مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

القرى المنتجة.. قاطرة جديدة لاقتصاد أكثر إنتاجية واستدامة

مصدر رئيسي للغذاء والطاقات البشرية..
وركيزة واعدة للصناعات المتكاملة

الخــــــــــــبراء:
تحويل الريف لوحدات إنتاجية تستهدف
تعظيم القيمة المضافة ودعم النمو

تبسيط إجراءات التمويل والتراخيص وبناء منظومة تسويق حديثة
تربط الإنتاج بالطلب المحلي والدولي

استثمار المزايا النسبية لكل قرية لتحويلها
لوحدة إنتاجية متخصصة في
التصنيع الزراعي أو الحرف اليدوية
أوالصناعات المغذية

في وقت تتسارع فيه التحديات الاقتصادية وتتعاظم الحاجة إلى نماذج تنموية قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية، يبرز مشروع "القرى المنتجة" كأحد أكثر المسارات طموحًا لإعادة صياغة دور الريف في الاقتصاد المصري، فبعد عقود ظل فيها الريف يُنظر إليه كمجال زراعي تقليدي أو بيئة طاردة للسكان، تطرح الدولة اليوم رؤية جديدة تقوم على تحويله إلى وحدة إنتاجية متكاملة ترتبط بسلاسل القيمة والتصنيع والتصدير.


دمج القرى في سلاسل الإمداد لضمان الاستمرارية
والاندماج في الاقتصاد الكلي

تحسين المعيشة وتقليل الهجرة الداخلية
وتعزيز الأمن الغذائي وفتح آفاق للتصدير

"القرية الرقمية" منصة تجارية حكومية تربط منتجات القرى
بالأسواق العالمية دون وسيط وتضاعف أرباح المنتجين

"حياة كريمة" خلقت بنية تحتية ريفية حديثة للانتقال
لاقتصاد إنتاجي أكثر صلابة وقدرة على مواجهة الأزمات

توطين الصناعة وتمكين المرأة أبرز ركائز نجاح النموذج التنموي الجديد

غياب التنظيم والتدريب.. ضعف التمويل والتصنيع وشيوع الاقتصاد غير الرسمي..أهم التحديات وبين فرص تمكين المرأة، وتوطين الصناعة، ودعم المشروعات الصغيرة، يبقى السؤال: هل تنجح القرى المنتجة في أن تصبح القاطرة الجديدة للنمو الاقتصادي المصري؟

يقول د. عطا عيد عطا مدرس التمويل والاستثمار بالجامعة المصرية الصينية أن الريف المصري ليس مجرد أرض خصبة بل إنه قلب نابض يغذي الأمة رغم وطأة الاقتصاد غير الرسمي الذي يبتلع معظم جهوده، حيث يُعد أحد أهم الموارد الكامنة في الاقتصاد الوطني ليس فقط لأنه يمثل مصدراً رئيسياً للغذاء عبر النشاط الزراعي، بل لأنه يحتضن طاقات بشرية وحرفية وصناعات صغيرة يمكن أن تتحول إلى ركيزة إنتاجية متكاملة ومع ذلك فإن مساهمة الريف في الناتج المحلي الإجمالي لا تزال أقل بكثير من إمكاناته الحقيقية حيث يُطرح أغلب الإنتاج خاماً دون تصنيع، وتظل الحرف التقليدية والطاقات النسائية غير مستغلة بالشكل الكافي من هنا يبرز مشروع القرى المنتجة باعتباره قاطرة جديدة للنمو الاقتصادي قادرة على تحويل الريف من عبء خدمي إلى قوة   إنتاجية فاعلة مضيفا الواقع المصري يكشف أن المشكلة لم تعد في غياب الموارد بل  في كيفية إدارتها وتحويلها إلى عائد اقتصادي مستدام فبينما يشكل الريف نسبة كبيرة من العمالة إلا أن ضعف القيمة المضافة وغياب التنظيم واتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي يحد من أثره هنا يصبح قياس إسهام القرى في الاقتصاد ضرورة عبر رصد حجم الإنتاج ودوره في الناتج المحلي، وتحليل نسبة العمالة الريفية وتأثيرها في سوق العمل، مع الوقوف على فجوة التصنيع التي تجعل أغلب الإنتاج يُطرح خامًا دون تعظيم قيمته لكن التحديات الهيكلية لا يمكن تجاهلها ضعف التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وغياب التدريب الفني والإداري وتعقيد الإجراءات وانفصال الإنتاج عن الأسواق، كلها عوامل تعوق تحول القرى إلى وحدات إنتاج متكاملة ويضاف إلى ذلك تحديات ثقافية تتعلق بضعف ثقافة ريادة الأعمال والاعتماد على الوظيفة وهو ما يستلزم قراءة اجتماعية إلى جانب القراءة الاقتصادية.

أضاف في هذا السياق يصبح النظر إلى التجارب الدولية أمراً ضرورياً فقد أشعلت الصين "تخصص القرى" بربط القرى بسلاسل التوريد والتصدير، بينما دعمت الهند الصناعات المنزلية عبر التمويل والتسويق الرقمي، وحولت إيطاليا القرى الحرفية إلى علامات اقتصادية عالمية، إن السر في ذلك هو التوليفة "ميزة نسبية + تدريب + تمويل + تسويق" ومصر تملك كل ذلك وهو ما يمكن أن يشكل خريطة طريق لمصر آليات إعادة بناء القرية المنتجة تبدأ بتحديد الميزة النسبية لكل قرية وفق مواردها وإنشاء وحدات تصنيع صغيرة ترفع القيمة المضافة مع توفير برامج تدريب مستدامة مع تبسيط إجراءات التمويل والتراخيص مع بناء منظومة تسويق حديثة تربط الإنتاج بالطلب المحلي والدولي، هكذا يتفجر الإنتاج المستدام كما أن دمج القرى في سلاسل الإمداد يضمن الاستمرارية ويحولها إلى جزء من الاقتصاد الكلي، لا مجرد وحدات معزولة.

أوضح أن البعد الاستراتيجي لهذا المشروع يتجاوز تحسين مستوى المعيشة ليصل إلى خلق اقتصاد محلي مستدام وتقليل الهجرة الداخلية نحو المدن وتعزيز الأمن الغذائي وفتح آفاق للتصدير بذلك يتحول الريف إلى ركيزة إنتاجية فاعلة ويصبح مشروع القرى المنتجة اختباراً لقدرة الدولة على الانتقال من المبادرات الخدمية إلى بناء اقتصاد إنتاجي متكامل.

أكد د٠ عمرو يوسف أستاذ الاقتصاد والتشريعات المالية والضريبية بـأكاديمية الإسكندرية للإدارة والمحاسبة أن "القرى المنتجة" تعد حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام يعتمد على الإنتاج لا الاستهلاك، وهي نموذج تنموي يحول الريف من عبء ديموجرافي إلى قاطرة نمو حقيقية، فالقرى المنتجة تعد وبصدق قاطرة التنمية المنسية ومستقبل الصادرات المصرية وتمثل مفهوم "توطين الصناعة" في أبسط صوره، حيث يتم استغلال المزايا النسبية لكل قرية لتحويلها إلى وحدة إنتاجية متخصصة، سواء في التصنيع الزراعي، الحرف اليدوية، أو الصناعات المغذية.

أما عن الأهمية الاقتصادية للقرى المنتجة ودعم الصادرات فإنها تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني عبر محاور عدة  ومنها خلق سلاسل قيمة مضافة بدلاً من تصيّر المحاصيل خاماً، يتم تصنيعها (مثل تجفيف الطماطم أو تعليب الفواكه)، مما يرفع قيمتها السوقية، فضلا عن غزو الأسواق الدولية: تتميز المنتجات الريفية والحرفية (كالسجاد اليدوي، الفخار، والتمور) بطلب عالمي مرتفع. إضافة الى توفير معايير الجودة لهذه المنتجات يجعلها رافداً أساسياً للعملة الصعبة، محولةً القرية إلى "منطقة حرة مصغرة" مضيفا أن القري المنتجة يمكنها أن تسهم في مكافحة البطالة وبذلك فهي الحل السحري لأزمة البطالة نظرًا لكثافة العمالة؛ إذ تعتمد معظم أنشطتها على المهارة اليدوية التي تستوعب آلاف الشباب والنساء في محيط سكنهم، والحد من الهجرة النازحة، بتوفير فرص عمل كريمة، يتوقف الزحف نحو المدن، مما يقلل الضغط على البنية التحتية الحضري إضافة إلى تمكين المرأة الريفية بتحويل "المنزل" إلى وحدة إنتاجية يدمج المرأة في سوق العمل بمرونة عالية.

أضاف إن مصر تمتلك فرصًا واعدة في ريادة المشاريع المبتكرة لريادة هذا النموذج عالمياً عبر مقترحات مبتكرة مثل تدشين منصة "القرية الرقمية كمنصة تجارة إلكترونية حكومية تربط منتجات القرى مباشرة بالأسواق العالمية (B2B)، مما يلغي دور الوسيط ويضاعف أرباح المنتجين، ودور مجمعات الطاقة الخضراء: تحويل المخلفات الزراعية في القرى إلى "بيوجاز" أو أسمدة عضوية، مما يخلق صناعة نظيفة ومستدامة توفر تكاليف الطاقة، فرص السياحة الإنتاجية: دمج الإنتاج بالسياحة (مثل قرية تونس بالفيوم)، حيث تصبح عملية التصنيع نفسها مزاراً سياحياً يجذب الدخل والعملة الصعبة، وفى نهاية الامر إن دعم مشروع "القرية المنتجة" ليس مجرد رفاهية، بل هو ضرورة استراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الفجوة    الاستيرادية، وصولاً إلى حلم الـ 100 مليار دولار صادرات.

أكد د. أحمد سمير خلاف عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية أن مشروع “القرى المنتجة” أحد أكثر الطروحات واقعية وعمقًا، لتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية، ليس فقط لأنه ينطلق من قلب الريف، بل لأنه يعيد تعريف دور هذا الريف من كونه مجالًا للاستهلاك والدعم إلى كونه محركًا حقيقيًا للإنتاج والنمو فالقرية المصرية، التي طالما شكّلت العمود الفقري للأمن الغذائي، لا تعاني من فقر في الموارد بقدر ما تعاني من سوء استثمارها. مساحات زراعية ممتدة، وأيدٍ عاملة ذات خبرة متوارثة، وحرف تقليدية تمتلك قيمة ثقافية واقتصادية، كلها عناصر تؤهل الريف لأن يكون مركزًا إنتاجيًا متكاملًا. لكن هذه الإمكانات ظلت لعقود حبيسة أنماط إنتاج تقليدية، تُطرح في الأسواق خامًا دون معالجة، وتفتقر إلى التنظيم والتسويق، ما أفقدها جزءًا كبيرًا من قيمتها المضافة ومن هنا تتبدى أهمية التحول من منطق “الإنتاج الأولي” إلى منطق “سلاسل القيمة”، حيث لا يكفي أن تنتج القرى محاصيل زراعية، بل يجب أن تتحول إلى وحدات تصنيع صغيرة قادرة على تعظيم العائد من هذا الإنتاج، سواء عبر التصنيع الغذائي أو التعبئة أو حتى التصدير، هذا التحول لا يمثل مجرد نقلة اقتصادية، بل يعكس تغيرًا في فلسفة التنمية نفسها، من دعم الاستهلاك إلى تمكين الإنتاج.

أضاف إن الطريق إلى تحقيق هذا التحول لا يخلو من التحديات، فضعف التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة، وتعقيد الإجراءات، وغياب التدريب الفني والإداري، كلها عقبات تحول دون انطلاق الطاقات الكامنة في الريف. كما أن الفجوة بين المنتجين والأسواق تظل من أبرز الإشكاليات، حيث يُنتج الكثير دون وجود قنوات تسويق فعالة تضمن الاستمرارية والربحية. ويضاف إلى ذلك بُعد ثقافي لا يقل أهمية، يتمثل في تراجع روح المبادرة وريادة الأعمال لصالح البحث عن الوظيفة المستقرة، وهو ما يتطلب تدخلًا واعيًا لإعادة تشكيل هذه الثقافة مضيفا تأتي التحركات الحكومية الأخيرة لتؤكد أن مشروع "القرى المنتجة" لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل تحول إلى برنامج عمل يجري تنفيذه بالتوازي مع المبادرات القومية الكبرى، وفي مقدمتها "حياة كريمة"، التي أرست بنية تحتية حديثة في الريف المصري. فالتكامل بين البنية التحتية والتنمية الإنتاجية هو الضمان الحقيقي لاستدامة أي إنجاز تنموي، إذ لا يكفي تحسين الطرق والمرافق دون خلق فرص عمل حقيقية تضمن بقاء السكان واستقرارهم.

يرى أن الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة تضيف بُعدًا استراتيجيًا لهذا المشروع، حيث أثبتت نماذج مثل الصين والهند وإيطاليا أن القرى يمكن أن تتحول إلى مراكز إنتاج متخصصة، ترتبط بالأسواق المحلية والعالمية عبر شبكات تسويق حديثة، هذه التجارب تؤكد أن النجاح لا يعتمد على عنصر واحد، بل على منظومة متكاملة تجمع بين التخصص، والتدريب، والتمويل، والتسويق وفي القلب من هذا التحول، تبرز المرأة الريفية باعتبارها قوة إنتاجية هائلة لم تُستثمر بعد بالشكل الكافي، فتمكينها اقتصاديًا، وتوفير أدوات الإنتاج والتسويق لها، يمكن أن يضاعف من العائد الاقتصادي والاجتماعي في آن واحد، ويمنح المشروع بعدًا تنمويًا أكثر شمولًا وعدالة.

إشار إلى أن الرهان الحقيقي في مشروع "القرى المنتجة" لا يكمن فقط في تحسين مستوى المعيشة، بل في بناء اقتصاد محلي قادر على الاستدامة، يقلل من الضغوط على المدن، ويحد من الهجرة الداخلية، ويعزز من قدرة الدولة على تحقيق الأمن الغذائي وفتح آفاق جديدة للتصدير. إنه انتقال من اقتصاد يعتمد على المركزية إلى اقتصاد يقوم على الانتشار والتكامل، حيث تصبح كل قرية وحدة إنتاج تسهم في الناتج القومي وبهذا المعنى، لا يمثل المشروع مجرد إضافة إلى سياسات التنمية، بل اختبارًا لقدرة الدولة على إعادة توظيف مواردها البشرية والطبيعية في إطار أكثر كفاءة وعدالة فإذا نجحت التجربة، فإنها لن تعيد رسم خريطة الاقتصاد الريفي فحسب، بل ستؤسس لنموذج تنموي يمكن أن يمتد أثره إلى مجمل الاقتصاد الوطني، ويمنح مصر فرصة حقيقية للانتقال إلى اقتصاد إنتاجي أكثر صلابة وقدرة على مواجهة الأزمات.

يقول د. وليد جاب الله الخبير الاقتصادى إن القرية المصرية لم تكن يوماً مجرد مكان للسكن، بل هي وحدة إنتاجية متكاملة تاريخياً، وتبرز قوتها في مجالات أساسي منها الإنتاج الزراعي الذي يعد الركيزة الأساسية للنشاط القروي.

وكذلك الثروة الحيوانية عبر تربية وتسمين الماشية، وأيضًا الصناعات الغذائية خاصة المرتبطة بمنتجات الألبان والحرف الصغيرة مثل الأنشطة المتناهية الصغر التي تعتمد على المهارات اليدوية.

أضاف أن جهود الدولة ومبادرة "حياة كريمة" ركزت في السنوات الأخيرة لتحويل القرية إلى مركز إنتاج عصري من خلال: دعم المشروعات الصغيرة: التركيز على توفير التمويل والتدريب اللازم وتمكين المرأة الريفية: تشجيع السيدات على إقامة مشروعات تتناسب مع مهاراتهن وبيئتهن.

أوضح أن للمؤسسات الداعمة دورًا مهمًا مثل "جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة" والجمعيات الأهلية في تقديم الدعم اللوجستي والمادي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية وتعزيز الإنتاج وخلق فرص عمل جديدة للحد من البطالةداخل المجتمعات الريفية.

أما سلاسل الإمداد المحلية فهي تعزز فكرة الإنتاج المحلي وتوفير احتياجات المواطنين من داخل القرية.

وتحسين دخل الأسرة زيادة عبر زيادة الموارد المالية للأسر المصرية في الريف لخلق بيئة اقتصادية مستقرة.

أما د. محمد راشد استاذ الاقتصاد المساعد بكلية السياسة والاقتصاد جامعة بنى سويف فقال إنه في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر، يبرز مشروع "القرى المنتجة" كأحد المسارات الواعدة لإعادة صياغة دور الريف في منظومة التنمية الشاملة بينما ظل الريف لعقود طويلة يُنظر إليه باعتباره مجالًا زراعيًا تقليديًا أو بيئة طاردة للسكان نحو المدن تطرح هذه المبادرة تصورًا مختلفًا يقوم على تحويله إلى وحدة إنتاجية متكاملة قادرة على خلق القيمة وتعظيم العائد الاقتصادي.

أضاف الواقع المصري يكشف أن القرى تمتلك مقومات ضخمة لم تُستغل بعد بالشكل الأمثل حيث تمثل خزانًا بشريًا واسعًا وتسهم بالفعل في تأمين جانب كبير من الغذاء عبر النشاط الزراعي كما تحتضن مهارات متوارثة في الحرف والصناعات الصغيرة لكن هذه الإمكانات تصطدم بجملة من التحديات أبرزها ضعف التصنيع وطرح المنتجات في صورتها الخام واتساع الاقتصاد غير الرسمي ما يؤدي إلى تآكل القيمة المضافة وتراجع العوائد الاقتصادية ومن هنا يصبح جوهر الأزمة ليس نقص الموارد بل ضعف إدارتها، إذ تحتاج القرى إلى إعادة تنظيم اقتصادي يربط الإنتاج بالتصنيع والتسويق ويحول الجهد الفردي إلى منظومة إنتاجية متكاملة ولذلك تتجه الدولة نحو تفعيل مشروع القرى المنتجة ضمن المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" حيث بحث وزراء الصناعة والتنمية المحلية والبيئة والزراعة والتخطيط آليات تنفيذ المشروع تمهيدًا لتطبيقه في عدد من القرى كنموذج أولي قبل تعميمه ويعكس هذا التنسيق الحكومي إدراكًا متزايدًا بأن التنمية الحقيقية لا تكتمل بالبنية التحتية وحدها بل تتطلب خلق فرص عمل مستدامة قائمة على الإنتاج.

أوضح المشروع يستهدف بالأساس رفع مساهمة القرى في الاقتصاد الوطني سواء من خلال زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين جودته أو عبر إدخال أنشطة تصنيع صغيرة ومتوسطة تضيف قيمة للمنتج قبل طرحه في الأسواق كما يولي اهتمامًا خاصًا بتمكين المرأة الريفية التي تمثل عنصرًا إنتاجيًا مهمًا في الحرف والصناعات المنزلية لكنها لا تزال خارج الاقتصاد الرسمي إلى حد كبير غير أن تحويل القرى إلى وحدات إنتاجية يواجه تحديات هيكلية معقدة منها ضعف التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة وغياب التدريب الفني والإداري وتعقيد الإجراءات البيروقراطية وهي كلها عوامل تحد من قدرة الأفراد على الدخول في أنشطة إنتاجية منظمة، كما أن انفصال المنتجين عن الأسواق يضعف من فرص التسويق ويقلل من تنافسية المنتجات الريفية وتكشف التجارب الدولية أن النجاح في هذا المجال ليس مستحيلاً، ففي الصين، تم تطبيق نموذج "تخصص القرى"، حيث تركز كل قرية على نشاط إنتاجي محدد مرتبط بسلاسل التوريد والتصدير، أما في الهند، فقد تم دعم الصناعات المنزلية عبر التمويل الصغير والتسويق الرقمي مما ساهم في دمج ملايين المنتجين في الاقتصاد الرسمي وفي إيطاليا، تحولت القرى الحرفية إلى علامات تجارية عالمية قائمة على الجودة والهوية المحلية فهذه النماذج تؤكد أن النجاح يعتمد على أربعة عناصر رئيسية: التخصص، والتدريب، والتمويل، والتسويق. وهي نفس الركائز التي يسعى مشروع القرى المنتجة في مصر إلى ترسيخها على مستوى التطبيق، تتطلب إعادة بناء القرية المنتجة تحديد الميزة النسبية لكل قرية وفق مواردها الطبيعية والبشرية وإنشاء وحدات تصنيع صغيرة ترفع القيمة المضافة إلى جانب توفير برامج تدريب مستمرة وتبسيط إجراءات التمويل والتراخيص.

أضاف كما يصبح بناء منظومة تسويق حديثة سواء عبر الأسواق التقليدية أو المنصات الرقمية عنصرًا حاسمًا في نجاح التجربة التى تتجاوز الأهداف الاستراتيجية للمشروع البعد الاقتصادي المباشر، إذ تسهم في خلق اقتصاد محلي مستدام وتقليل معدلات الهجرة الداخلية نحو المدن وتعزيز الأمن الغذائي وفتح فرص للتصدير وبذلك يتحول الريف من عبء خدمي إلى ركيزة إنتاجية تدعم الاقتصاد الوطني وبالتالي لا يمثل مشروع القرى المنتجة مجرد مبادرة تنموية عابرة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الانتقال من نموذج تحسين المعيشة إلى نموذج بناء اقتصاد إنتاجي متكامل.

أكد د. رشدي فتحي محمود حسن وكيل كلية التجارة للدراسات العليا والبحوث جامعة دمياط أن "القري المنتجة" في مصر تمثل قاطرة للنمو الاقتصادي، و تهدف إلي تحويل القري من النمط  الاستهلاكي إلي مراكز صناعية وزراعية متكاملة، ويركز المشروع علي توطين الصناعات الصغيرة والغذائية والنسيجية لتعظيم القيمة المضافة وتوفير فرص عمل مستدامة، والمساهمة في تحقيق التمكين الاقتصادي للشباب والمرأة.

أضاف أن من أهم أهداف ومزايا مشروع القري المنتجة تعظيم القيمة المضافة ودعم الصناعات الصغيرة واستغلال البنية التحتية  التي وفرتها مبادرة حياة كريمة لتنمية القري وتحقيق التنمية المستدامة وخلق فرص العمل للقضاء على البطالة و الحد من الهجرة من الريف الي المدن وتجنب الضغط على البنية التحتية في المدن.

ومن اهم العقبات التي تواجه تحويل القري الي مراكز إنتاجية ضعف التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة، وغياب التدريب الفني والإداري، وتعقيد الإجراءات، وانفصال الإنتاج عن الأسواق، إلي جانب تحديات ثقافية تتعلق بضعف ثقافة ريادة الأعمال والاعتماد علي الوظيفة.

أكد ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في هذا الصدد مثل  التجربة الصينية التي اعتمدت على "تخصص القري" وربطها بسلاسل التوريد والتصدير، وتجربة الهند في دعم الصناعات المنزلية وتمكينها عبر التمويل والتسويق الرقمي، وكذلك نموذج إيطاليا الذي حوّل القري الحرفية إلي علامات اقتصادية عالمية.

أوضح خبير الاقتصاد د. رمزي الجرم أنه على خلفية تَبني الحكومة لخطة طموحة لتوطين الصناعات الإستراتيجية والحيوية في الاقتصاد، ومن أهمها صناعة الحديد والصلب، تسعي وزارة الصناعة أيضًا بالمشاركة مع عدد من الوزارات ذات الشأن، تَبني خطة متكاملة لريادة الأعمال والإنتاج الزراعي والتصنيع الزراعي في القري الريفية، تحت مسمي "القري المُنتجة" ضمن مبادرة حياة كريمة، لإستغلال الطاقات الإنتاجية في القري، من اجل مساهمتها في أرقام الناتج المحلي الإجمالي بشكل ملحوظ.

أوضح ان الخطة الجديدة لإنشاء القري المنتجة، يتعدي حدود سلع بعينها، ليشمل على مجموعة من السلع الزراعية ومنتجات الثروة الداجنة والحيوانية والتصنيع الزراعي، فضلا بالأساس على المنتجات الزراعية.

وتهدف هذه الخطة إلي زيادة إنتاجية الفرد مساهمته في العملية الإنتاجية، وبما يَحد من الهجرة الداخلية نخو المدن، وبما يضغط علي الخدمات المقدمة، وفي الوقت ذاته يؤدي الي انهيار المنظومة الإنتاجية في الريف المصري، بالاضافة الي أن هذا الإتجاه، يواجه اي شكل من إشكال الهجرة غير الشرعية خارج البلاد التداعيات السلبية الناتجة عن ذلك، كما أن توطين المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر في القرية المصرية، سيكون له انعكاسات إيجابية على تحسين المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري بشكل ملحوظ.

أوضح أن هناك تحديات أهمها توفير التمويل اللازم لدعم المشروعات الزراعية ومشروعات التصنيع الزراعي بشكل اساسي، من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي، مع ضرورة توفير جهات متخصصة في إعداد دراسات الجدوي الاقتصادية البيئية في نفس الوقت.

كما تبرز مشكلة تسويق المنتجات، وبما يتعين علي الوزارات المعنية مساعدة المنتجين في القري في تسهيل نفاذ تلك المنتجات في نقاط البيع المختلفة، بإطلاق مبادرات تمويلية بفائدة بسيطة والاعفاء من سداد الأقساط في مراحل القرض الاولي، حتي يستطيع المشروع تغطية جزء من النفقات الثابتة التي تكون ضخمة في المرحلة الاولي من حياة المشروع.

أوضح خبير الاقتصاد د. حسين عبدالباقي ان مشروع القري المنتجة يستهدف تعظيم العائد الاقتصادي لمشروع حياة كريمة.

وتساعد المشروعات الصغيرة في القري المصرية في تلبية احتياجات السوق المحلي، وتساهم في تحسين الإنتاجية وزيادة المعروض من بعض المنتجات في السوق المصرية، وتقدم المزيد من فرص العمل وتساهم في تشغيل الشباب، مما يقلل نسبة البطالة في مصر، كما يمكن للمشروعات الصغيرة في القري المصرية المساهمة في زيادة الاحتياطي النقدي من خلال تصدير بعض السلع التي تلب احتياجات الأسواق الدولية.

أكد ضرورة استغلال المزايا التنافسية في كل قرية مصرية من حيث موقعها والعمالة المدربة والسوق وتوافر المواد الخام، كما يجب على الدولة توفير تمويل ميسر للمشروعات الصغيرة في القري المصرية بدون فائدة أو بفائدة محدودة مع إعفاء هذه المشروعات من الضرائب بكافة أنواعها، وتوفير الدعم المرتبط بدراسات الجدوي والتدريب المجاني على الصناعات الغذائية وصناعات النسيج وغيرها من الصناعات لأهالي القري المصرية من جانب الدولة. وتجهيز المناطق الصناعية بالقري اللازمة لإقامة هذه المشروعات، ومساعدة هذه المشروعات على تسويق منتجاتها، كما أعتقد أن قيام الدولة بتنفيذ مشروع القرية المنتجة في قريتين كمرحلة أولي للمشروع سوف يساعد في تقييم الجدوي الاقتصادية للمشروع قبل تعميمه علي مستوي باقي القري المصرية.

وأوضح أن مشروع القري المنتجة يساهم في تطوير الريف المصري، وسد الفجوة في المنتجات التي تحتاجها الدولة، ويخفض الاستيراد ويساعد على تحقيق الاكتفاء الذاتي، ويحقق الأمن الغذائي، ويمكن مع تطوير المشروعات في الريف المصري أن تساهم في دعم الصادرات المصرية من الصناعات الغذائية وصناعات النسيج، والمنتجات الزراعية وغيرها.

صرّح د. أيمن غنيم. أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادي والقانوني، أن مشروع "القري المنتجة" يمثل تحولًا نوعيًا في فلسفة التنمية الاقتصادية في مصر، من نموذج قائم على الاستهلاك والدعم، إلي نموذج إنتاجي قائم علي تعظيم القيمة المضافة للموارد المحلية.

وأضاف غنيم أن الريف المصري لا يمثل فقط كتلة سكانية، بل يعد خزانًا إنتاجيًا ضخمًا، حيث يعيش نحو 75% من سكان مصر في المناطق الريفية، وهو ما يجعله أحد أهم محركات الاقتصاد غير المستغلة بالشكل الكافي.

وأوضح أن القطاع الزراعي الذي يتمركز في القري يساهم بنحو 12% إلي 13% من الناتج المحلي الإجمالي، ويستوعب ما يقرب من 20% إلي 25% من قوة العمل، وهو ما يعكس أهمية الريف في هيكل الاقتصاد المصري.

وتابع غنيم أن المشكلة لا تكمن في ضعف الإنتاج، بل في انخفاض القيمة المضافة، حيث يتم طرح نسبة كبيرة من الإنتاج الزراعي في صورته الخام، دون المرور بمراحل التصنيع أو التعبئة أو التسويق.

وأشار إلي أن الفجوة التصنيعية تمثل أحد أكبر التحديات، حيث لا تتجاوز نسبة التصنيع الزراعي في مصر 10% إلي 51% من إجمالي الإنتاج. مقارنة بنسب تتجاوز 50% في بعض الدول المتقدمة.

وأضاف غنيم أن هذا الوضع يؤدي إلي فقدان جزء كبير من العائد الاقتصادي. ويحد من قدرة القري علي التحول إلي وحدات إنتاج متكاملة.

وأشار إلي أن التجارب الدولية تقدم نماذج ناجحة يمكن الاستفادة منها، حيث اعتمدت الصين علي نموذج "تخصص القري"، ما ساهم في إخراج أكثر من 800 مليون شخص من الفقر خلال عقود.

وأشار إلي أن مشروع "القري المنتجة" في مصر يأتي في توقيت مناسب، خاصة في ظل الجهود الحكومية ضمن مبادرة "حياة كريمة"، التي استثمرت مئات المليارات في تطوير البنية التحتية للريف.

وأضاف غنيم أن هذه المبادرة وفرت الأساس اللازم للتحول الإنتاجي، من خلال تحسين الطرق، والخدمات، وشبكات الكهرباء والمياه، وهو ما يهيئ البيئة المناسبة للاستثمار.

وأوضح أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من "تطوير البنية" إلي "تشغيل الاقتصاد"، وهو ما يمثله مشروع القري المنتجة.

وتابع غنيم أن نجاح المشروع يتطلب تحديد الميزة النسبية لكل قرية، سواء في الزراعة أو الحرف أو الصناعات الغذائية، بما يضمن التخصص وعدم التكرار.

وأشار إلي أن إنشاء وحدات تصنيع صغيرة داخل القري يمكن أن يرفع القيمة المضافة بشكل كبير، ويحول الإنتاج من خام إلي منتج نهائي قابل للتسويق.

وأضاف غنيم أن التمويل يمثل عنصرًا حاسمًا، حيث يجب تبسيط إجراءات القروض للمشروعات الصغيرة، وتوفير أدوات تمويل ميسرة تتناسب مع طبيعة النشاط الريفي.

وأوضح أن التدريب الفني والإداري لا يقل أهمية، حيث يحتاج العاملون في القري إلي تطوير مهاراتهم في الإنتاج والتسويق والإدارة.

وتابع غنيم أن التسويق يمثل الحلقة الأضعف حاليًا. وهو ما يتطلب بناء منصات رقمية تربط المنتج الريفي مباشرة بالأسواق المحلية والدولية.

وأشار إلي أن دمج القري في سلاسل الإمداد يمثل شرطًا أساسيًا للاستدامة. بحيث لا يكون الإنتاج معزولًا عن الطلب.
واختتم د. أيمن غنيم تصريحه بالتأكيد على أن نجاح مشروع القرى المنتجة يتطلب تكامل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يحول الريف من عبء خدمى إلى ركيزة إنتاجية، قادرة على دفع النمو الاقتصادى وخلق فرص عمل مستدامة، وتحقيق تنمية حقيقية على المدى الطويل.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق