أي مثقف، مصري أو عربي، يعرف يعني إيه أكاديمية الفنون المصرية، كأول وأهم أكاديمية من نوعها في المنطقة العربية كلها.
لذلك فالحديث عن الأكاديمية وما يحدث بها ليس، ولا يجب أن يكون، شأنا داخليا، من حق أي مثقف أو مهتم بالثقافة والفنون أن يتساءل: ماذا يحدث في الأكاديمية ولصالح من؟
بلغتني أنباء استقالة أكثر من صديق من منصبه داخل الأكاديمية، أغلبهم لم يوضح الأسباب، وهو ما يدفعني إلى السؤال: ماذا يحدث في الأكاديمية ولصالح من؟
هذه الاستقالات تطرح العديد من الأسئلة، هل الناس دي استقالت لأنها مش فاضية، أم لأن المسألة مش جايبة همها، أم أنهم استقالوا بسبب ضغوط وتدخلات وعراقيل تمنعهم من القيام بعملهم على الوجه الأكمل، ولماذا استقالوا الآن تحديدا؟ في إيه بالظبط؟ هل من مجيب؟
مبدئيا لا أحد ينكر أن رئيسة الأكاديمية الجديدة، د. نبيلة حسن، سيدة فاضلة ومحترمة، فنانة أساسا قبل أن تكون أستاذة في الأكاديمية تولت أكثر من منصب بها، ومن المؤكد أنها تسعى إلى النجاح، وإضافة لمستها الخاصة، وهو أمر طيب ومشروع وضروري، خاصة أنها ابنة الأكاديمية وتعرف خباياها وتفاصيلها، فأين المشكلة إذن؟
سمعت أن لديها أفكارا جيدة للنهوض بالأكاديمية وتحسين دخل العاملين بها، من خلال عدة مشروعات تنوي القيام بها، لكن يبدو أن هذه الأفكار، ليست مجرد أفكار قابلة للمناقشة، بل هي أقرب إلى القرارات المنفردة، التي اتخذتها بعيدا عن أصحاب الشأن.
الجميل في الأمر أن أحدا من المستقيلين، في حدود معلوماتي، لم يتفوه بلفظ يسيء إلى د. نبيلة، أو يوجه إليها اتهامات من أي نوع، مثلما يحدث في حالات مماثلة، بل إن كلامهم عنها يحمل تقديرا ومحبة واحتراما، وهذا أمر جيد ويليق بالأكاديمية وأساتذتها، ويعكس قيمة هذه المؤسسة العريقة، فأين الأزمة إذن، هل هي في المستشارين، أم في أولاد الحلال الذين لا تخلو منهم أي مؤسسة؟
بعيدا عن التعميم، ومع كامل التقدير لكل المستقيلين، وأهمية ما يقومون به، إذا كانوا قد أصروا على الاستقالة حتى كتابة هذا المقال، دعني أضرب لك مثلا واحدا يوضح أن هذه الأزمة من شأنها إحداث أضرار جمة بالأكاديمية.
يتعلق المثل بمسرح نهاد صليحة، أو دعني أسميه، وبلا مبالغة، مؤسسة نهاد صليحة، التي قدم مديرها د. محمود فؤاد صدقي استقالته، ولا أخفيك سرا أنني حاولت، بحكم صداقتنا، معرفة سبب الاستقالة، فاكتفى بالقول إنه مرهق ولديه مشاغل كثيرة خاصة بالتدريس والعمل الفني تحول دون التفرغ لنهاد صليحة، وأحالني إلى ما كتبه على صفحته وهذا نصه: "تقدمت اليوم باعتذار رسمي عن إدارة مسرح نهاد صليحة،خمس سنين من أرض تراب إلى كيان كبير اسمه مسرح نهاد صليحة
أتمنيأكون كنت قد المسؤولية وأضفت حاجة للمشهد المسرحي في مصر"
هذا ما كتبه د. محمود فؤاد صدقي على صفحته، بعيدا عن أي مهاترات أو ادعاء بطولات، أو توجيه اتهامات هنا وهناك.
لقد عاصرت هذا المشروع المهم وهو أرض تراب بالفعل، وشاهدت بنفسي كيف تحول هذا المكان الخرب إلى واحد من أهم مسارح مصر وأكثرها جذبا للشباب، وذلك بفضل الفكرة التي طرحها محمود، والحماس الذي أبداه د. أشرف زكي، رئيس الأكاديمية وقتها، وكلنا يعلم الطفرات التي أحدثها أشرف زكي في الأكاديمية خلال توليه رئاستها، ولعل من شاهد ما حدث في مباني بالأكاديمية الجديدة، يدرك حجم الإنجازات التي حققها د. أشرف زكي.
لقد تحول مسرح نهاد صليحة، من مكان خرب ومهمل، إلى مؤسسة مسرحية لا مثيل لها في مصر، لا تكتفي بإنتاج العروض، أو استضافة عروض الشباب فحسب، بل تقيم الورش، وآخرها ورشة الرقص المعاصر تدريب الفنانة النمساوية إنجيجابماير، فضلا عنالمهرجانات، والندوات النقدية المصاحبة للعروض، والتي يشارك فيها النقاد متطوعين، إيمانا منهم بالدور المهم الذي يقوم به مسرح نهاد صليحة، الذي أصبح قبلة شباب المسرحيين وهواة المسرح في مصر.
السؤال هنا، لماذا يعتذر محمود فؤاد صدقي عن عدم الاستمرار في إدارة مشروعه، وهو في قمة نجاحه وتألقه، وهل يمكن للمسرح أن يستمر في أداء دوره بنفس الكفاءة والحيوية، في غياب مؤسسه وصاحب فكرته؟
أكيد هناك أسباب قاهرة وقهرية دفعت محمود فؤاد صدقي إلى الاعتذار عن عدم الاستمرار، وأكيد عدم استمراره يمثل قتلا، أو على الأقل إعاقة، لواحد من أهم المشروعات المسرحية المصرية في السنوات الخمس الأخيرة، إن لم يكن أهمها على الإطلاق.. ألا يستدعي الأمر اهتمام وتدخل د. جيهان زكي وزيرة الثقافة، ليس لإدانة أو لإنصاف أحد، على الأقل مناقشة أسباب هذه الاعتذارات، وإطلاع الرأي العام عليها، باعتبارها، كما ذكرت، ليست شأنا داخليا، ومن حق الناس أن تعرف.
اترك تعليق