وسط التدفق المتواصل للمحتوى الرقمي، وتزايد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي في متابعة تفاصيل الحياة اليومية، برزت ظاهرة "الفومو" (FOMO) أو الخوف من فوات الأحداث والفرص، باعتبارها واحدة من أبرز الظواهر النفسية المرتبطة بالعصر الرقمي.
ويعيش كثيرون حالة من القلق المستمر خشية أن تفوتهم تجربة أو معلومة أو مناسبة يشاركها الآخرون، الأمر الذي يدفعهم إلى التعلق الدائم بالهاتف المحمول والمنصات الرقمية.
ومع اتساع نطاق هذه الظاهرة، يحذر خبراء علم النفس والإعلام وتكنولوجيا المعلومات من انعكاساتها السلبية على الصحة النفسية والسلوك اليومي، لما تسببه من توتر وقلق واضطرابات في النوم وضعف في التركيز، إلى جانب المقارنات الاجتماعية التي تقلل من الرضا عن الحياة.
وفي المقابل، يؤكد المتخصصون أن تحقيق التوازن بين الحياة الرقمية والواقع، وتنظيم استخدام وسائل التواصل، والاهتمام بالعلاقات الإنسانية والأنشطة الواقعية، تمثل أهم وسائل الوقاية من الوقوع في دائرة "الفومو" واستعادة جودة الحياة.
قال الدكتور أحمد فخري أستاذ علم النفس الاكلينيكي ورئيس قسم العلوم الإنسانية بجامعة عين شمس أن الخوف من فقدان الاحداث هى حاله نفسيه وليس اضطراب نفسي محدد بذاته ولكنها حاله شائعه لدى بعض الافراد رغبة منهم فى ملاحقة الاخرين ومتابعة احداث حياتهم وخاصه الصور والتعليقات والاخبار المتعلقه بحياتهم الشخصيه من عمل او علاقات او خروجات او سفر واكل فى مطاعم واحيانا ملاحقه للمعلومات اى كان نوعها دينيه ثقافيه علميه اجتماعيه والخوف الشديد من فقدان المتابعه اول باول واحيانا بعض المسلسلات او الافلام او البرامج ويحدث لديهم قلق وخوف شديد ورغبة شديده فى متابعة الاحداث ومتابعه مستمره لمعرفه الاحداث والمواقف باول باول ونجد ان الفرد ينتابه حاله من عدم الرضا والسخط والتبرم من اسلوب حياته ناتج عن تقدير للذات منخفض وفقدان الثقه بالنفس واحساس دائم ان الاخرين افضل منه ولديهم اسلوب معيشه وحياه افضل منهم ودائما يعيشون فى مقارنه مع الاخرين وان الاخرين هم الرابحون فى هذه المقارنه
كما ان هؤلاء الافراد دائما قلقون ولديهم انزعاج داخلى من عدم ملاحقه حياة الاخرين وان ممكن يفوت عليهم حدث او عدم ملاحقة لحظه فارقه فى حياة الاخرين فالشعور هنا المسيطر القلق والخوف الناتج عن النقص وعدم الاكتمال مقارنه بالاخرين
ومن الاسباب المتعارف عليها لمثل هذا الشعور هو الاحساس بعدم الرضا وفقدان تقدير الذات والادمان السلوكى لوسائل التواصل الاجتماعى والخوف من العزله او الوحده وفقدان تنظيم اسلوب حياه متنوع وبه مهارات متنوعه وهذا يؤدى الى بعض الاثار السلبيه على الافراد منها اضطرابات النوم والارق وتشتت الانتباه والتركيز شعور دائم بعدم الرضا ارتفاع درجه القلق المستمر والخوف والشعور المستمر بالضغط النفسي
وننصح دائما الاشخاص الذين يعانون من الخوف من فقدان الموقف او الحدث ان يهتموا بالجوانب الصحيه البدنيه من انشطه رياضيه وغذاء متوازن صحى والجوانب الاجتماعيه اقامه شبكه اجتماعيه من العلاقات الايجابيه حمايه لصحتهم النفسيه والاهتمام بالجوانب النفسيه من ممارسه للهوايات والانشطه الايجابيه والتمارين العقليه من قراءة ومهارات ذهنيه وايضا الاهتمام بالجوانب الروحانيه الدينيه فهو جانب ايجابي ومهم للصحه النفسيه للانسان
نتصح ايضا بالاهتمام بممارسه تقنيه السيطره على السلوكيات السلبيه وتقليل وقت متابعة وسائل التواصل الاجتماعى الانخراط فى اعمال يدويه لتقليل استخدام الهاتف المحمول.
أوضح الدكتور تامر شوقي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس أن الخوف من فوات الفرصة (FoMO) اصبح أحد الظواهر النفسية السلبية التي ظهرت في الآونة الأخيرة في العصر الرقمي، خاصة مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي. مما أتاح للأفراد، وبشكل خاص للمراهقين والشباب، متابعة أنشطة الآخرين وتجاربهم اليومية بصورة مستمرة، الأمر الذي زاد من احتمال شعور الفرد بأنه قد يفوت خبرة أو تجربة أو حدثا مهما يعيشه الآخرون
ويشير الخوف من فوات الفرصة إلى حالة من القلق أو الانزعاج النفسي الناتج عن الاعتقاد بأن الآخرين يعيشون ويشاركون تجارب ممتعة دون مشاركة الفرد فيها.
كما أنه رغبة الفرد المستمرة في البقاء على اتصال بما يفعله الآخرون، مع حاجة ملحة لمتابعة أخبارهم وأنشطتهم خوفا من فقدان أو تفويت تجربة اجتماعية أو شخصية ذات أهمية.
ويتضمن هذا المفهوم: إدراك الفرد أنه قد يفوته شيء مهم أو أنه غير مشارك في تجربة يعيشها الآخرون، واستجابة سلوكية قهرية تتمثل في متابعة الفرد الآخرين باستمرار والسعي للبقاء متصلا اجتماعيا بشكل دائم.
ويظهر FoMO في عدد من المظاهر النفسية والسلوكية والانفعالية، منها، الانشغال المستمر بما يفعله الآخرون، الحاجة المتكررة لتفقد الهاتف المحمول أو وسائل التواصل الاجتماعي، صعوبة الانفصال عن الإنترنت أو التوقف عن متابعة المنصات الاجتماعية، القلق من تفويت حدث اجتماعي أو تجربة ممتعة، الإحساس بالإقصاء أو الاستبعاد الاجتماعي، الميل إلى المقارنة الاجتماعية المستمرة، التفكير فيما كان يمكن أن يحدث لو شارك الفرد في حدث معين، الشعور بالقلق أو الحسد أو الندم عند رؤية تجارب.
وفي المجال الدراسي يظهر لدى الطلاب في عدة مظاهر منها؛ تعدد المهام أثناء المذاكرة، الانشغال بالرسائل والإشعارات أثناء أداء الواجبات،ضعف التركيز نتيجة متابعة منصات التواصل الاجتماعي بشكل متكرر .
ويترتب على الخوف من فوات الفرصة عديد من النتائج والآثار السلبية سواء كانت نفسية وانفعالية ( مثل القلق ، التوتر النفسي ، أعراض الاكتئاب، الانفعالات السلبية الشعور بالوحدة النفسية ، الحسد الاجتماعي ، الخوف من التقييم الاجتماعي، انخفاض السعادة النفسية، وانخفاض الرضا عن الحياة، وضعف جودة النوم وغير ذلك) أو آثار سلوكية غير تكيفية، (مثل: الاستخدام المفرط أو الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي، الاستخدام القهري للهاتف الذكي ، إدمان الإنترنت، التحقق المتكرر من الإشعارات، تعدد المهام، تجاهل الأشخاص الموجودين فعليًا بسبب الانشغال بالهاتف وغير ذلك) ، أو آثار معرفية (مثل:ضعف التركيز والانتباه، تشتت الانتباه بسهولة ، صعوبة إدارة الوقت ، ضعف التخطيط السلوكي ، ضعف ضبط الاندفاع).
تري الدكتورة كريمه مختار استشاري الصحه النفسيه و عضو رابطه الاخصائيين النفسيين المصريه أن الخوف من فوات الشيء (FOMO) هو اختصار لعبارة Fear of Missing Out ويشير إلى حالة نفسية يشعر فيها الفرد بالقلق والانزعاج نتيجة اعتقاده أن الآخرين يعيشون تجارب أو أحداثا أو فرصا ممتعة ومهمة وهو غير مشارك فيها. ويؤدي هذا الشعور إلى رغبة مستمرة في متابعة ما يفعله الآخرون والبقاء على اطلاع دائم بالأحداث والتجارب المحيطة به. وقد ارتبطت هذه الظاهرة بشكل كبير بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي
أتاحت للأفراد متابعة تفاصيل حياة الآخرين بصورة لحظية مما زاد من فرص المقارنة الاجتماعية والشعور بالحرمان أو الاستبعاد.
تعود الخلفية العلمية لظاهرة الفومو إلى عدد من الإسهامات العلمية المهمة. فقد مهدت نظرية المقارنة الاجتماعية التي قدمها Leon Festinger عام 1954 لفهم ميل الأفراد إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين وما يترتب على ذلك من مشاعر عدم الرضا والقلق. وفي أوائل الألفية الجديدة صاغ Patrick J. McGinnis مصطلح FOMO لوصف الخوف من فقدان الفرص والتجارب التي يعيشها الآخرون. ثم قدم Andrew K. Przybylski وزملاؤه عام 2013 أحد أشهر التعريفات العلمية للظاهرة حيث عرفوها بأنها شعور بالقلق ينتج عن الاعتقاد بأن الآخرين يستمتعون بخبرات أو فرص مجزية في غياب الفرد مع ارتباط ذلك بعدم إشباع بعض الاحتياجات النفسية الأساسية.
تتعدد أسباب ظهور الفومو ومن أبرزها الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي حيث يتعرض الفرد بصورة مستمرة لمنشورات وصور تعرض جوانب إيجابية ومنتقاة من حياة الآخرين. كما تسهم الحاجة إلى القبول الاجتماعي وانخفاض تقدير الذات والشعور بالوحدة وعدم الرضا عن الحياة في زيادة احتمالية الإصابة بهذه الظاهرة. كذلك تلعب بعض السمات الشخصية مثل القلق والكمالية والحساسية تجاه آراء الآخرين دورا مهما في تعزيز مشاعر الفومو.
وقد شهدت هذه الظاهرة انتشارا واسعا خلال السنوات الأخيرة خاصة بين المراهقين والشباب الذين يقضون ساعات طويلة في متابعة المنصات الرقمية. وتشير الدراسات إلى أن الزيادة الكبيرة في استخدام الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في ارتفاع معدلات الفومو عالميا مما جعله أحد الموضوعات المهمة في مجال الصحة النفسية المعاصرة. ولم يعد الفومو مقتصرا على متابعة الأنشطة الاجتماعية فحسب بل امتد ليشمل الخوف من فقدان الفرص المهنية والتعليمية وحتى الأخبار والمعلومات المتداولة بين الآخرين.
وتتمثل أعراض الفومو في الانشغال المستمر بما يفعله الآخرون والرغبة الملحة في متابعة الإشعارات والمنشورات بشكل متكرر والشعور بالقلق أو الحزن عند رؤية نجاحات الآخرين أو مشاركتهم في أنشطة اجتماعية. كما قد يعاني الشخص من صعوبة التركيز واضطرابات النوم والتوتر النفسي والشعور بعدم الرضا عن حياته الحالية. وفي بعض الحالات قد يؤدي الفومو إلى الإفراط في استخدام الهاتف الذكي ومواقع التواصل الاجتماعي بصورة تؤثر سلبا في الأداء الدراسي أو المهني والعلاقات الاجتماعية.
ففي السنوات الأخيرة ظهر مفهوم الجومو (JOMO) وهو اختصار لعبارة Joy of Missing Out ويعني الاستمتاع بعدم المشاركة في جميع الأحداث والأنشطة والشعور بالرضا عن الاختيارات الشخصية دون القلق بشأن ما يفعله الآخرون. ويعكس هذا المفهوم توجها نفسيا أكثر صحة يقوم على تقبل الذات والتركيز على الخبرات الحالية بدلا من الانشغال المستمر بالفرص المفقودة. ويرتبط الجومو بارتفاع مستويات الرفاه النفسي والرضا عن الحياة وانخفاض الضغوط الناتجة عن المقارنات الاجتماعية والاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك ينظر إليه باعتباره أحد الاتجاهات الوقائية والعلاجية التي تساعد الأفراد على مواجهة الفومو وتعزيز التوازن النفسي في العصر الرقمي.
أما علاج الفومو فيمكن أن يستفيد من مبادئ العلاج الجدلي السلوكي (DBT) الذي يركز على تنمية مهارات تساعد الفرد على التعامل بصورة أكثر فاعلية مع مشاعره وأفكاره. فمهارات اليقظة الذهنية تساعد على توجيه الانتباه إلى اللحظة الراهنة بدلا من الانشغال المستمر بما يفعله الآخرون أو ما قد يفوته من فرص وتجارب. كما تسهم مهارات تنظيم الانفعالات في الحد من مشاعر القلق والغيرة والإحباط الناتجة عن المقارنات الاجتماعية المتكررة. ومن خلال مهارات تحمل الضغوط يتعلم الفرد تقبل الشعور المؤقت بعدم المشاركة في بعض الأنشطة دون اللجوء إلى المتابعة القهرية لوسائل التواصل الاجتماعي. كذلك تساعد مهارات الفاعلية بين الشخصية على بناء علاقات اجتماعية أكثر عمقا وإشباعا مما يقلل الحاجة إلى البحث المستمر عن القبول والتقدير عبر العالم الرقمي. وبذلك يسهم العلاج الجدلي السلوكي في تعزيز التوازن النفسي والرضا الذاتي والحد من التأثيرات السلبية المرتبطة بالخوف من فوات الشيء.
وفي ضوء التحولات الرقمية المتسارعة أصبح الفومو ظاهرة نفسية تستحق الاهتمام والدراسة لما لها من تأثيرات على الصحة النفسية وجودة الحياة.
أكد الدكتور عمرو حسن فتوح أستاذ تكنولوجيا المعلومات بجامعة الوادي الجديد أننا في عصر تتدفق فيه الأخبار والصور والتحديثات على مدار الساعة، بات كثيرون يعيشون حالة قلق دائمة من أنهم يفوّتون شيئاً ما. الظاهرة لها اسم علمي وهوه فومو FOMO، أي الخوف من تفويت الفرص. ولم تعد مجرد شعور عابر، بل باتت ظاهرة نفسية موثّقة تؤثر على ملايين البشر حول العالم، وتنخر في راحتهم النفسية دون أن يدركوا كثيراً.
الأرقام تكشف حجم المشكلة بوضوح؛ إذ تُشير الدراسات إلى أن نحو 69% من جيل الألفية يعانون من FOMO بصورة منتظمة. وعلى المستوى العالمي، يرى 56% من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أنهم بحاجة إلى متابعة منصاتهم باستمرار خشية أن تفوتهم الأحداث، والأكثر إثارةً للقلق أن 27% من المراهقين يفيدون بأنهم يشعرون بالتوتر حين يبتعدون عن هواتفهم ولو لساعات قليلة.
تتضافر عدة أسباب في توليد هذه الظاهرة وتغذيتها. أبرزها طبيعة الإنسان الاجتماعية التي تدفعه نحو الانتماء والمشاركة، فحين يرى الآخرين يحتفلون أو يسافرون أو ينجحون، يشعر تلقائياً بأنه متأخر أو ناقص. يُضاف إلى ذلك أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي مصمَّمة أصلاً لإبقائك منجذباً إلى الشاشة أطول وقت ممكن، فتُغذّي هذا القلق بدلاً من أن تهدّئه. كما تلعب ثقافة المقارنة دوراً محورياً، إذ تجعل حياة الآخرين تبدو دائماً أكثر إثارة وأجمل، رغم أن ما تراه لا يعدو كونه نسخة مفلترة ومنتقاة من الواقع.
أما على الصعيد النفسي، فإن الثمن باهظ. ترفع هذه الظاهرة مستويات التوتر والقلق، وتضعف التركيز والإنتاجية، وتعمق الشعور بعدم الرضا عن الذات. وقد أظهرت نتائج دراسة جامعة Essex البريطانية أن هذه الظاهرة لها علاقة مباشرة باضطرابات النوم واتخاذ قرارات متهورة بدافع الرغبة في اللحاق بالركب.
التصدّي لهذه الظاهرة لا يعني الانعزال عن العالم، بل يبدأ بخطوات عملية واعية. أولها تحديد أوقات صارمة لاستخدام الهاتف والابتعاد عنه خلال الوجبات وقبل النوم. وقد أثبتت الأبحاث أن تدوين ثلاثة أشياء تشعر بالامتنان عليها يومياً يُقلل القلق المرتبط بالمقارنة بشكل ملموس. كذلك يسهم إيقاف الإشعارات غير الضرورية في استعادة السيطرة على وقتك بدلاً من أن تمتلكه الخوارزمية. والأهم من كل ذلك أن تتذكر دائماً أن ما تراه على وسائل التواصل الاجتماعي هو اللحظات المختارة من حياة الآخرين، لا صورتها الكاملة والحقيقية.
تابعت الدكتورة فاطمة طه رئيس قسم الإعلام بكلية الآداب ومدير البوابة الرقمية بجامعة الوادي الجديد أن ظاهرة "الفومو" أو ما يُعرف بالخوف من فقدان الأحداث (Fear of Missing Out) تعد من أبرز التحديات النفسية والاجتماعية المرتبطة بعصر الإعلام الرقمي، حيث يعاني الأفراد من قلق مستمر ناتج عن شعورهم بأنهم قد يفوتون تجربة مهمة أو معلومة أو حدثاً يتداول عبر المنصات الاجتماعية.
ومن منظور إعلامي، يمكن القول إن الفومو لم ينشأ بمعزل عن البيئة الرقمية، بل ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيزه بشكل ملحوظ، نظراً لطبيعتها القائمة على التحديث المستمر، والإشعارات الفورية، وعرض اللحظات المنتقاة من حياة الآخرين بصورة جذابة غالباً ما تكون مثالية أو مبالغاً فيها.
هذا الواقع يدفع المستخدم إلى حالة من "اليقظة الدائمة"، حيث يجد نفسه مضطراً لمتابعة المحتوى بشكل متكرر وربما مفرط، خوفاً من فقدان أي جديد، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة زمن الاستخدام، وإدمان التصفح، وتراجع القدرة على التركيز في الأنشطة الواقعية.
كما أن الخوارزميات التي تعتمدها المنصات الرقمية تلعب دوراً في تغذية هذه الحالة، إذ تعمل على تقديم محتوى مخصص يعزز ارتباط المستخدم بالمنصة، مما يجعل دائرة الفومو أكثر تعقيداً، ويحول الاستخدام من سلوك اختياري إلى شبه قهري.
ومن الناحية النفسية، يرتبط الفومو بمشاعر القلق، وعدم الرضا، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، حيث يقيم الأفراد حياتهم بناءً على ما يشاهدونه لدى الآخرين، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض مستوى الرفاه النفسي، خاصة لدى فئة الشباب.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية المؤسسات الإعلامية والتربوية في رفع مستوى الوعي بهذه الظاهرة، وتعزيز ثقافة الاستخدام الواعي لوسائل التواصل الاجتماعي، من خلال تشجيع الأفراد على إدارة وقتهم الرقمي، والتفريق بين الواقع والصورة الافتراضية، إضافة إلى أهمية تبني ممارسات رقمية صحية.
ختاماً، يمكن القول إن الفومو ليس مجرد شعور عابر، بل هو انعكاس لطبيعة النظام الإعلامي المعاصر، ما يستدعي التعامل معه كظاهرة تستحق الدراسة والتدخل، لضمان تحقيق توازن صحي بين الحياة الرقمية والواقع المعيش.
أشارت الدكتورة هند حسانين مدرس الصحافة الإلكترونية بقسم الإعلام جامعة أسيوط إلي أنه عبر ثنيات التصفح اللانهائي لمواقع التواصل الاجتماعي ومع كل تمريرة للإبهام على الشاشات أصبحنا نلاحق كل منشور، وكل دعوة، وكل خبر، خوفاً من أن نكون خارج الصورة يتغذى الوعي علي المقارنات السامة، ويتحول الفضول إلى إدمان سلوكي، فيصبح الإنسان رهين الإشعارات، غائباً عن واقعه، وحاضراً في عالم افتراضي يقوم بعزله عن الواقع.
فلم يعد القلق من فوات الأحداث مجرد نزوة عابرة، بل تحول إلى حالة نفسية مزمنة تعرف بـ-الفومو- (FOMO)، حيث يعيش الفرد في هوس المراقبة المستمرة، خائفاً من أن يستمتع الآخرون بلحظات أو فرص لا يشارك فيها.
والمخاطر هنا ليست عابرة، بل نفسية واجتماعية عميقة، إذ يتحول القلق المؤقت إلى إرهاق مزمن، وعزل اجتماعي مقنّع، وتشتت ذهني يقتل الإبداع ويلغي الحضور الحقيقي. المقارنة المستمرة تستنزف الثقة، وتجعل الفرد أسيراً لرأي الآخرين، وقد تتطور لأعراضاً تشبه الاكتئاب والأرق، حين يصبح التواجد الرقمي أهم من التعايش الفعلي ويهدد استقرار العلاقات الأسرية والإنتاجية المهنية.
والحل يبدأ بقرار واع وحازم: قطع دورة التصفح القهري، وتحديد صيام رقمي يومي، وإعادة توجيه الانتباه نحو القيم الشخصية لا لإنجازات الآخرين الظاهريّة. مارس اليقظة الذهنية، راجع أولوياتك بصدق، واستبدل التصفح بالتواصل البشري المباشر، ولا تتردد في طلب الدعم المتخصص حين يتحول القلق إلى عبء يعيق حياتك.
الفومو عرضاً وعادة رقمية قابلة للكسر. من يحرر نفسه من سلاسل الخوف من الفوات يفتح باباً لحرية الاختيار، ولحياة تُعاش بوعي، لا بقلق. تذكر دائماً ان ما يفوتك حقاً، هو اللحظة التي تعيشها وأنت تحدق في الشاشة.
اترك تعليق