مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

الزراعة النظيفة.. ضرورة اقتصادية لحماية الأمن الغذائي وتعزيز الصادرات

الخــــــــبراء:
التحول للزراعة العضوية لخفض تكلفة الإنتاج
والحفاظ علي خصوبة التربة والمياه

مطالب بدعم المزارعين بحوافز وتمويلات
لزيادة الانتاجية وتحقيق الاستدامة

نجاحات واعدة للمكافحة الحيوية والتسميد العضوي
في البحيرة والقليوبية وسيناء

 معايير جديدة لمنح المنتجات النظيفة
ميزة تنافسية في الأسواق العالمية

مع تزايد تحديات الأمن الغذائي وارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي عالميًا، تبرز الزراعة النظيفة في مصر كأحد أهم المسارات الاستراتيجية لتحقيق التوازن بين الإنتاجية والاستدامة، فمع تراجع خصوبة بعض الأراضي، وندرة الموارد المائية، وتشدد الأسواق الخارجية في معايير السلامة والجودة، لم يعد التحول إلي النظم الحيوية والعضوية خيارًا بيئيًا فقط، بل ضرورة اقتصادية وصحية تفرضها المتغيرات المحلية والدولية، وبين نجاحات ميدانية في بعض المحاصيل، وتحديات تتعلق بالتمويل والتقنيات اللوجستية.


يتفق الخبراء علي أن مستقبل الزراعة المصرية يرتبط بقدرتها علي تبني نموذج إنتاج نظيف يعزز التنافسية ويحافظ على الموارد للأجيال القادمة.

دكتور محمد عابدين:
مصر حققت نجاحات واعدة في زراعة..
محاصيل فعلية ونباتات طبية وعطرية

صعوبة التخزين ونقل الكائنات الحية الدقيقة.. أهم التحديات

قال د. محمد عبدالحميد عابدين الخبير الزراعي والباحث في وراثة وتربية النبات أن الزراعة النظيفة تبرز كحل مستدام لضمان الأمن الغذائي والحفاظ على الموارد الطبيعية، بداية يثمن جهود وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في إطار تعزيز إنتاج زراعي عالي الجودة وخالي من الملوثات ودعم التحول نحو الزراعة النظيفة، بما يسهم في زيادة القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية، التي تشهد طلباً متزايداًعلي المحاصيل المنتجة باستخدام منتجات زراعية حيوية وطبيعية، ويأتي ذلك تنفيذاً لاستراتيجية التنمية الزراعية المستدامة 2030، والتي تستهدف تقليل الاعتماد علي الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية، والتوسع في استخدام المركبات الحيوية والعضوية كبدائل آمنة ومستدامة وقامت أيضا الوزارة بتوفير منتجات مدعمة تباع بأسعار رمزية للمزارعين هدفها الأول تحسين خصوبة التربة وزيادة كفاءة امتصاص النباتات للعناصر الغذائية إلي جانب تحقيق التوازن في التسميد بين احتياجات النبات من العناصر الكبري والصغري مع زيادة الإنتاجية وكفاءة المنتج الحيوي.

أضاف، رغم التحديات الكبيرة التي تواجه الزراعة الحديثة في عصرنا والتي تتمثل في تدهور الأراضي، ونقص وندرة المياه والتغيرات المناخية الطارئة يقابلها في ذات الوقت زيادة في الطلب علي الغذاء نتيجة الزيادة السكانية، حيث تساهم الزراعة النظيفة في تحسين جودة التربة والمحاصيل وتقليل الأضرار الصحية إلي جانب تقليل التلوث البيئي مقارنة بالزراعة التقليدية التي تعتمد بشكل مباشر علي الأسمدة التركيبية والمبيدات الحشرية، ومع طول الاستخدام يؤدي ذلك إلي تراكم المواد الضارة في التربة والمحاصيل المنزرعة بها.

أوضح أن مصر تعتبر قد حققت نجاحات ملحوظة في زراعة بعض المحاصيل الحقلية وبعض النباتات الطبية والعطرية في الأراضي الجديدة، وهو ما انعكس علي تقليل استخدام الأسمدة الكيميائية بنسبة كبيرة، ومتوقع زيادة هذه النسبة مع التزايد في وعي المزارعين بأهمية الزراعة النظيفة وفوائدها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بدأ العديد منهم في التطبيق الفعلي لهذه الأساليب الحديثة لتحقيق إنتاجية أفضل وجودة أعلي للمحاصيل، كما أن الدولة المصرية تمضي بخطوات سريغة في دعم منظومة الإنتاج الزراعي الآمن، بما يضمن زيادة الإنتاج وتحسين الجودة وتحقيق الاستدامة.

مضيفا أما عن أكثر المحاصيل القابلة للتحول إلي الزراعة النظيفة فتعتبر المحاصيل التي تتميز بسرعة النمو، وقلة الحاجة للمبيدات الكيميائية والتسميد، مع قدرتها على تحسين التربة طبيعيا هي أكثر المحاصيل قابلية للتحول إلي الزراعة النظيفة، فالبقوليات لأنها تثبت النيتروجين في التربة طبيعيا، الخضراوات الورقية والمحاصيل الجذرية لأنها سريعة النمو وتستغرق دورة حياة قصيرة، والثوم والبطاطا الحلوة التي تعتبر من المحاصيل المتحملة للظروف الصعبة، والقرعيات بصفة عامة وأهمها الكوسة والقرع العسلي والخيار والكانتلوب.

يري أهم التحديات التي تواجه الزراعة النظيفة صعوبة تخزين ونقل الكائنات الحية الدقيقة المستخدمة في الأسمدة الحيوية  من مناطق ومعامل الانتاج للمساحات المطلوب زراعتها.

اختتم أن أبرز المناطق والمحافظات التي شهدت تجارب ناجحة في للتحول إلي الزراعة النظيفة تعتبر محافظات بني سويف والبحيرة والقليوبية بالاضافة لمناطق الاستصلاح الحديثة وجنوب وشمال سيناء، بالنسبة للبيانات والاحصائيات لحجم الأراضي التي تطبق نظم الزراعة النظيفة، نعم، توجد بيانات وإحصائيات دقيقة ومتزايدة حول الأراضي التي تطبق نظم الزراعة النظيفة لان اغلبها مرتبط بعقود تصدير او زراعات  تعاقدية يسهل حصرها.

دكتور محمد إبراهيم:
زيادة إنتاج الأسمدة والمبيدات الحيوية
والتوسع في سد الارشاد الزراعي

أفاد د. محمد أحمد ابراهيم أستاذ المبيدات بقسم وقاية النبات كلية الزراعة جامعة أسيوط ومدير عام وحدة مكافحة الآفات أن  الزراعة النظيفة لا تعد  مجرد رفاهية أو خيارًا ثانويًا، بل أصبحت ضرورة ملحّة، و من أهم ملفات الأمن الغذائي المرتبطة بحماية الإنسان والحفاظ علي البيئة، حيث ترتبط بصحة المواطنين وسلامة التربة واستدامة الإنتاج الزراعي، ليس فقط في الوقت الحاضر، بل للأجيال القادمة، وعلي الرغم من أن قطاع الزراعة في مصر يسهم بنحو 13% من إجمالي الناتج المحلي، وأن الصادرات الزراعية المصرية خلال عام 2025 قُدّرت بنحو 9.5 مليون طن بقيمة إجمالية بلغت 11.5 مليار دولار، إلا أن مساحة الأراضي المنزرعة وفقًا للنظم الحيوية والعضوية ما تزال محدودة، إذ تبلغ نحو 330 ألف فدان فقط ومع التوسع في استخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية لفترات طويلة، أدي ذلك إلي تراجع جودة وخصوبة التربة، مما انعكس سلبًا على جودة وإنتاجية الحاصلات الزراعية، وبناءً عليه، تبرز حاجة ملحّة للتوسع في مفهوم الزراعة النظيفة وتطبيقه علي نطاق أوسع في مصر، إلا أن هناك تحديات كبيرة تعوق هذا التوسع، من أهمها ارتفاع تكلفة المدخلات العضوية والحيوية في ظل الإمكانات المالية المحدودة لصغار المزارعين، بالإضافة إلي تخوف بعض المزارعين واعتقادهم بأن تقليل الاعتماد علي الأسمدة والمبيدات الكيميائية قد يؤدي إلي انخفاض الإنتاجية، كما يُضاف إلي ذلك استمرار تداول بعض الأسمدة والمبيدات غير المطابقة للمواصفات القياسية، فضلًا عن ضعف دور الإرشاد الزراعي في المناطق الريفية، مما يؤثر على وعي المزارعين بالتقنيات الحديثة الداعمة للزراعة النظيفة.

أضاف في ظل تنامي الطلب العالمي على الغذاء الآمن والمنتجات العضوية، يري بعض الخبراء أن مصر تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها للتحول نحو الزراعة النظيفة، بما يعزز من قدرة الصادرات الزراعية المصرية علي المنافسة في الأسواق العالمية، خاصة في ظل شدة المنافسة الدولية علي المنتجات الزراعية الآمنة ولتحقيق ذلك، شددوا علي ضرورة تبني عدة استراتيجيات، من أهمها زيادة الإنتاج المحلي من الأسمدة والمبيدات الحيوية، وخفض تكلفتها وتيسير وصولها إلي المزارعين مع دعم أسعارها، إلي جانب التوسع في برامج التوعية والإرشاد الزراعي من خلال الندوات وورش العمل، وتفعيل نظم المكافحة المتكاملة للآفات، ودعم البحث العلمي في الجامعات والمراكز البحثية، بالإضافة إلي تقديم حوافز وقروض ميسرة تشجع المزارعين علي تبني النظم الزراعية الحديثة
أضاف بناءً علي ما سبق، أصبحت الزراعة النظيفة في مصر ضرورة  حتمية من الناحية الصحية والاقتصادية والبيئية، تعتمد على الاستخدام الرشيد للأسمدة والمبيدات الحيوية، بما يضمن إنتاج غذاء صحي وآمن، ويعزز حماية منظومة الغذاء، ويرفع من قدرة الصادرات الزراعية المصرية علي المنافسة في الحاضر والمستقبل.

دكتور محمد زورة:
المكافحة الحيوية تقنية الأسمدة..
طوق النجاة لمستقبل أكثر صحة واستدامة

أوضح د. محمد فرج زورة أستاذ المكافحة الحيوية المساعد كلية الزراعة الصحراوية والبيئة جامعة مطروح أن الأنظار تتجه اليوم نحو "الزراعة النظيفة" كضرورة حتمية لمواجهة تدهور التربة وارتفاع تكاليف الإنتاج ولم يعد الحديث عن المكافحة الحيوية مجرد نظريات أكاديمية، بل أصبح واقعاً ملموساً أثبت كفاءة منقطعة النظير في حقولنا المصرية، خاصة في ظل التحديات المناخية الراهنة التي تستوجب حلولاً غير تقليدية.

أضاف من واقع التجربة التطبيقية علي محصول الفراولة في كبري المحافظات المنتجة مثل البحيرة والقليوبية، حققت استراتيجية الإطلاق الحيوي نتائج مذهلة باستخدام المفترس الأكاروسي "فيتوسيلس" Phytoseiulus، والذي أثبت قدرة فائقة على سحق أكاروس العنكبوت الأحمر ذو البقعتين.

فبدلاً من الاعتماد على المبيدات الكيميائية التي تزيد من مقاومة الآفات وتترك متبقيات ضارة، نجح "الفيتوسيلس" في ملاحقة العنكبوت الأحمر في بؤر الإصابة والقضاء عليه تماماً، هذا التوازن البيولوجي لم يحمِ المحصول فحسب، بل ضمن إنتاج ثمار فراولة "أورجانيك" بمواصفات قياسية، مما يفتح آفاقاً واسعة للتصدير للأسواق الأوروبية والعالمية بأسعار تنافسية مضيفا وعلي صعيد موازي، تعاظم دور طفيل "الترايكوجراما" الذي يعمل كجندي خفي يهاجم بيض الآفات قبل فقسها، بجانب التوسع في استخدام المصائد اللاصقة والفرمونية كمنظومة إنذار مبكر ومكافحة نظيفة تحد من الحاجة للرش الكيميائي وتضمن تصفير متبقيات المبيدات.

أشار إلي لم يتوقف النجاح عند حدود المكافحة، بل امتد لملف التسميد عبر استخدام سلالات بكتيرية حيوية متطورة مثل السلالات المستخلصة من ريزوسفير البصلBacillus spp-Pseudomonas spp وغيرها، والتي أحدثت طفرة في كفاءة امتصاص العناصر في أراضي القليوبية والبحيرة. لقد أدت هذه البكتيريا النافعة إلي:

تثبيت النيتروجين وإذابة الفوسفات: تحويل العناصر المرتبطة بالتربة إلي صورة ميسرة يسهل علي النبات امتصاصها.

تعديل "pH" التربة: العمل كمنظم طبيعي لدرجة حموضة التربة، مما يعالج مشاكل القلوية ويحسن بيئة النمو.

تنشيط الجذور: إفراز محفزات نمو طبيعية تعمل كمنشط حيوي للجذور، مما يزيد من قوة شتلات الفراولة وقدرتها على تحمل الإجهاد المائي والملوحة.

قال أن تقنين الأسمدة ضرورة اقتصادية وبيئية فهذا التوسع في استخدام هذه المنظومة الحيوية ساهم بشكل مباشر في توفير كميات كبيرة من الأسمدة المعدنية، مما خفف العبء المادي عن كاهل المزارع وحمي التربة من التملح والإجهاد الكيميائي حيث إن خفض كمية السماد المضاف للفدان، مع الاستعانة بالبكتيريا المتخصصة، يعني جودة أعلي وتكلفة أقل واستدامة أطول للرقعة الزراعية.

اختتم إن تجاربنا الناجحة في مزارع الفراولة بالبحيرة والقليوبية تؤكد أن العودة إلي الطبيعة عبر "المفترسات الحيوية" و"التسميد البكتيري" هي الطريق الوحيد لاستدامة الزراعة المصرية، لنقدم للمواطن والمصدر غذاءً آمناً ونحافظ علي ثروة مصر من الأراضي الخصبة.

دكتور أحمد سمير:
الاستثمار في البحث العلمي لتعزيز تنافسية الاقتصاد الزراعي
التوسع في التمويل الاخضر..
خفض استهلاك الاسمدة الكيماوية ورفع أعضاءه التربة

أكد د. أحمد سمير خلاف الخبير الأقتصادي أن الزراعة النظيفة لم تعد مجرد خيار بيئي يرتبط بالحفاظ علي التربة وتقليل التلوث، بل تحولت إلي أحد أهم مسارات الاقتصاد الزراعي الحديث، في ظل تغير قواعد التجارة الدولية وارتفاع الطلب العالمي علي المنتجات الآمنة والصديقة للبيئة وفي مصر، تكتسب القضية بعدًا اقتصاديًا أكثر تعقيدًا، يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي، وتكلفة الإنتاج، وعوائد التصدير، وكفاءة استخدام الموارد المحدودة، خاصة المياه والأراضي الزراعية.

أضاف أن القطاع الزراعي يمثل أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد المصري.. إذ يساهم بما يتراوح بين 11% و12% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر فرص عمل لنحو 20% من قوة العمل، بينما يعتمد عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ما يزيد علي نصف السكان في الريف، كما تجاوزت الصادرات الزراعية المصرية في السنوات الأخيرة حاجز 10 مليارات دولار سنويًا بين صادرات طازجة ومصنعة. مع تصدر الموالح والبطاطس والعنب والفراولة قائمة المنتجات الأكثر انتشارًا عالميًا ولكن خلف هذه الأرقام، تواجه المنظومة الزراعية تحديات اقتصادية متراكمة، أبرزها الارتفاع المستمر في تكلفة مستلزمات الإنتاج. والتدهور التدريجي في خصوبة بعض الأراضي، وارتفاع معدلات استهلاك الأسمدة الكيماوية، إلي جانب الضغوط العالمية المتعلقة بمعايير سلامة الغذاء والانبعاثات الكربونية ومن هنا بدأ التوجه نحو "الزراعة النظيفة" باعتباره ليس فقط ضرورة بيئية، بل محاولة لإعادة هيكلة تكلفة الإنتاج الزراعي وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الزراعي المصري وتستهلك مصر سنويًا ملايين الأطنان من الأسمدة الكيماوية. خاصة النيتروجينية والفوسفاتية، في وقت ارتفعت فيه أسعار هذه الأسمدة عالميًا بصورة حادة بعد الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد وخلال السنوات الأخيرة، تضاعفت تكلفة بعض أنواع الأسمدة أكثر من مرة، ما انعكس مباشرة علي تكلفة الإنتاج الزراعي، ورفع الأعباء المالية علي المزارعين.

قال تشير تقديرات اقتصادية إلي أن بند الأسمدة وحده قد يمثل ما بين 25% و35% من إجمالي تكلفة إنتاج بعض المحاصيل، خاصة الخضروات والمحاصيل كثيفة الاستهلاك للعناصر الغذائية، وفي المقابل، تعتمد الزراعة النظيفة علي تقليل هذا الاعتماد التدريجي عبر استخدام الأسمدة الحيوية والعضوية، بما يسمح بخفض جزء من التكلفة علي المدي المتوسط والطويل، مع تحسين جودة التربة وتقليل الفاقد وقد أكد خبراء الاقتصاد الزراعي أن العائد الحقيقي للزراعة النظيفة لا يظهر فقط في تقليل استخدام الكيماويات، بل في رفع الكفاءة الاقتصادية للأرض الزراعية فالتربة التي تتعرض لاستهلاك مفرط للأسمدة الكيماوية تفقد تدريجيًا قدرتها الطبيعية علي الاحتفاظ بالعناصر الغذائية والمياه، ما يدفع المزارع إلي زيادة الكميات المستخدمة عامًا بعد آخر للحفاظ علي نفس مستوي الإنتاج، وهو ما يرفع التكلفة ويقلل هامش الربح الحقيقي مضيفا أشارت الدراسات زراعية إلي أن استخدام المخصبات الحيوية يمكن أن يخفض استهلاك الأسمدة الكيماوية بنسبة تتراوح بين 20% و40% في بعض المحاصيل، دون تراجع كبير في الإنتاجية، خاصة عند تطبيق نظم إدارة متكاملة للتربة والري، كما أن الاعتماد علي الكمبوست والأسمدة العضوية يرفع المادة العضوية داخل التربة، وهو ما ينعكس علي تحسين كفاءة استخدام المياه وتقليل معدلات التدهور.

قال د. سمير، أن اقتصاديًا تمثل هذه النقطة أهمية استثنائية لمصر. التي تعاني من محدودية الموارد المائية، فالقطاع الزراعي يستهلك نحو 75% من إجمالي الموارد المائية المتاحة، في وقت لا تتجاوز فيه حصة مصر السنوية من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب وبالتالي فإن أي نظام زراعي يساهم في رفع كفاءة استخدام المياه يمثل مكسبًا اقتصاديًا واستراتيجيًا في آن واحد كما ترتبط الزراعة النظيفة بصورة مباشرة بملف الصادرات الزراعية. الذي أصبح أحد مصادر النقد الأجنبي المهمة للاقتصاد المصري، فالأسواق الأوروبية والخليجية باتت تفرض قيودًا أكثر صرامة علي متبقيات المبيدات والأسمدة داخل المنتجات الزراعية. بينما ارتفع حجم سوق الأغذية العضوية والنظيفة عالميًا إلي مئات المليارات من الدولارات، مع توقعات باستمرار النمو خلال السنوات المقبلة موضحا أن في هذا السياق، يري خبراء التصدير أن التوسع في الزراعات النظيفة قد يمنح المنتجات المصرية ميزة تنافسية إضافية، خاصة أن كثيرًا من الأسواق الخارجية أصبحت تمنح أولوية للمنتجات ذات البصمة البيئية المنخفضة، كما أن المنتجات النظيفة تحقق غالبًا أسعارًا أعلي مقارنة بالمحاصيل التقليدية، ما يرفع القيمة المضافة للصادرات الزراعية وهنا وتبرز أهمية الربط بين الزراعة النظيفة واستراتيجية الدولة لزيادة الصادرات، فكل انخفاض في نسب الملوثات ومتبقيات الكيماويات داخل المحاصيل يساهم في تقليل احتمالات رفض الشحنات المصرية بالخارج، وهي مشكلة تسببت سابقًا في خسائر اقتصادية وتشويه سمعة بعض المنتجات في عدد من الأسواق لكن رغم المزايا الاقتصادية الواضحة، فإن التحول نحو الزراعة النظيفة ما يزال يواجه تحديات تمويلية حقيقية. فالتحول يحتاج إلي استثمارات أولية في التدريب، وتطوير نظم الري، وتحسين إدارة التربة، وشراء مدخلات بديلة. وهي تكلفة قد يصعب علي صغار المزارعين تحملها دون دعم أو حوافز مباشرة كما أن السوق المحلي لا يمنح حتي الآن فارقًا سعريًا كافيًا للمنتجات النظيفة، ما يقلل من الحافز الاقتصادي للتحول. ففي كثير من الأحيان، يباع المنتج النظيف بالسعر نفسه تقريبًا الذي يباع به المنتج التقليدي، رغم ارتفاع تكلفة تطبيق الممارسات المستدامة في المراحل الأولي.

أكد من هنا يطالب متخصصون بضرورة تبني حزمة سياسات اقتصادية داعمة، تشمل التوسع في التمويل الأخضر الزراعي، وتقديم حوافز ضريبية وتشجيعية للمزارعين الذين يطبقون نظم الزراعة النظيفة، إلي جانب دعم الصناعات المرتبطة بإنتاج الأسمدة الحيوية والعضوية محليًا، لتقليل التكلفة وزيادة التوافر وكذلك، فإن الاستثمار في البحث العلمي الزراعي يمثل عنصرًا اقتصاديًا حاسمًا فامتلاك تكنولوجيا محلية لإنتاج المخصبات الحيوية عالية الكفاءة يمكن أن يخفض فاتورة الاستيراد. ويوفر بدائل أقل تكلفة للمزارعين، ويخلق في الوقت نفسه صناعة جديدة ذات قيمة مضافة وعلي المدي الطويل، تبدو الزراعة النظيفة جزءًا من التحول نحو الاقتصاد الأخضر الذي تسعي إليه مصر. خاصة مع تصاعد الاهتمام الدولي بقضايا الاستدامة والانبعاثات الكربونية، فالدول التي تنجح في تطوير نظم إنتاج زراعي مستدام ستكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الخضراء، والحصول على تمويلات دولية مرتبطة بالمناخ والتنمية المستدامة.

اختتم في النهاية، فإن التوسع في الزراعة النظيفة داخل مصر لا يجب النظر إليه باعتباره تكلفة إضافية، بل استثمارًا اقتصاديًا طويل الأجل في التربة والمياه والصحة والصادرات، فالحفاظ علي خصوبة الأرض، وتقليل الاعتماد علي المدخلات مرتفعة التكلفة، ورفع جودة المنتج الزراعي، كلها عوامل تعيد صياغة معادلة الربحية داخل القطاع الزراعي، ويبقي التحدي الحقيقي في قدرة السياسات الحكومية علي تحويل هذا التوجه من مبادرات محدودة إلي نموذج اقتصادي متكامل يوازن بين الإنتاجية والاستدامة، ويمنح الزراعة المصرية فرصة أكثر قوة داخل الأسواق العالمية.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق