اتخذت المفوضية الأوروبية خطوة غير مسبوقة، إذ وجهت اتهامات رسمية صريحة إلى عملاق التكنولوجيا ميتا، مؤكدةً أن منصتي فيسبوك و إنستجرام صُممتا عمدًا لتوليد الإدمان الرقمي لدى المستخدمين، وعلى رأسهم الأطفال والمراهقون.
جاءت هذه النتائج الأولية في إطار تحقيق مفتوح منذ مايو 2024 بموجب قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، وكشفت عنها عدد من الصحف الأوروبية.
رصدت المفوضية الأوروبية، وفقًا لما أوردته صحيفة "ليزيكو" الفرنسية، منظومةً متكاملة من التقنيات المصممة لاستنزاف انتباه المستخدم وإبقائه أسير الشاشة، في مقدمتها التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي للمقاطع المصورة، والإشعارات المتواصلة، وخوارزميات التوصية شديدة التخصيص التي تغذي الخلاصة الإخبارية دون توقف، وكلها تتضافر لتحويل دماغ المستخدم إلى ما يشبه "الطيار الآلي"، مولدةً دافعًا قهريًا للتصفح لا يهدأ.
وزاد على ذلك أن صيغ المحتوى القصير، مثل "ريلز" و"ستوريز"، تعمق هذه الظاهرة بتحسين معدلات التفاعل على حساب صحة المستخدم وراحته، بما يطال نوم المراهقين خلال ساعات الليل.
والأشد خطورةً أن المحققين أثبتوا، بعد مراجعة ثلاث جولات من التقييم الذاتي لميتا بين عامي 2023 و2025، أن الشركة تجاهلت بياناتها الداخلية الخاصة التي توثق حجم الاستخدام الليلي لدى القاصرين، ولم تقيم قط كيف يفضي تحسين صيغ المحتوى إلى الاستخدام القهري.
لم تسلم آليات الحماية التي أعلنت عنها ميتا من النقد الأوروبي الحاد، فبحسب ما نقلته "بوليتيكو"، وصفت المفوضية أدوات إدارة وقت الشاشة الموجهة للمراهقين بأنها "قابلة للتجاهل بسهولة"، ولا تفضي إلى أي انخفاض فعلي أو ملموس في الاستخدام، فيما تتطلب ضوابط الرقابة الأبوية مستوىً من الخبرة التقنية والوقت لا يتوفران لدى غالبية الآباء.
أما موارد التوعية وروابط الصحة النفسية، فمختبئة في صفحة "مركز الأمان"، التي يكاد لا يصل إليها أحد، وهو ما جعل المفوضية تخلص إلى أن ميتا لم تقلص هذه المخاطر، بل أضافت إليها وهمًا بالحماية.
وعليه، طالبت بروكسل ميتا بإعادة هيكلة تصميم منصتيها جذريًا، بحيث تعطل التشغيل التلقائي والتمرير اللانهائي بوصفهما خيارين افتراضيين، وتفرض فترات راحة حقيقية، وتكبح هيمنة خوارزميات التفاعل على المحتوى الموصى به.
وكانت المفوضية قد أصدرت في فبراير الماضي نتائج مماثلة بحق تيك توك بسبب تصميمه الإدماني، فيما تتواصل تلك التحقيقات حتى اللحظة.
لا تواجه ميتا الضغط الأوروبي وحده، إذ تكشف "فايننشال تايمز" أنها تتصدى، في الوقت ذاته، لآلاف الدعاوى القضائية عبر الأطلسي، إذ رفعت أكثر من 1300 منطقة تعليمية أمريكية شكاوى تحمل فيها إنستجرام ويوتيوب مسؤولية تدهور بيئة التعلم. وفي مطلع العام الجاري، أصدرت هيئة قضائية في لوس أنجلوس حكمًا يلزم المنصتين بدفع 6 ملايين دولار تعويضًا لفتاة تضررت صحتها النفسية جراء استخدامهما.
أما في أوروبا، فقد سبق أن صدرت بحق "إكس" و"تيمو" أول غرامتين بموجب قانون الخدمات الرقمية، بلغتا 120 و200 مليون يورو على التوالي.
وتواجه ميتا كذلك تحقيقين أوروبيين إضافيين؛ الأول حول التحقق من أعمار من هم دون الثالثة عشرة على منصتيها، وصدرت نتائجه الأولية في أبريل الماضي، والثاني حول ظاهرة "حفرة الأرنب"، المتمثلة في الدوامات الخوارزمية التي تجرف المستخدمين نحو محتوى متطرف متصاعد.
ردت ميتا بالرفض، مؤكدةً، على لسان متحدثها بن والترز، لـ"بوليتيكو"، أن النتائج "لا تعكس الخطوات الجوهرية التي اتخذناها لحماية المراهقين"، مستشهدًا بنظام "حسابات المراهقين" الذي أطلقه إنستجرام عام 2024 لوضع الآباء في مقعد القيادة.
غير أن مسؤولًا في المفوضية أكد لـ"بوليتيكو" أن هذه الحسابات يتم تجاوزها بسهولة، ولا توفر قدرًا كافيًا من الاحتكاك الرادع.
وتبقى هذه النتائج الأولية قابلةً للطعن، إذ يحق لميتا الاطلاع على ملف التحقيق وتقديم دفاعها الرسمي خطيًا، قبل أن تحسم المفوضية قرارها النهائي، الذي قد يفضي إلى غرامة تبلغ 6% من إيراداتها السنوية العالمية، أي ما يعادل مليارات اليوروهات.
ويضفي التوقيت السياسي ثقلًا إضافيًا على المشهد، إذ يقرر خبراء معينون من قبل رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، تقديم توصياتهم يوم الاثنين المقبل بشأن حماية القاصرين على الإنترنت، في خضم تصاعد المطالبات الأوروبية بحظر وصول من هم دون السادسة عشرة إلى منصات التواصل الاجتماعي.
اترك تعليق