مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

البرنامج الوطني يقود الاقتصاد من الاستقرار للنمو

الخبراء: برنامج مصري بعد مرحلة "الصندوق" يرتكز على الإنتاج وتمكين القطاع الخاص

خفض الأعباء المعيشية وضبط الأسواق .. أولوية لتعزيز الحماية الاجتماعية

تطوير منظومة الدعم والتحول إلى "النقدي".. لتنقية جداول المستحقين


في ظل التحديات الاقتصادية العالمية والضغوط المعيشية التي يواجهها المواطن، تتجه الدولة المصرية إلى مرحلة جديدة من الإصلاح الاقتصادي تقوم على تحقيق التوازن بين الحماية الاجتماعية وتعزيز النمو المستدام. وجاءت التوجيهات الرئاسية الأخيرة لتؤكد هذا التوجه، من خلال إعداد برنامج وطني شامل لخفض الأعباء المعيشية، واستكمال مسار الإصلاح الاقتصادي ببرنامج مصري خالص عقب انتهاء التعاون مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب تسريع وتيرة تمكين القطاع الخاص وتعزيز دوره في قيادة الاستثمار والتنمية. ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه الرؤية تمثل نقطة تحول تنقل الاقتصاد المصري من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى مرحلة الانطلاق نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، ينعكس أثره بصورة مباشرة على تحسين مستوى معيشة المواطنين، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية وتحقيق التنمية الشاملة.

وأكد الدكتور محمد شهاب، نائب رئيس جامعة دمياط وأستاذ الاقتصاد بالجامعة، أنه في خطوة هامة ومؤثرة تراعي الأبعاد الاجتماعية وخطط الإصلاح الاقتصادي التي تستهدف الطبقات الاجتماعية من متوسطي ومحدودي الدخل، طالب الرئيس بوضع البرنامج الوطني الشامل الذي يستهدف خفض الأعباء الاقتصادية على المواطنين. ويأتي هذا في إطار الجهود الرامية إلى تحسين الظروف المعيشية والاستجابة لاحتياجات الشعب المصري. ومن المتوقع أن يتضمن البرنامج سلسلة من الإجراءات والقرارات التي تسعى إلى معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وينتقل بالاقتصاد من مرحلة تثبيت الاستقرار، إلى مرحلة الانطلاق نحو النمو المستدام بما ينعكس بصورة مباشرة، على تحسين مستوى معيشة المواطنين، ويعز قدرة الاقتصاد المصري، على مواجهة المتغيرات وتحقيق التنمية الشاملة.

وتتمثل الخطوات التنفيذية لخفض الأعباء المعيشية في إطلاق "برنامج وطني" شامل لضبط الأسواق والتوسع في منافذ بيع السلع الأساسية، وإعادة هيكلة الدعم التمويني، وتطبيق تسهيلات ضريبية، وتنظيم "أسواق اليوم الواحد" لطرح المنتجات بتخفيضات تصل إلى 35% من خلال مشاركة وزارة التموين وجهاز "مستقبل مصر" بالتنسيق مع وزارتي الزراعة والتموين للعمل على توافر السلع بأسعار مناسبة وتحسين سلاسل الإمداد. ويتم كذلك تطوير المنافذ التموينية والتجارية ورفع كفاءتها التشغيلية والتوسع في تطبيق النموذج الجديد للمنافذ الحديثة في إطار متابعة تنفيذ المشروع القومي «كاري أون» وتوسيع نطاق الشراكات المؤسية الداعمة له، إلى جانب بحث الحوافز والتسهيلات التمويلية والفنية بما يدعم جهود التطوير والتحديث وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، والاستفادة من خبرات القطاع الخاص والسلاسل التجارية الكبرى في دعم مستهدفات المشروع بما يدعم إنشاء شبكة واسعة من المنافذ التجارية الحديثة القادرة على تلبية احتياجات المواطنين بكفاءة واستدامة، وتعزيز التعاون بين الشركة القابضة للصناعات الغذائية وإحدى السلاسل التجارية في مجال طرح عدد من منتجات الشركات التابعة للقابضة داخل فروع "كازيون"، بما يسهم في توسيع قنوات توزيع هذه المنتجات وتعزيز توافرها للمستهلكين بمختلف المحافظات، والاستفادة من الانتشار الجغرافي الواسع للسلسلة التجارية، وذلك في إطار توجه الوزارة لتعزيز التكامل بين القطاعين العام والخاص ودعم إتاحة السلع للمواطنين بجودة مناسبة وأسعار تنافسية. كما ناقش الاجتماع فرص التعاون مع جهاز تنمية التجارة الداخلية في مجال إنشاء وإدارة وتشغيل المخازن الاستراتيجية، والاستفادة من الخبرات المتخصصة التي تمتلكها الشركة في مجالات الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، بما يدعم جهود الدولة في تعزيز كفاءة منظومة التخزين الاستراتيجي للسلع، وزيادة القدرات التخزينية الحديثة، وتحقيق أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية والاستدامة بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي واستقرار الأسواق.

وعلى جانب آخر يتم تطوير منظومة الدعم والتموين مع العمل على التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي لضمان وصول الدعم المالي مباشرة لمستحقيه، وتنقية قواعد البيانات لضمان تركيز الدعم على المواطنين الأكثر احتياجاً، حيث تستعد الحكومة المصرية لتنفيذ هذا التحول الاستراتيجي عبر منظومة "الدعم النقدي المشروط"، والتي تهدف إلى تحويل الدعم إلى ما يشبه محفظة سلعية مالية إلكترونية تُضاف للبطاقة التموينية تتيح حرية الاختيار للأسرة المصرية في تحديد أولوياتها الشرائية من السلع الغذائية الأساسية بحجم الدعم المخصص لها، دون التقيد بقوائم أو حصص سلعية محددة مسبقاً، وتقسيم المستحقين إلى 4 فئات متدرجة لضمان العدالة الاجتماعية، بحيث تحصل الفئات الأكثر احتياجاً على الدعم الأكبر مع الاستمرار في توفير رغيف الخبز المدعم للمواطنين بسعر محدد. كما تشمل الخطة الاستراتيجية التوسع في التسهيلات والإعفاءات الضريبية من خلال إعفاء المنتجات الزراعية الأساسية "بذور، تقاوي، شتلات، أعلاف" من الضرائب لدعم الإنتاج المحلي وتخفيف التكاليف عن صغار المزارعين، ومراعاة البعد الاجتماعي في الخدمات الحيوية التي تمس حياة الناس رغم كل التحديات العالمية من خلال إعفاء الدواء والمواد الفاعلة في إنتاجها والأمصال واللقاحات والدم ومشتقاته وأكياس جمع الدم ووسائل تنظيم الأسرة، وتعليق أداء الضريبة على الآلات والمعدات الواردة من الخارج لاستخدامها في الإنتاج الصناعي، مع إعفاء خدمات الصرف الصحي وتنقية أو تحلية المياه لكونها خدمات حيوية تمس حياة المواطنين، وإعفاء مدخلات إنتاج صناعة الدواجن وصناعة الورق وخفض سعر الضريبة على الخدمات الإعلانية وإعفائها من ضريبة الدمغة وكثير من القرارات في هذا المجال. وتم استكمال الخطة الاستراتيجية بالإسراع في تنفيذ المرحلة الثالثة من برنامج "تخارج" مؤسسات الدولة من الأنشطة الاقتصادية لتعزيز مشاركة القطاع الخاص، مما يخلق بيئة تنافسية تساهم في خفض الأسعار وزيادة كفاءة الإدارة والتشغيل، واستمرار الدولة كشريك داعم أو مساهم بنسب محددة لاستثمار الأصول، مع نقل دور الإدارة بالكامل للقطاع الخاص، مع التوسع في طرح حصص من الشركات المملوكة للدولة في البورصة المصرية للمستثمرين والأفراد.

وأوضح الدكتور أدهم البرماوي، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بالمعهد العالي للإدارة بكفر الشيخ، أن التوجيهات الرئاسية الأخيرة تأتي لتمثل خارطة طريق استراتيجية تهدف إلى نقل الاقتصاد الوطني من مرحلة "إدارة الأزمات" وتثبيت أركان الاستقرار إلى مرحلة الانطلاق والنمو المستدام. إن الجمع بين البعد الاجتماعي المتمثل في خفض الأعباء المعيشية، والبعد الهيكلي المتمثل في التخارج وإعداد برنامج وطني خالص، يعكس فهماً عميقاً لضرورة الموازنة بين التحديات الآنية والطموحات المستقبلية للاقتصاد المصري. وفيما يتعلق بخفض الأعباء المعيشية، يمثل تكليف "جهاز مستقبل مصر" بالتنسيق مع وزارتي الزراعة والتموين خطوة عملية لتجاوز "عنق الزجاجة" في سلاسل الإمداد. من منظور الاقتصاد الزراعي، لا تكمن المشكلة فقط في حجم الإنتاج، بل في كفاءة التوزيع، لذا فإن ضبط حلقات التداول وتقليل "الفاقد" الذي يرفع السعر النهائي للمستهلك يعد ضرورة ملحة. إن التوسع في الأسواق الدائمة والمنافذ يقلل من دور الوسطاء غير الضروريين، مما يضمن وصول السلعة للمواطن بسعر عادل مع الحفاظ على عائد مجزٍ للمنتج، وهو ما سيخلق حالة من التوازن التلقائي في الأسواق بعيداً عن التدخل الإداري المباشر. أما المطالبة بإعداد برنامج وطني "خالص" عقب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي، فهي رسالة بالغة الأهمية تعكس رغبة الدولة في تبني سياسات نابعة من خصوصية الواقع المصري. إن المرحلة القادمة يجب أن تركز بشكل أكبر على التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة للصادرات، بدلاً من الاعتماد على مصادر النمو التقليدية. هذا البرنامج الوطني ينبغي أن يضع "الاستثمار في الإنسان" والتعليم التقني كأولوية قصوى، لأن النمو المستدام لا يقوم إلا على قاعدة بشرية مؤهلة تستطيع التعامل مع متطلبات الاقتصاد الحديث. وعلى صعيد "تخارج الدولة"، فإن هذه السياسة تعد حجر الزاوية لجذب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد. إن التخارج لا يعني تراجع دور الدولة، بل يعني إعادة تعريف هذا الدور ليتحول من "منافس للقطاع الخاص" إلى "منظم ومراقب ومحفز". إن النجاح في هذه المرحلة مرهون بالالتزام الكامل بمبادئ الحوكمة والشفافية، بحيث يطمئن المستثمر المحلي والأجنبي إلى وجود بيئة قانونية عادلة ومنافسة متكافئة، مما يحول القطاع الخاص إلى قاطرة حقيقية للنمو تساهم في تخفيف الضغوط عن الموازنة العامة. إن هذه التوجهات الثلاثة مترابطة بشكل وثيق، فلا يمكن خفض الأعباء المعيشية بشكل مستدام دون رفع الإنتاجية، ولا يمكن رفع الإنتاجية دون قطاع خاص قوي، ولا يمكن للقطاع الخاص أن يعمل بفعالية دون استقرار كلي وبرنامج وطني يعطي رسائل طمأنة للأسواق. إننا أمام فرصة تاريخية لتحويل التحديات الاقتصادية إلى حوافز للنمو، وهو ما يتطلب تنفيذاً دقيقاً ورقابة مؤسية صارمة، مع إشراك المجتمع الأكاديمي والقطاع الخاص في صياغة تفاصيل المرحلة المقبلة لضمان نجاحها.

ويرى الدكتور عمرو عرفة، مدرس التمويل والاستثمار بأكاديمية وادي العلوم، أن التوجيهات الرئاسية الأخيرة الصادرة عن عبد الفتاح السيسي تعكس رؤية اقتصادية تستهدف الانتقال بالاقتصاد المصري من مرحلة استعادة الاستقرار الاقتصادي إلى مرحلة النمو المستدام والشامل، من خلال ثلاثة محاور مترابطة تتمثل في خفض الأعباء المعيشية، وإعداد برنامج اقتصادي لما بعد التعاون مع صندوق النقد الدولي، وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة الاستثمار والنمو. ويأتي إعداد برنامج وطني لخفض الأعباء المعيشية عبر التوسع في المنافذ والأسواق الدائمة وضبط سلاسل الإمداد استجابةً للتحديات المرتبطة بارتفاع تكلفة المعيشة وتقلب أسعار السلع الأساسية. كما أن التوسع في دعم المبادرات المرتبطة بالحياة اليومية للمواطن في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والنقل والإسكان من شأنه أن يسهم في تخفيف الضغوط المعيشية وتعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين جودة الحياة بصورة مستدامة. ومن منظور اقتصادي وزراعي، فإن استقرار الأسعار وتحسين مستويات المعيشة يرتبطان بصورة وثيقة بزيادة الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل، وليس فقط بإجراءات الرقابة على الأسواق. ومن ثم تبرز أهمية التوسع في الاستثمار الزراعي واستصلاح الأراضي، وتطوير سلالات التقاوي عالية الإنتاجية والمقاومة للتغيرات المناخية، ورفع كفاءة استخدام الموارد المائية، بما يسهم في زيادة المعروض من السلع الأساسية وتعزيز الأمن الغذائي. كما أن دعم الصناعات الغذائية والتصنيع الزراعي وسلاسل الإمداد المرتبطة بالقطاع الزراعي من شأنه تسريع وتيرة الاستثمار، وخلق فرص عمل جديدة، وخفض معدلات البطالة، فضلاً عن الحد من الضغوط التضخمية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في الأسواق. وفيما يتعلق بالمرحلة التالية للإصلاح الاقتصادي، فإن استكمال ما تحقق من إصلاحات والانطلاق من أولويات الاقتصاد المصري يتطلب تبني آليات دورية لمراجعة وتقييم نتائج السياسات الاقتصادية ومدى انعكاسها على مؤشرات الأداء الحقيقية للاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين. كما تمثل المرحلة المقبلة فرصة للانتقال إلى اقتصاد يقوده الإنتاج والتصدير والاستثمار، مع دعم الصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة وتعميق التصنيع المحلي وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، بما يسهم في رفع معدلات التشغيل وخلق فرص عمل مستدامة وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة. كما أن استكمال برنامج تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية التي يستطيع القطاع الخاص إدارتها بكفاءة أكبر، مع الالتزام الكامل بمبادئ الشفافية والمنافسة العادلة وتكافؤ الفرص، من شأنه تعزيز الاستثمار ورفع كفاءة تخصيص الموارد، بما يدعم تحقيق نمو اقتصادي مستدام ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين، ويعز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة المتغيرات الدولية وتحقيق التنمية الشاملة.

وتابع الدكتور طاهر عبد الكريم، الخبير الاقتصادي، أن التوجيهات الرئاسية تعكس توجهاً نحو الانتقال من إدارة التداعيات الاقتصادية قصيرة الأجل إلى بناء سياسات تستهدف تعزيز كفاءة الاقتصاد على المدى الطويل. فالتوسع في المنافذ والأسواق الدائمة وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد يعد من الأدوات التي أثبتت فعاليتها في الحد من الضغوط التضخمية وخفض تكلفة تداول السلع الأساسية. وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن فاقد الغذاء بعد الحصاد وفي مراحل النقل والتوزيع يبلغ نحو 14% من الإنتاج الغذائي العالمي، وهو ما يرفع تكاليف الإمداد ويؤثر في الأسعار النهائية للمستهلك. ومن ثم، فإن تحسين كفاءة سلاسل الإمداد وتقليل حلقات الوساطة يمثلان أحد المسارات الفعالة لتحقيق استقرار الأسواق والحد من تقلبات الأسعار. كما أن توجيه الرئيس بإعداد برنامج اقتصادي وطني يبدأ عقب انتهاء برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي يعكس توجهاً يتماشى مع الأدبيات الاقتصادية الحديثة، التي تميز بين مرحلة استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، ومرحلة بناء اقتصاد قادر على تحقيق نمو مستدام يقوده الاستثمار والإنتاج والتصدير. وتؤكد تجارب العديد من الاقتصادات الناشئة أن برامج الاستقرار المالي والنقدي تمثل نقطة انطلاق وليست هدفاً نهائياً، وأن استمرار النمو يتطلب استراتيجية وطنية تركز على رفع الإنتاجية، وتعميق التصنيع، وزيادة تنافسية الاقتصاد. وفي الإطار نفسه، فإن الإسراع بتنفيذ المرحلة التالية من برنامج تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية التي يستطيع القطاع الخاص إدارتها بكفاءة يتوافق مع التوجهات السائدة في الاقتصاد الحديث. وتوضح بيانات البنك الدولي أن القطاع الخاص يسهم بنحو 90% من فرص العمل عالمياً، كما يمثل المحرك الرئيسي للاستثمار والابتكار في معظم الاقتصادات. ومن هذا المنطلق، فإن توسيع دور القطاع الخاص، في ظل الالتزام بالشفافية وتكافؤ الفرص والمنافسة العادلة، من شأنه رفع كفاءة تخصيص الموارد، وزيادة معدلات الاستثمار، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.

وكشف الدكتور أحمد سمير، الخبير الاقتصادي، أن الدولة المصرية تمر بمرحلة فارقة تستدعي إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، فالشارع الذي تحمل كلفة الإصلاحات النقدية الصارمة ينتظر ثماراً ملموسة، والمستثمر يترقب إشارات واضحة تؤمن تدفقاته الرأسمالية. وفي هذا التوقيت الحرج، تأتي التوجيهات الرئاسية الأخيرة لترسم "خارطة طريق" متكاملة تحاول العبور بالاقتصاد من مرحلة "تثبيت الاستقرار" إلى مرحلة "النمو المستدام". هذه الرؤية لا يمكن قراءتها كقرارات منفصلة، بل كحزمة مترابطة تقوم على ثلاثة مرتكزات هيكلية: ضبط الأسواق يوماً بيوم، صياغة برنامج وطني مستقل، وتمكين حقي للقطاع الخاص. إن التكليف الموجه لـ "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة" بالتنسيق مع وزارتي الزراعة والتموين، يحمل تحولاً جوهرياً في فلسفة التعامل مع التضخم وغلاء المعيشة. لطالما عانى السوق المصري من أزمة "سلاسل الإمداد" وتعدد الحلقات الوسيطة "السماسرة"، حيث تخرج السلعة من المزرعة بسعر عادل وتصل للمستهلك بأضعاف قيمتها. ومن هنا، فإن التحرك نحو الأسواق والمنافذ الدائمة وليس المعارض الموسمية، هو الحل الجذري. المستهدف الحقي هو استخدام القدرة الإنتاجية الضخمة لجهاز مستقبل مصر لضخ السلع مباشرة للمواطن، مما يكسر حلقات الاحتكار ويخلق آلية توازن سعري مستدامة داخل السوق. المرتكز الثاني يتعلق بمرحلة ما بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. يجب أن ندرك أن برامج الصندوق بطبيعتها هي برامج "إسعافية" تستهدف ضبط المؤشرات الكلية "كعجز الموازنة، التضخم، وسعر الصرف"، لكنها لا تبني صناعة ولا تزرع أرضاً. لذلك، فإن الدعوة لإعداد برنامج اقتصادي وطني شامل يبدأ فور انتهاء برنامج الصندوق هي خطوة في غاية الأهمية. المطلوب هنا هو الانتقال بالدولة المصرية إلى "الإصلاح الهيكلي الصافي"، والذي يتميز بصياغة محلية مرنة: برنامج مصمم بأيدي مصرية، يراعي الأبعاد الاجتماعية ومتطلبات الشارع بشكل مباشر، بعيداً عن الشروط التقشفية الجاهزة للمؤسسات الدولية، والتركيز على القطاعات الإنتاجية: توجيه الدعم والتحفيز لقطاعات الصناعة التحويلية، الزراعة الحديثة، وتوطين التكنولوجيا، باعتبارها المولد الحقي لفرص العمل المستدامة والسبيل الوحيد لتعظيم الصادرات. أما المرتكز الثالث والأخير، فهو الإسراع في تنفيذ برنامج تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية التي يمكن للقطاع الخاص إدارتها بكفاءة. هذه الخطوة ليست رفاهية، بل هي شرط أساسي لاستعادة ثقة المستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء. القطاع الخاص لا يطلب انسحاباً كاملاً للدولة من كل المجالات، بل يطلب "الحياد التنافسي"؛ أي تطبيق قواعد اللعبة، والضرائب، والرسوم بشفافية وتكافؤ فرص للجميع دون تمييز. تخارج المؤسسات الحكومية من القطاعات غير الاستراتيجية سيؤدي إلى رفع كفاءة إدارة الأصول وزيادة إنتاجيتها بمرونة القطاع الخاص، وتخفيف العبء المالي والتشغيلي عن موازنة الدولة، وتحويل الدولة من دور "المنتج المنافس" إلى دور "المنظم والمراقب"، وهو الدور الأصيل لها في الاقتصاد الحديث. في تقديري، إن الأفكار والخطط المطروحة في هذه التوجيهات ممتازة ونظرية بامتياز، ولكن الرهان الحقيقي يكمن في آليات التنفيذ والسرعة. يحتاج المواطن إلى لمس أثر ضبط الأسواق في قوته اليومي بشكل فوري، بينما يحتاج المستثمر إلى رؤية خطوات تخارج الدولة عبر جدول زمني معلن وواضح لكي يضخ رؤوس أمواله بأمان. إن نجاح هذه الثلاثية "الضبط، الاستقلالية، والتمكين" هو الذي سينقل الاقتصاد المصري من مرحلة امتصاص الصدمات إلى مرحلة الانطلاق الحقيقى. 

 





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق