواء خالد علي في ختام حديثه على أن الحل الجذري لا يقتصر فقط على تتبع المخالفات الكبيرة وتحصيل الغرامات، بل يكمن أساسًا في منع وقوع المخالفات من خلال التطبيق الحازم والفعلي لكافة التشريعات والقوانين التي تمت الموافقة عليها مسبقًا في مجلس النواب.
أصحاب المركبات
أجاب د. الحسين الزقيم، مدرس القانون العام عضو هيئة تدريس جامعة أسيوط ان المادة 238 من قانون العقوبات تقيم المسؤولية عن التسبب خطأً في وفاة الإنسان متى كان ذلك ناشئًا عن الإهمال أو الرعونة أو عدم الاحتراز أو عدم مراعاة القوانين واللوائح والأنظمة، وتشدد العقوبة إذا وقع الخطأ نتيجة إخلال جسيم بأصول الوظيفة أو المهنة أو الحرفة، كما تشددها إذا أسفر الفعل عن وفاة أكثر من ثلاثة أشخاص.
وهنا تكمن أهمية الواقعة؛ إذ إن تعدد الوفيات ليس مجرد رقم، وإنما مؤشر تشريعي على جسامة الخطر الاجتماعي.
وتابع: لكن المادة 238، على أهميتها، لا ينبغي أن تكون نهاية النقاش، وإنما بدايته، فإذا كشفت التحقيقات أن نقل العمال تم بمركبات غير مخصصة لهذا الغرض، أو بأعداد تتجاوز المقرر، أو في مركبات غير مستوفية لاشتراطات السلامة، أو مع العلم بوجود عيوب فنية تهدد حياة الركاب، فإننا لا نكون أمام مخالفة مرورية مجردة فحسب؛ وإنما نكون أمام سلوك قد يتحول ـ متى ثبت الخطأ والسببية ـ إلى مظهر من مظاهر الخطأ الجنائي الذي تعالجه المادة 238.
وهنا تتلاقى أحكام قانون العقوبات مع أحكام قانون المرور رقم 66 لسنة 1973 ولائحته التنفيذية؛ فالقانون المروري ينظم ترخيص المركبة واستخدامها وشروط سيرها، ولا سيما أن استخدام المركبة على نحو يخالف الغرض المرخص به يرتب جزاءات مرورية، بما يكشف عن أن المشرع لا ينظر إلى الترخيص باعتباره إجراءً شكليًا، وإنما باعتباره إحدى أدوات حماية السلامة العامة، ومن ثم، فإن مخالفة قواعد المرور لا تعني بذاتها ثبوت جريمة القتل الخطأ، ولكنها قد تصبح عنصرًا من عناصر الخطأ الجنائي متى ثبت أنها أسهمت في وقوع النتيجة أو تفاقم آثارها.
وأضاف "الزقيم": وهنا تحديدًا يجب أن يتدخل المشرع.. فليس من المنطقي أن يستوي في الجزاء خطأ عارض مع من يجعل مخالفة شروط السلامة أسلوبًا مستمرًا لتحقيق الربح، أو من يسمح بنقل عشرات العمال في مركبة لا تصلح لذلك، أو يعلم بوجود خطر فني أو تشغيلي جسيم ثم يسمح باستمرار الرحلة.
كما ينبغي أن تمتد الرؤية التشريعية إلى منظمي ومتعهدي نقل العمال وأصحاب المركبات؛ فلا يكفي أن نبحث عن السائق وحده، بل يجب تحديد من اختار وسيلة النقل، ومن سمح باستخدامها، ومن كان يعلم بعدم صلاحيتها، ومن كان يستطيع منع الخطر ولم يفعل، وذلك كله في حدود ما يثبته الدليل وتقرره قواعد المسؤولية الجنائية.
واستكمل دكتور القانون العام: والأطفال الذين كانوا بين الضحايا والمصابين يفرضون بدورهم سؤالًا تشريعيًا أكثر إلحاحًا: ألا يستحق تعريض الأطفال للخطر في وسائل نقل غير آمنة حماية جنائية أكثر صرامة؟ إن حماية الطفل لا ينبغي أن تكون مجرد قيمة أخلاقية؛ بل يجب أن تنعكس، حيث يقتضي الأمر، في تشديد التجريم والعقاب. ولذلك فإن المطلوب ليس تشريعًا انفعاليًا يصدر تحت وطأة المأساة، وإنما تدخل تشريعي رصين ومدروس يعيد النظر في منظومة نقل العمال، ويشدد الجزاءات على الإخلال الجسيم باشتراطات السلامة، ويعيد تنظيم مسؤولية المتعهدين وأصحاب المركبات، ويشدد الرقابة على الفحص الفني والصيانة وعدد الركاب والغرض المرخص به للمركبة. فالعقوبة وحدها لا تكفي.
وختم: أفضل تشريع هو الذي يمنع الجريمة قبل أن يضطر إلى معاقبة مرتكبها، فإننا لا نستطيع أن نعيد الذين رحلوا، ولا أن نمحو دمعة أم فقدت طفلها، ولا أن نعيد إلى أسرة بيتها من غاب عنه.
لكننا نستطيع أن نجعل من هذه المأساة لحظة تشريعية فاصلة.. لحظة يقول فيها المشرع بوضوح: إن حياة الإنسان ليست محلًا للتساهل، وإن نقل العمال ليس نشاطًا تجاريًا مجردًا، وإن مخالفة قواعد السلامة ليست شأنًا إداريًا هامشيًا متى تحولت إلى خطر حقيقي على الأرواح.
فإذا كان القانون يعاقب بعد وقوع الموت، فإن مسؤوليته الأسمى أن يتدخل قبل الموت، وإذا أثبت الواقع أن العقوبات القائمة لم تعد تحقق الردع الكافي، فإن مراجعتها ليست انتقامًا، وإنما ضرورة من ضرورات السياسة الجنائية الحديثة.
وأخيرًا.. ثمانية عشر إنسانًا رحلوا، وعشرات أصيبوا، وكان بين الضحايا أطفال، فلا ينبغي أن تكون الدواويس مجرد واقعة تُسجل في محاضر الحوادث، ثم تطويها الأيام. بل يجب أن تكون صرخة تشريعية، مطالبا بتشديد العقوبة، وسد الثغرات حيث ظهر القصور، ومحاسبة كل من يثبت علمه بالخطر وقدرته على منعه،
أكد د. الزقيم أن حماية الإنسان سابقة على العقاب. فالمشرع لا يستطيع أن يعيد من ماتوا... لكنه يستطيع أن يمنع موت آخرين، وهنا تحديدًا تتحول المأساة من مجرد فاجعة إلى مسؤولية تشريعية؛ ويتحول الألم إلى إرادة إصلاح، والدم إلى حماية، والضحايا إلى سبب يجعل الطريق أكثر أمانًا لمن سيعودون غدًا إلى بيوتهم.
رعونة السائقين
حذر الدكتور المهندس عماد الدين نبيل، استشاري هندسة الطرق والنقل الدولي، من كارثة نقل العمالة بسيارات البضائع، مبرراً ذلك بأن نحو 70% من حوادث الطرق تعود إلى رعونة السائقين، بينما تشكل أعطال المركبات نحو 22%، وتأتي النقاط السوداء في الطرق كسبب لباقي الحوادث إن وجدت.
وأوضح في تحليله لملابسات حادث الإسماعيلية أن أعطال المكابح وانفجار الإطارات تظلان السببين الأبرز لحوادث السيارات، محذراً من خطورة غياب ثقافة الصيانة الدورية وضرورة تجديد الإطارات كل 60 ألف كيلومتر لتجنب انقلاب المركبات.
وأضاف أن حادث الإسماعيلية عكس ظرفاً استثنائياً يتمثل في جسامة مخالفة معايير نقل الركاب، التي تُعد قضية أمن قومي كبرى، مؤكداً أن استخدام سيارات النقل المخصصة للبضائع في نقل العمالة يُعد كارثة حقيقية. وأشار إلى أن هذه الوسائل تخلو تماماً من المقاعد وأحزمة الأمان، مما يجعل الركاب عرضة لتلقي صدمات مميتة بشكل مباشر في الجمجمة فور انقلاب السيارة، وهو السبب الرئيسي وراء وقوع حالات الوفاة الفورية.
وشدد د. م .عماد الدين نبيل على ضرورة تجريم نقل العمالة نهائياً في سيارات "الربع نقل" والنقل، وحصر نقلهم حصراً في الوسائل الجماعية الآمنة كالأتوبيسات والميكروباصات. كما جدد مطالبته بضرورة إخضاع كافة سيارات النقل لشركات متخصصة تضمن للمستأجر أو المالك الدعم الفني والصيانة الدورية، وتمنع المخالفات الجسيمة مثل السير في شوارع غير مناسبة، أو نقل الركاب بدلاً من البضائع، أو تجاوز الأوزان والأحمال المقررة.
اترك تعليق