تظل الطبيعة دائماً بمثابة المستودع الأول والأذكى للحلول العلاجية والوقائية التي تحمي أجسادنا من الأمراض المزمنة قبل وقوعها. وفي خطوة علمية جديدة تسلط الضوء على أهمية الغذاء كخط دفاع أول، التفتت الأبحاث الطبية مؤخراً إلى فحص الأطعمة اليومية البسيطة التي يمكنها ضبط الكيمياء الحيوية للجسم؛ ليخرج إلينا "الشوفان" من جديد، ليس فقط كوجبة فطور مشهورة، بل كبطل صحي حقيقي يمتلك قدرة فائقة وغير متوقعة على تنظيف الجسم من السموم وحماية المسالك البولية والمفاصل من آلام مبرحة.
وفي هذا الصدد، زفت دراسة حديثة أجراها علماء صينيون ونشرتها مجلة Food & Function الطبية المتخصصة، بشرى سارة لمن يعانون من مشاكل الكلى والمفاصل؛ حيث أثبتت أن الشوفان يعد أكثر مصادر الألياف الغذائية فعالية وكفاءة في خفض مستويات حمض اليوريك (البوليك) في الدم بشكل ملحوظ.
تجربة علمية على مدار 8 أسابيع
ينطلق هذا البحث من حقيقة طبية معروفة، وهي أن ارتفاع مستويات حمض اليوريك في الجسم يمثل الخطر الأكبر والمسبب الرئيسي للإصابة بمرض النقرس المؤلم وتكون حصوات الكلى المزعجة؛ ولتحديد الغذاء الأكثر قدرة على مواجهة هذا الارتفاع، صمم الباحثون تجربة سريرية دقيقة شملت 99 شاباً من طلبة الجامعات، حيث تم تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات امتدت متابعتهم لثمانية أسابيع كاملة على النحو التالي:
المجموعة الأولى: اعتمدت على تناول الشوفان بانتظام ضمن نظامها الغذائي.
المجموعة الثانية: تناولت الأرز المدعم بالنشا المقاوم (نوع آخر من الألياف).
المجموعة الثالثة: استمرت على نمطها الغذائي المعتاد دون أي تعديل.
ملحوظة: حرص العلماء على تصميم البرامج الغذائية بدقة شديدة بحيث تتطابق تماماً في كمية السعرات الحرارية والعناصر الغذائية الأساسية الممنوحة لكافة المشاركين، لضمان دقة النتائج.
تفوق ساحق للشوفان بلغة الأرقام
أظهرت النتائج النهائية نجاحاً ملحوظاً للأنظمة الغنية بالألياف في خفض مستويات حمض اليوريك، إلا أن كفة الشوفان رجحت بفارق شاسع وغير متوقع:
سجل المشاركون في مجموعة الشوفان انخفاضاً حاداً في حمض اليوريك بمتوسط بلغ 64.5 ميكرومول لكل لتر.
بينما سجلت مجموعة النشا المقاوم انخفاضاً توقف عند حدود 39 ميكرومول لكل لتر فقط.
السر يكمن في بكتيريا الأمعاء
لم يتوقف العلماء عند رصد النتائج الرقمية فقط، بل غاصوا في التحليلات البيولوجية لمعرفة السر وراء هذه الكفاءة العالية للشوفان؛ وتبين أن تناول الشوفان بانتظام أحدث ثورة إيجابية في "ميكروبيوم الأمعاء" (البكتيريا النافعة في الجهاز الهضمي).
ورصد الفحص صعوداً كبيراً في أعداد فصيلة من البكتيريا النافعة تُعرف باسم جنس "دياليستر" (Dialister)، بالتزامن مع تحولات إيجابية في مستويات المركبات الأيضية (المستقلبات) المرتبطة بها؛ ويرجح الباحثون أن هذه التغيرات البكتيرية الدقيقة تعزز من قدرة الجسم وتدعم وظائفه للتخلص من حمض اليوريك الزائد وتصريفه بفعالية قصوى، مما يقي الإنسان من أوجاع الحصوات والنقرس.
اترك تعليق