في خطوة تعكس اهتمام الدولة بتطوير المنظومة الإعلامية باعتبارها أحد أهم ركائز بناء الوعي الوطني، وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي بعقد اجتماع سنوي، برعاية رئيس الجمهورية، لمراجعة أوضاع الإعلام المصري، ومناقشة أبرز التحديات والفرص التي تواجهه، والخروج بتوصيات عملية تضمن تطويره بصورة مستمرة، إلى جانب التأكيد على أهمية فتح المجال أمام حوار إعلامي موضوعي يقوم على احترام الرأي والرأي الآخر، ويثري النقاش العام في إطار من المسؤولية والمهنية.
وتحمل هذه التوجيهات دلالات مهمة تؤكد أن تطوير الإعلام لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها المتغيرات المتسارعة التي تشهدها صناعة الإعلام، في ظل التحول الرقمي، وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، وتصاعد تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما يصاحبها من تحديات تتعلق بالمصداقية، وصناعة المحتوى، وبناء الثقة مع الجمهور.
ويرى خبراء وأساتذة الإعلام أن الدعوة إلى عقد لقاء سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام المصري تمثل تحولاً من التعامل مع القضايا الإعلامية بردود الأفعال إلى نهج مؤسسي قائم على التقييم المستمر، والتخطيط الاستراتيجي، والاستفادة من الخبرات الأكاديمية والمهنية في صياغة سياسات إعلامية أكثر كفاءة وقدرة على مواكبة المتغيرات.
وأكد الخبراء أن الإعلام المصري يقف اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء منظومته المهنية، من خلال توسيع مساحات الحوار المسؤول، وترسيخ مفهوم الحرية المسؤولة، وتعزيز الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، والاستثمار في تدريب الكوادر الإعلامية، والاستفادة من نتائج البحوث العلمية، إلى جانب تطوير أدوات العمل الإعلامي بما يتلاءم مع الثورة الرقمية، ليظل الإعلام شريكاً رئيسياً في دعم خطط التنمية، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز الأمن الفكري والمجتمعي.
واستطلعت "الجمهورية أون لاين" آراء عدد من خبراء الإعلام حول رؤيتهم لمستقبل الإعلام المصري، وأبرز الأولويات التي ينبغي أن يتناولها الاجتماع السنوي، وآليات تحويل التوصيات إلى خطوات تنفيذية تضمن تطويراً مستداماً لمنظومة الإعلام، بما يواكب تطلعات الدولة والجمهور في آن واحد.
*الدكتورة ليلى عبدالمجيد: الاجتماع السنوي للإعلام فرصة لترسيخ الحرية المسؤولة وصياغة رؤية وطنية لمستقبل المهنة*
رحبت الدكتورة ليلى عبدالمجيد، عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، باهتمام الرئيس بملف الإعلام، مؤكدة أن تخصيصه مساحة رئيسية لهذا الملف خلال كلمته في افتتاح المقر الاستراتيجي الجديد يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية الإعلام ودوره في حماية الأمن القومي، وبناء الوعي، ودعم مسيرة التنمية، معتبرة أن ما طرحه الرئيس يمثل خارطة طريق للعمل الإعلامي والوطني خلال المرحلة المقبلة.
وقالت إن تقديم ملف الإعلام على غيره من الملفات في كلمة الرئيس يحمل دلالة واضحة على أن الدولة تنظر إلى الإعلام باعتباره أحد الركائز الأساسية في بناء الجمهورية الجديدة، مشيرة إلى أن مفهوم الأمن القومي لم يعد يقتصر على الجوانب العسكرية، وإنما أصبح يشمل الاقتصاد والسياسة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتوسيع دوائر الحوار، وإتاحة الفرصة أمام الرأي والرأي الآخر في إطار من المسؤولية والاحترام.
وأضافت أن اهتمام الرئيس بتطوير الإعلام ليس جديداً، وإنما يمتد منذ إعلان خارطة الطريق في الثالث من يوليو 2013، التي تضمنت الدعوة إلى وضع ميثاق شرف إعلامي يرسخ مفهوم الحرية المسؤولة، والالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، لافتة إلى أن السنوات الماضية شهدت العديد من التوجيهات الرئاسية التي أكدت أهمية تطوير الإعلام وتعزيز دوره في خدمة المجتمع.
وأوضحت أن التطوير المطلوب يجب أن يشمل المنظومة الإعلامية بأكملها، سواء المؤسسات الصحفية القومية، أو الهيئة الوطنية للإعلام، أو وسائل الإعلام الخاصة والحزبية، مؤكدة أن جميع هذه المؤسسات تمثل الإعلام المصري، ويجب أن تنطلق من مبادئ مهنية مشتركة تعزز المصداقية وتحافظ على المصلحة الوطنية.
وأكدت عبدالمجيد أن الحرية المسؤولة تمثل حجر الأساس في أي عملية تطوير إعلامي، موضحة أن المسؤولية لا تعني تقييد حرية التعبير، وإنما تحقيق التوازن بين حق الإعلام في عرض مختلف الآراء، وبين الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية والمعايير المهنية، بما يتيح للجمهور الاطلاع على الوقائع في سياقها الصحيح، والاستماع إلى مختلف وجهات النظر، بما يساعده على تكوين رأي مستنير.
وشددت على أن الحوار الإعلامي الحقي لا يقوم على الإثارة أو صناعة الجدل، وإنما يعتمد على المهنية والموضوعية، من خلال محاور يمتلك المعرفة الكاملة بالقضية المطروحة، ويطرح أسئلة دقيقة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، لا إلى تحقيق نسب مشاهدة أو إثارة الرأي العام، مؤكدة أن الإعلام الناجح هو الذي يدير حواراً يخدم المجتمع ويقود إلى حلول ورؤى مشتركة.
وأشارت إلى أن اتساع مساحة الحرية يعز ثقة الجمهور في وسائل الإعلام الوطنية، ويحد من لجوء المواطنين إلى مصادر خارجية قد تفتقر إلى المصداقية أو تستهدف نشر الشائعات وتزييف الحقائق، مؤكدة أن الإعلام الوطني عندما يقدم جميع الآراء بصورة متوازنة يصبح المصدر الأول للمعلومة، ويعز قدرة المواطنين على تكوين مواقف واعية تجاه مختلف القضايا.
ورأت أيضاً أن الإعلام المصري يواجه في المرحلة الحالية مجموعة من التحديات المتشابكة، يأتي في مقدمتها الضغوط الاقتصادية التي تؤثر في مختلف المؤسسات الإعلامية، إلى جانب المنافسة المتزايدة التي فرضتها المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن التطورات التكنولوجية المتلاحقة، والتوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي تحديات تستدعي خططاً واضحة للتحديث، مع وضع ضوابط مهنية وأخلاقية تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنيات.
وأضافت أن تطوير الإعلام لا يقتصر على تحديث التكنولوجيا، بل يتطلب أيضاً الاستثمار في العنصر البشري، من خلال برامج تدريب مستمرة ترفع كفاءة الإعلاميين، وتمكنهم من مواكبة التحولات الرقمية، إلى جانب البحث عن نماذج تمويل جديدة تعوض التراجع في عائدات الإعلانات التقليدية، بعد انتقال جانب كبير منها إلى المنصات الرقمية.
وأكدت أن الاجتماع السنوي الذي دعا إليه الرئيس يمكن أن يمثل منصة مؤسية لتقييم أداء الإعلام المصري بصورة دورية، ومراجعة التحديات والفرص، والخروج بتوصيات عملية قابلة للتنفيذ، بما يضمن تطويراً مستداماً للإعلام، ويعز قدرته على أداء رسالته في بناء الوعي، وترسيخ قيم الحوار، ودعم جهود الدولة في تحقيق التنمية الشاملة.
*الدكتورة منى الحديدي: دعوة الرئيس لمراجعة الإعلام المصري تؤس لتطوير مستدام وتدعم بناء الوعي*
أكدت الدكتورة منى الحديدي، أستاذة الإعلام، وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن اهتمام الرئيس بملف الإعلام والاتصال خلال افتتاح المقر الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً للدور المحوري الذي يقوم به الإعلام في حياة الشعوب، باعتباره أحد أهم أدوات بناء الوعي وتحقيق الأمن المجتمعي، فضلاً عن كونه أحد الركائز الأساسية لدعم التنمية المستدامة وتحقيق العدالة بين الأجيال.
وأوضحت أن الإعلام لم يعد يقتصر دوره على نقل الأحداث، بل أصبح وسيلة لتعزيز التفاهم بين الشعوب، وترسيخ ثقافة قبول الآخر، مع الحفاظ على الهوية الوطنية وعدم الانصهار في ثقافة بعينها، خاصة في ظل متغيرات العولمة والتطورات التكنولوجية المتسارعة.
وأضافت أن توجيه الرئيس بعقد اجتماع أو لقاء حواري سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام المصري، ومناقشة التحديات والفرص، يمثل خطوة مهمة نحو إرساء نهج مؤسسي يقوم على المتابعة والتقييم المستمر، بما يضمن أن يصبح تطوير الإعلام عملية دائمة لا ترتبط بالمناسبات أو ردود الأفعال، وإنما تعتمد على التخطيط الاستباقي واستشراف المستقبل.
وشددت على أن هذه الدعوة تضع مسؤولية كبيرة على عاتق المؤسسات والهيئات الإعلامية، وتفرض ضرورة تضييق الفجوة بين الممارسين والأكاديميين، من خلال الاستفادة من الدراسات والبحوث العلمية التي ترصد واقع الإعلام، وتقدم رؤى مستقبلية ومقترحات عملية تسهم في تطوير مختلف وسائله وأشكاله.
وأشارت إلى أن تخصيص الرئيس مساحة مهمة للحديث عن الإعلام في هذه المناسبة الوطنية، التي تعكس حجم التطور الذي تشهده الدولة في مختلف القطاعات، يؤكد أن الإعلام مطالب بأن يواكب هذا التطور بنفس الوتيرة، وأن يكون شريكاً رئيسياً في مسيرة التنمية، لا مجرد ناقل للأحداث.
وأكدت أن التطوير المنشود لا يقتصر على وسائل الإعلام التقليدية، وإنما يشمل جميع المنصات الإعلامية الحديثة، بما فيها الإعلام الرقمي، والإعلام التفاعلي، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومختلف التطبيقات القائمة على شبكة الإنترنت، لافتة إلى أن الحدود بين الإعلام التقليدي والرقمي أصبحت شبه منعدمة، الأمر الذي يفرض تطوير أدوات العمل الإعلامي، ورفع كفاءة الكوادر، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، حتى يظل الإعلام المصري قادراً على أداء رسالته بوصفه قاطرة للتنمية وصناعة الوعي.
*الدكتورة سلوى الغريب: الحوار الإعلامي المنتظم يفتح الباب أمام ثورة إعلامية حقيقية تعز مشاركة المواطنين*
أكدت الدكتورة سلوى الغريب، أستاذة الإعلام، أن توجيه الرئيس بعقد لقاء سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام المصري ومناقشة تحدياته وفرصه يمثل خطوة مهمة جاءت في توقيت مناسب، مشيرة إلى أن أي جهد يستهدف تطوير الإعلام يظل ذا قيمة مهما تأخر، لأن الإعلام يعد أحد أهم أدوات بناء المجتمع وصناعة الوعي في مختلف المراحل.
وأوضحت أن المرحلة المقبلة تتطلب تشكيل مجموعات عمل إعلامية متخصصة، تضم خبراء وممارسين وأكاديميين، لدراسة القضايا الإعلامية من مختلف الزوايا، وتحليل تأثير الإعلام في المجتمع وتأثره بالمتغيرات المجتمعية، على أن تتوسع هذه الحوارات لتشمل تخصصات متعددة، بما يسهم في صياغة رؤى متوازنة تدعم مسيرة التنمية وتعزز الممارسة الديمقراطية الرشيدة.
وأضافت أن استمرار هذه اللقاءات بصورة مؤسية من شأنه أن يمنح المجتمع حيوية جديدة، ويخلق حراكاً إعلامياً واعياً ومتزناً، بعيداً عن الانفعال أو الاستقطاب، مؤكدة أن مصر بحاجة إلى ثورة إعلامية حقيقية تقوم على الحوار المسؤول، وتسهم في دعم الدولة ومساندة المجتمع في مواجهة التحديات.
وشددت على أن من أهم الملفات التي ينبغي أن تتصدر جدول أعمال هذه اللقاءات ترسيخ ثقافة احترام الرأي والرأي الآخر، وتوسيع مساحات الحوار المجتمعي، مع تفعيل دور الإعلام المحلي والمحليات باعتبارها الحلقة الأقرب إلى المواطنين، بما يضمن نقل احتياجاتهم ومشكلاتهم بصورة منظمة إلى دوائر صنع القرار.
وأشارت إلى أن المواطن يجب أن يكون شريكاً في عملية التنمية، ليس فقط من خلال متابعة ما يُعرض عبر وسائل الإعلام، وإنما عبر إتاحة الفرصة له للتعبير عن آرائه ومقترحاته، والاستماع إلى مطالبه، وإطلاعه على الخطط الحالية والمستقبلية، بما يعز الثقة ويشجع على المشاركة الإيجابية في تنفيذ خطط الدولة.
ورأت أن الإعلام، رغم أهميته المتزايدة، لا يزال في كثير من الأحيان يعتمد على التواصل في اتجاه واحد، حيث يقتصر دوره على نقل الرسائل، بينما تظل مساحة التفاعل الحقي مع الجمهور محدودة، وهو ما يستدعي تطوير آليات تضمن الاستماع إلى المواطنين وإشراكهم في النقاش العام.
وفيما يتعلق بالإعلام الرقمي، أوضحت أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت واقعاً لا يمكن تجاهله، لما لها من تأثير واسع في تشكيل الرأي العام، مؤكدة أنها تحمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية. فمن ناحية، تتيح للمواطنين التعبير بحرية عن مشكلاتهم واحتياجاتهم، ومن ناحية أخرى، لا يمكن الاعتماد عليها وحدها في التعرف على نبض الشارع.
وأكدت أن الاستماع إلى المواطنين يجب ألا يقتصر على ما يُطرح عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل ينبغي أن يمتد إلى الفئات التي لا تستخدم هذه الوسائل، خاصة أبناء القرى والمناطق النائية، من خلال تفعيل دور الإعلام المحلي والمحليات في نقل آرائهم واحتياجاتهم إلى الجهات المختصة، بما يضمن وصول أصوات جميع فئات المجتمع، وتحويل الحوار المجتمعي إلى أداة فاعلة لدعم التنمية وصنع القرار.
اترك تعليق