مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

عصمت: تطوير مناهج كليات الصيدلة ليس مطلبًا فئويًا بل قضية أمن صحي
صيادلة مصر: تطوير مناهج كليات الصيدلة في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي دعوة تصحيح مسار قبل فوات الأوان

قال الدكتور محمد عصمت، رئيس نادي صيادلة مصر، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الصيادلة العرب، إن العالم يشهد ثورة غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي، وتعيد فيه الدول الأوروبية صياغة مناهج التعليم الصيدلي بما يتوافق مع متطلبات العصر الرقمي، لا يزال التعليم الصيدلي في كثير من كليات الصيدلة بمصر حبيس مناهج تقليدية، تُخرّج أعدادًا كبيرة من الصيادلة دون تسليحهم بالمهارات الحقيقية التي يطلبها سوق العمل الحديث.


أضاف الدكتور محمد عصمت أن الصيدلة في أوروبا، انتقلت من كونها علمًا قائمًا على الحفظ والتلقين، إلى مهنة تعتمد على تحليل البيانات الصحية، اتخاذ القرار الإكلينيكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إدارة نظم الدواء، والتيقظ الدوائي الرقمي، وأصبحت كليات الصيدلة هناك جزءًا لا يتجزأ من منظومة الابتكار الصحي، وليس مجرد مصنع شهادات.

أوضح الدكتور محمد عصمت، أن هناك فجوة بين ما يدرّسه طلاب كليات الصيدلة،وما يحتاجه السوق، فالمشكلة لم تعد في نقص عدد الخريجين، بل في غياب المهارات، مشيرًا إلى أن سوق العمل المحلي والدولي يحتاج إلى صيدلي قادر على التعامل مع نظم دعم القرار العلاجي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وقراءة وتحليل البيانات الدوائية والإكلينيكية، وفهم التشريعات الدوائية الأوروبية والدولية، والعمل داخل فرق صحية متعددة التخصصات، واستخدام التكنولوجيا في متابعة مأمونية الدواء وترشيد الإنفاق الصحي، بينما لا تزال المناهج تركز على كمّ نظري ضخم، منفصل عن الواقع، وغير مرتبط بتطورات الصناعة أو التحول الرقمي العالمي.

أكد الدكتور محمد عصمت، على أنه في الدول الأوروبية، لم تعد الجامعات تعمل بمعزل عن النقابات المهنية، والهيئات التنظيمية، وشركات الدواء والتكنولوجيا الصحية، بل أصبح تحديث المناهج نتيجة حوار مؤسسي دائم يحدد بدقة ما هي المهارات المطلوبة؟ ومن هو الصيدلي الذي نحتاجه بعد خمس وعشر سنوات؟، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: نحن نناقش تطوير التعليم دون أن نسأل السوق.

أضاف أنه لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في التعليم الصيدلي في أوروبا ترفًا أكاديميًا، بل أصبح جزءًا أصيلًا من المناهج والتدريب المهني، وتتبناه الدول كسياسة عامة للصحة والدواء، ففي ألمانيا، تم دمج أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في برامج الصيدلة الإكلينيكية، حيث يُدرَّب الطالب على استخدام نظم دعم القرار العلاجي، وتحليل التداخلات الدوائية، وربط البيانات الدوائية بالملفات الصحية الإلكترونية، في تعاون مباشر بين الجامعات والمستشفيات وشركات التكنولوجيا الطبية.. أما فرنسا، أعادت كليات الصيدلة هيكلة مناهجها لتشمل الصحة الرقمية (Digital Health) والتيقظ الدوائي الذكي، مع تدريب الصيادلة على تتبع الأعراض الجانبية باستخدام قواعد بيانات وطنية مدعومة بالخوارزميات، وهو ما انعكس مباشرة على تحسين مأمونية الدواء وترشيد الإنفاق الصحي.

وفي هولندا، يُعد الصيدلي جزءًا من منظومة التحليل الصحي المتقدم، حيث تُدرَّس مقررات في الذكاء الاصطناعي التطبيقي، وتحليل أنماط وصف الدواء، والمشاركة في القرارات العلاجية داخل فرق الرعاية الصحية، وهو ما جعل الصيدلي عنصرًا فاعلًا لا منفذًا فقط.. أما المملكة المتحدة، يتم إعداد الصيدلي منذ سنواته الدراسية الأولى للتعامل مع النظم الرقمية للدواء، والسجلات الصحية الإلكترونية، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تحسين الالتزام الدوائي وتقليل الأخطاء الطبية، ضمن شراكات واضحة بين الجامعات وهيئات الصحة الوطنية.

شدد الدكتور محمد عصمت على أن هذه التجارب لم تأتِ بمحض الصدفة، بل نتيجة قناعة راسخة بأن سوق العمل هو من يقود التعليم، وليس العكس، وأن تجاهل التطور التكنولوجي في إعداد الصيدلي يعني إخراجه من معادلة التأثير الصحي والاقتصادي، حين نُقارن هذا التقدم بما يُدرَّس حاليًا في كثير من كليات الصيدلة لدينا، ندرك أن الفجوة ليست في الإمكانيات، بل في منهج التفكير وصناعة القرار، وأن استمرار تجاهل هذه النماذج الأوروبية المتقدمة هو إصرار غير مبرر على تخريج صيدلي غير مؤهل لعصر الذكاء الاصطناعي.

من هذا المنطلق، فإننا نوجّه دعوة واضحة وصريحة إلى وزارة التعليم العالي بضرورة فتح حوار وطني عاجل حول مناهج كليات الصيدلة، ودعوة نقابة الصيادلة كشريك أصيل لا كضيف شرف، وإشراك الصناعة الدوائية وهيئة الدواء وخبراء التكنولوجيا الصحية، وإجراء مراجعة شاملة للمقررات في ضوء الذكاء الاصطناعي، والصحة الرقمية، والاقتصاد الدوائي، وسلاسل الإمداد الذكية.

أكد أن نقابة الصيادلة شريك لا يمكن تجاوزه، فهى ليس كيانًا نقابيًا فقط، بل هي مرآة سوق العمل الحقيقي وهي الجهة الأقدر على نقل معاناة الخريجين، ومتطلبات أصحاب العمل، والتغيرات المهنية المتسارعة، وتجاوز النقابة في رسم مستقبل التعليم الصيدلي هو خطأ استراتيجي يدفع ثمنه الصيدلي والدولة معًا.

أضاف نحن لا نطالب بتجميل المناهج، بل بإعادة بنائها من الأساس، لصناعة صيدلي مفكّر لا حافظ، محلّل لا ناقل، مشارك في القرار الصحي لا هامشي، قادر على المنافسة الأوروبية لا منغلق محليًا، فإما أن نتحرك الآن، أو نستمر في تخريج أجيال تصطدم بالواقع منذ اليوم الأول للتكليف.

قال إن تطوير مناهج كليات الصيدلة ليس مطلبًا فئويًا، بل قضية أمن صحي واقتصادي، والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم داخل مكاتب القرار هو.. هل نُعدّ صيدلي الأمس… أم صيدلي المستقبل؟





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق