مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

هل يجوز الاستغناء عن الطبيب بالذكاء الاصطناعي؟ دار الإفتاء تجيب

يشهد العالم طفرة في الذكاء الاصطناعي (AI) يغزو كل مناحي الحياة، من التعليم إلى الاقتصاد، لكن تدخله في الطب يثير تساؤلات أخلاقية وشرعية. خاصة عندما يعتمد المريض عليه لتشخيص الأمراض وتحديد الادوية دون فحص طبي حقيقي أو إشراف طبيب متخصص، مما قد يهدد الحياة. فهل يخالف ذلك الشريعة الإسلامية بتعريض النفس للضرر؟


أوضحت دار الإفتاء أنه من المقرر في الشرع الشريف وجوبُ التزام الدقة والاختصاص في أداء الأعمال والممارسات التي تتعلق بمصالح الناس وأبدانهم، ولا سيما في المجالات الطبية، لما في ذلك من حفظٍ للنفوس وصيانةٍ لها من الضرر والهلاك، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

وأكدت أن المراد بأهل الذكر: أهلُ التخصص والعلم والخبرة في كل فنٍّ وعلمٍ، و"تعيينهم في الآية بالنصِّ يقتضي بالمفهوم تحريم سؤال غيرهم"، كما أفاده الإمام القرافي في "شرح تنقيح الفصول" (ص: 443، ط. شركة الطباعة الفنية).

قد حذَّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التطبب بغير علمٍ أو اختصاص، وأخبر أن فاعل ذلك متحمِّلٌ لتبعات فعله وآثار تصرفه، ولا يشفع له حُسنُ القصد، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهُوَ ضَامِنٌ» أخرجه الأئمة: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، وصححه. ومعنى التَّطبُّب: الإقدام على ممارسة الطب مع الجهل بهذه الممارسة،

وانطلاقًا من هذا التوجيه الشرعي، وما تضمَّنه من وجوب التزام الاختصاص، وتحذيرٍ من الإقدام على ما يجاوز حدود العلم والخبرة، فإنَّ الأصل في استعمال التقنيات الحديثة ومنها تطبيقات الذكاء الاصطناعي أنها جائزةٌ ما لم يترتب عليها ضررٌ محققٌ أو مخالفةٌ شرعية، وذلك عملًا بالقاعدة الفقهية المقررة أن "الأصل في الأشياء الإباحة".

وقد حَرَّمت الشريعةُ الإسلامية إتلافَ البدن أو ما يؤدي إلى إتلافه، وأمرت بالمحافظة على النفس والجسد من كل ما يُهلِكه أو يَسوؤه، وبيَّنت أنَّ كلَّ إنسانٍ وإن كان صاحب إرادةٍ حُرة -فيما يَتعلق بشخصه-، إلا أن هذه الإرادة مُقَيَّدةٌ بالحدود التي شرعها الله تبارك وتعالى.

فقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].  وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]. والنهي في الآية عامٌّ يشمل كلَّ ما يؤدِّي إلى إهلاك النفس أو الإضرار بها، سواء أكان القتلُ مباشرًا أم كان بسبب تعرُّض الإنسان لما يُفضي إلى تلفه، كما أفاده الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (5/ 156-157، ط. دار الكتب المصرية).

وهذا يشمل في عصرنا الحاضر الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض أو وصف العلاج بشكل كلي دون إشرافٍ طبي مختص، لما في ذلك من تعريضٍ للنفس للغرر والضرر، واحتمال الخطأ في التشخيص أو تناول دواءٍ غير مناسبٍ قد يُفضي إلى الهلاك أو الأذى، فيندرج تحت النهي الإلهي عن إلقاء النفس إلى التهلكة وإهلاكها بغير حق.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه الأئمة: أحمد، وابن ماجه، والطبراني في معجميه "الكبير" و"الأوسط"، وهو أصلٌ جامعٌ في منع كل صور الإضرار بالنفس أو الغير.

ولهذا الأصل المقرر كان من الضروريات التي أمر الشرع الشريف بالمحافظة عليها والعناية بها: حفظُ النفس الإنسانية بما يشمل حفظ الجسد علاجًا ووقايةً وترقيةً.

ولم تكتف الشريعة الغراء بتقرير حق الإنسان في الحياة وسلامة نفسه، بل أوجبت عليه أيضًا اتخاذ الوسائل التي تحافظ على حياته وصحة بدنه وتمنع عنه الأذى والضرر.

كما قرر الشرع الحنيف وجوبَ درء المفاسد قبل السعي وراء جلب المصالح وتحصيلها، لما في ذلك من حمايةٍ للأنفس وصيانةٍ لها من الضرر، فمن القواعد المقررة في الشريعة أن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 87).

ولا يخفى أنَّ المفاسدَ المحتملةَ من اعتماد المريض، ولا سيما العامي، على تلك التطبيقات في الكشف الطبي أو وصف العلاج، كبيرةٌ وملموسة، إذ قد تؤدي إلى خطأٍ في التشخيص أو إلى تناول دواءٍ غير مناسب، مما يهدد سلامة النفس ويعرض صحة البدن للخطر.

ومن ثَمَّ فإن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي وإن كان يُسهم في جمع المعلومات الطبية وتحليل الأعراض مبدئيًّا، إلا أنه لا يقوم مقام الطبيب البشري المؤهل؛ لأن قدرته تعتمد على البيانات المُدخلة إليه، وقد يخطئ في تفسير الأعراض أو اقتراح العلاج المناسب للحالة الخاصة بالمريض، مما قد يؤدي إلى ضررٍ بدنيٍّ أو نفسيٍّ جسيم، ويكون المريض بهذا الفعل متسببًا في الضرر لنفسه عمدًا أو تفريطًا.

وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطع بتشخيص الأمراض دون كشف حقيقي وتحديد الأدوية دون تدخُّل أو إشرافٍ من طبيبٍ مختصٍّ -مُحرَّم شرعًا؛ لما في ذلك من تعريض النفس للضرر والهلاك، ومخالفةٍ لمبدأ الاختصاص الذي جاءت الشريعة بحفظه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

 

 





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق