لم يعد جذب الاستثمار مسألة حوافز مالية أو إعفاءات ضريبية فقط، بل بات اختبارًا لقدرة الدولة على تقديم تجربة استثمارية قائمة على السرعة ووضوح القواعد واستقرار السياسات، وفي هذا السياق، تمضي مصر في تنفيذ حزمة من الإصلاحات تستهدف تقليص البيروقراطية، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز التنسيق المؤسسي، في محاولة لإعادة صياغة تجربة المستثمر ورفع تنافسية بيئة الأعمال وفق معايير الأسواق الناشئة الأكثر جذبًا لرؤوس الأموال.
أكد السفير جمال بيومى مساعد وزير الخارجية الاسبق أن الانفتاح على الأسواق الإقليمية والدولية يمثل أحد أهم عناصر الجذب للاستثمار، مشيرا إلى أن صورة الدولة لدى المستثمر لا تتشكل فقط عبر السياسات الحكومية، بل تمتد إلى السلوك اليومي للمواطنين، باعتبارهم واجهة مباشرة تعكس سمعة بيئة الأعمال، من التعاملات البسيطة وصولًا إلى الخدمات الكبرى.
وأوضح أن بناء قدرات الأجهزة الحكومية يظل عنصرًا حاسمًا في تحسين مناخ الاستثمار، محذرا من أن البيروقراطية تمثل خطرًا أكبر من الفساد ذاته، لما له من تأثير مباشر في تعطيل الأعمال وإبعاد المستثمرين، خاصة في ظل عالم يقيس تنافسيته بعامل الوقت وسرعة إنجاز الخدمات.
وأشار إلى أن الوقت بات عملة الاستثمار الحقيقية، وأن القضاء على التعقيد الإداري لا يقتصر على الإجراءات الحكومية، بل هو منظومة متكاملة يشارك فيها المواطن، وسلوك العاملين في الخدمات، وطريقة التعامل مع المستثمرين.
أكد أن بعض الممارسات الفردية الخاطئة تعد من أبرز العناصر المعوقة لجذب الاستثمارات، رغم امتلاك مصر واحدًا من أفضل عناصر العمالة من حيث الكفاءة والقدرة على التعلم
وشدد على أهمية رفع الوعي الاقتصادي للمواطن، لافتا إلى أن بعض الاعتراضات المجتمعية على مشروعات البنية التحتية أو الاستثمارية تعكس فجوة في الفهم الاقتصادي، تستدعي معالجة إعلامية وثقافية، إلى جانب تحسين الصورة الذهنية لرجال الأعمال، التي غالبًا ما تُقدَّم بشكل سلبي في الأعمال الدرامية، بما لا يعكس دورهم الحقيقي في التنمية.
وأكد أن مصر تمتلك مقومات تنافسية قوية، إذ تُعد من الدول الجاذبة للاستثمار في المنطقة، وتستفيد من عناصر مشتركة مثل الموقع الجغرافي، واللغة، والروابط الثقافية، فضلًا عن شبكة اتفاقيات تجارية تتيح النفاذ إلى سوق يتجاوز ملياري مستهلك، تشمل السوق الأفريقية بنحو 1.2 مليار نسمة، والدول العربية بنحو 450 مليون نسمة، إلى جانب السوق الأوروبية بنحو 500 مليون مستهلك، ما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للتصنيع والتصدير.
المرحلة المقبلة
أكدت د. رحاب الرحماوى استاذ الذكاء الاصطناعى أن الدولة قطعت شوطًا مهمًا في رقمنة الخدمات الاستثمارية، حيث تم رقمنة خدمات تأسيس الشركات، وإجراء التعديلات الأساسية، وسداد الرسوم إلكترونيًا بشكل فعّال. وأوضحت أن المرحلة المقبلة تستهدف استكمال رقمنة دورة حياة المشروع بالكامل، لتشمل خدمات التشغيل والتراخيص القطاعية، بما يضمن تجربة استثمارية رقمية متكاملة وليست مجتزأة.
وأشارت إلى أن التحول الرقمي انعكس بشكل مباشر على زمن تأسيس الشركات، إذ تم تقليصه من أسابيع إلى أيام، مع إنهاء حالة عدم اليقين التي كانت تواجه المستثمرين نتيجة تعدد الجهات وغياب الشفافية.
ولفتت إلى أن نجاح الرقمنة لا يُقاس بالخطاب الرسمي، بل بمؤشرات أداء واضحة، من بينها متوسط زمن الخدمة، ونسبة إنجاز المعاملات إلكترونيًا دون تدخل بشري، ومعدلات الأخطاء والشكاوى
وفيما يتعلق بالتكلفة، أوضحت أن الرقمنة لم تُخفض بالضرورة الرسوم الرسمية، لكنها خفّضت التكلفة الاقتصادية الحقيقية للاستثمار، والمتمثلة في الوقت والجهد والتعقيد الإداري، وهو ما يمثل عاملًا حاسمًا في قرارات المستثمرين.
وأكدت أن المنظومة الرقمية الجديدة أنهت عمليًا دور المستثمر كحلقة وصل بين الجهات الحكومية، حيث يتم تبادل البيانات آليًا عبر قواعد بيانات موحدة، مدعومة بآليات تحقق ونظم إنذار مبكر لرصد أي تضارب في البيانات، إلى جانب تطبيق أعلى معايير أمن المعلومات من تشفير وتحديد صلاحيات ومراجعة سيبرانية مستمرة.
وشددت على أن التحول الرقمي لا يعني إقصاء المستثمرين غير القادرين على التعامل مع المنصات الإلكترونية، حيث يتم تطبيق منهج تدريجي مدعوم بمراكز خدمات المستثمرين، إلى جانب توفير أدلة استخدام وبرامج دعم فني وتوعية رقمية.
وأوضحت أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعًا في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الطلبات، والتنبؤ بزمن الخدمة، ورصد الاختناقات، بما يعزز الإدارة الاستباقية للمنظومة الاستثمارية.
وأكدت أن الرقمنة تمثل أداة أساسية في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، والحد من الفساد الإداري، وتوسيع فرص المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يعزز ثقة المستثمرين ويؤسس لعلاقة أكثر استدامة بين الدولة وقطاع الأعمال.
التجارب الدولية الناجحة
أكدت الدكتورة مروة الشافعي، أستاذ التمويل بالأكاديمية العربية للعلوم المصرفية، أن تحسين مناخ الاستثمار يرتبط بشكل مباشر بتوفير بيئة أعمال مستقرة وواضحة للمستثمرين، تقوم على تبسيط الإجراءات، ووضوح القواعد المنظمة للاستثمار، وعدم تغير القرارات بصورة مفاجئة، لما لذلك من دور أساسي في تعزيز الثقة وجذب رؤوس الأموال.
وأوضحت الشافعي أن نجاح أي دولة في تيسير الاستثمار يتطلب الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، بما ينعكس إيجابًا على زيادة الاستثمارات، وتوسيع قاعدة العمالة، وارتفاع مستويات الدخل والأجور، وهو ما يسهم بدوره في تحسين معدلات الإنتاج وزيادة الناتج المحلي الإجمالي ودعم العملة الوطنية.
وأشارت إلى أن ميكنة الخدمات الحكومية تمثل أداة محورية في تقليص البيروقراطية والحد من فرص الفساد، خاصة عبر المنصات الرقمية الموحدة مثل منظومة مصر الرقمية، مؤكدة أن التحول الرقمي لا يسرع فقط من وتيرة إنجاز المعاملات، بل يسهم كذلك في رفع الإنتاجية وتعظيم القيمة المضافة للاقتصاد.
وشددت الشافعي على أهمية وجود آلية واضحة للرقابة والمتابعة، مدعومة بمؤشرات أداء قابلة للقياس، تتيح تقييم نصيب الناتج المحلي الإجمالي من الاستثمارات في كل قطاع على حدة، باعتبار ذلك أحد المؤشرات الرئيسية لنجاح سياسات جذب الاستثمار.
وأضافت أن دعم مناخ الاستثمار لا يكتمل دون إجراء تقييمات مقارنة مع أفضل الممارسات الدولية والإقليمية، ووضع مؤشرات أداء واضحة يتم على أساسها المحاسبة والمساءلة في إطار من الشفافية والإفصاح، محذرة من أن غياب هذه الآليات يحول الإصلاحات إلى مجرد تصريحات غير موثقة بنتائج فعلية.
وفي هذا السياق، أكدت الشافعي أهمية استهداف جذب استثمارات نوعية في صناعات بعينها بغرض التوطين، بما يسهم في توفير مصادر مستدامة للعملة الأجنبية، وتقليص فاتورة الواردات، خاصة في القطاعات ذات الأثر الكبير مثل الطاقة الخضراء والسيارات الكهربائية.
كما أشارت إلى أن مشروعات الطاقة المتجددة تحظى بأهمية خاصة في ضوء التوجه العالمي نحو الاستدامة ومواجهة التغيرات المناخية، لافتة إلى أن تقديم حوافز وإعفاءات مدروسة لتلك المشروعات يمكن أن يعزز تنافسية الاقتصاد المصري، وينعكس إيجابًا على القوائم المالية للبنوك والقطاع المالي ككل.
واختتمت الشافعي بالتأكيد على أن استقرار السياسات الاقتصادية وتسهيل إجراءات تخصيص الأراضي واستخراج التراخيص، إلى جانب وضوح الأطر التنظيمية وعدم تغيرها بتغير القيادات التنفيذية، يمثل عاملًا حاسمًا في بناء ثقة المستثمرين، مشددة على أن نجاح منظومة الاستثمار يجب أن يُقاس بمؤشرات واضحة، من بينها عدد الشركات الجديدة، والعلامات التجارية التي تم جذبها، وحجم الاستثمارات الفعلية المنفذة على أرض الواقع.
اترك تعليق