في واقعةٍ لا يستوعبها عقل، جاءت جريمة طفل الإسماعيلية بشعةً وغير مسبوقة، كصفعةٍ قوية على وجه المجتمع، تُحمِّل جميع أطرافه المسؤولية.
المدبِّر والمنفذ ليس مجرمًا محترفًا ولا خارجًا عن القانون؛ بل طفل يبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا فقط، استدرج زميله — في السن نفسها — إلى منزله، وقام بقتله وتقطيع جثته بمنشارٍ كهربائي، ثم وضع الأجزاء في أكياسٍ بلاستيكية سوداء ألقاها في مناطق متفرقة قريبة من محل سكنه، بينما احتفظ بجزءٍ منها داخل البيت، وقام بطهيه وتناوله في مشهدٍ لا يصدقه عقلٌ ولا منطق، ولا يفعله إلا من فقد إنسانيته تمامًا.
لقد أظهرت التحريات الأولية واعترافات المتهم أن الجريمة لم تكن نتيجة غضبٍ لحظي أو شجارٍ طفولي، بل كانت عملًا متعمدًا ومخططًا قام به الصغير بدمٍ بارد، متأثرًا بما يشاهده من أفلام العنف والألعاب الإلكترونية الدموية التي حوّلت عقله إلى ساحة تجارب للسلوك الإجرامي.
وتجمع صلة وثيقة بين الجريمة وعالم "الدارك ويب " والمسلسلات الأجنبية القائمة على مشاهد العنف والدم مثل مسلسل "دكستر " Dexter New Blood، الذي اشار اليه المتهم في التحقيقات.. مؤكدا انه نفذ جريمته بنفس أسلوب البطل في المسلسل الذي قام بقتل أحد الأشخاص ثم قطعه إرباً والقي الاشلاء بعيداً.
ورغم ما أثير عن احتمال وجود أطرافٍ مساعدة أو تحريضٍ من الأب (الذي تحفظت عليه النيابة العامة)، فإن الأدلة المادية كانت قاطعة: فقد رصدت كاميرات المراقبة المتهم أثناء استدراجه للضحية، ثم خروجه بعدة أكياسٍ سوداء في أوقاتٍ متفرقة، إلى الأماكن نفسها التي تم العثور فيها على أجزاء الجثة الست، وهو ما أكد تورطه الكامل في الجريمة.
هنا يطرح الواقع سؤالًا مريرًا: إلى أي منعطفٍ أخلاقيٍّ انحدرنا؟
كيف يمكن أن يتحول طفلٌ صغير إلى قاتلٍ متلذذٍ بجريمته؟
وأي تكنولوجيا ومواقع ومحتوى نشاهده يوميًا يسهم في إعادة تشكيل وعي أبنائنا بهذا الشكل المروّع؟
إن ما جرى لم يكن مجرد حادثٍ فردي، بل نتيجة مباشرة لتفككٍ تربويٍّ وغيابٍ للرقابة على ما يتعرض له الأطفال من محتوى رقميٍّ هابطٍ وعنيف.
ففي الوقت الذي ترك فيه المجتمع أطفاله أمام الشاشات دون توجيه أو رقابة، تسللت إليهم ألعاب الموت والعنف التي تغرس العدوان في اللاوعي، وتكافئ القتل بالنقاط والجوائز، حتى أصبحت الجريمة لعبة، والدماء مشهدًا عاديًا يتكرر على الشاشات.
لقد صار الجيل الرقمي يعيش ازدواجًا قاسيًا:
يرى العالم من وراء الشاشة، يضحك ويتفاعل مع الجريمة كأنها مشهد تمثيلي، دون إدراكٍ أن الواقع لا يُعاد تصويره… وأن الدماء لا تُمحى بزر “إعادة التشغيل”.
أمام هذه الفاجعة، تحركت أصوات الخبراء في الأمن العام، والأمن السيبراني، وعلم النفس، والقانون الدولي، لتشريح الظاهرة وكشف جذورها.
وقد أجمعوا على أن ما نراه اليوم هو نتاج مباشر لفوضى رقمية لم يحسن أحد التعامل معها.
ــ مساعد وزير الداخلية الأسبق: الطفل الجاني اعتاد مشاهدة أفلام وألعاب العنف.. دون أن يجد من يوجهه
في البداية قال اللواء محمود الرشيدي مساعد وزير الداخلية الأسبق والخبير الأمني : ثلاثة محاور يمكن من خلالها تفنيد الجريمة حتى يمكن رصد أسباب و مبررات الحادث لتجنب تكرارها ، أولا المحور التكنولوجي ، فيجب ألا ننكر أننا الآن نعيش في عالم رقمي يعتمد اعتماد شبه مطلق علي الاستخدامات التكنولوجية الحديثة خاصة شبكة الإنترنت و مواقع التواصل وشبكات المعلومات و الاتصالات بأنواعها المختلفة ، وأصبحت تلك الاستخدامات التكنولوجية ضرورية للكافة وخاصة في المؤسسات التعليمية بمختلف مراحلها ، وهو ما يجعل استخدام الجاني لمواقع التواصل و الألعاب الإلكترونية أمر عادي جدا بل على. العكس تماما فهو مطالب بهذا الاستخدام في مدرسته و في حياته الخاصة و الأسربة ، لكن الطفل الجاني كان يستخدمها استخداما غير أمن وغير مشروع ، فهو دائم المتابعة لأفلام الكرتون والألعاب التي تحث علي العنف بأنواعه المختلفة و تمجد المنتصر وفي بعض الأحيان يحصل علي مكافئات مادية أو معنوية وفقا لما تمارسه تلك الألعاب من وسائل جذب للأطفال ، وتكرار ذلك جعل من أعمال العنف و القتل والضرب أمرا عاديا له ، وخاصه أن من عادة الأطفال حب المحاكاة و التقليد الأعمى دون أي اعتبارات أخرى .
و أضاف : ولأن القاتل افتقد للتوعية الضرورية بالاستخدام الأمن والمشروع و تجنب كافة المخاطر النفسية والصحية الناجمة عن إدمان أو كثرة الاستخدامات المضرة و المجرمة قانونا فإنه لم يجد أي صعوبة في محاكاة و تقليد ما يراه من أعمال عنف فقد اعتاد مشاهدتها ورغب في تكرارها ، تبقي الخلاصة أن القاتل اعتاد على مشاهدة أفلام و ألعاب العنف واستوعب كل فكرة و طرق للتعامل مع الغير و الانتقام من خصومه دون أن يجد من يوجهه و ينصحه بخطورة ذلك.
واستكمل : المحور الثاني الأسري : حيث أشارت التحريات و شهادة الشهود إلى أن القاتل غير سوي نفسيا بسبب التفكك الأسري من والديه الأم تزوجت عمه ، والده يعمل من الصباح حتي المساء تاركا القاتل وحيدا في المسكن دون أية رعاية أو متابعة .. فأصبح وحيدا ويجد متعته و وقت فراغه في مشاهدة تلك الأفلام العنيفة أو ممارسة الألعاب الإلكترونية الأكثر عنفا مما ولد في نفسه مسببات حب ممارسة العنف لإشباع حاجات مختلفة داخل ، ذلك فان التفكك الأسري بأنواعه المختلفة كانفصال الوالدين أو المشاكل الأسرية كل ذلك ينعكس سلبا علي الأطفال منذ الصغر و يفقدهم الكثير من مشاعر الحب و العطف و يكونوا ضحايا لهذا التفكك الاسري الكارثي الذي يجعل من القاتل هنا ضحيه لهذا التفكك .
وختم : المحور الثالث الجنائي ، فمن المؤكد أن عالمنا الرقمي المعاصر أثر تأثيرا جذريا في جميع مناحي و فكر وسلوكيات حياتنا المعاصرة ، فاطفال اليوم بفكرهم وعلمهم واستخدام الإنترنت و مواقع التواصل الاجتماعي في دراستهم و معظم احتياجاتهم و أنشطتهم كل ذلك أدى إلى تطور و تقدم غير مسبوق في فكر و ثقافة و سلوكيات الأطفال وهو ما يتطلب ضروره النظر في قانون العقوبات العام للبحث في السن المعقول للقصر لأن جريمة القاتل التي نحن بصددها من الظلم أن نجعله قاصرا ، وأيضا بات من الضروره تغليظ العقوبات علي تلك الجرائم ، وإذ وجب هنا أن نثمن جهود وزارة الداخلية وجهود رجال أمن الإسماعيلية في سرعة اتخاذ كافة الإجراءات الأمنية منذ تلقي بلاغ غياب المجني علي و حتي ضبط القاتل و اعترافه وتقديمه للنيابة العامة.
ــــ خبير أمن المعلومات : ضرورة إلزام شركات التكنولوجيا العملاقة بتطوير خوارزميات أكثر صرامة لحماية الأطفال
أما د . وليد حجاج خبير أمن المعلومات فرأى أن هذه الجريمة تلامس عمق أزمة مجتمعية حقيقية ، وأن واقعة بهذه البشاعة والوحشية، يرتكبها طفل بهذا العمر وبهذه الدقة، هو ليس مجرد "جريمة" بل هو "انهيار" في بنية الحماية الأخلاقية والنفسية للطفل قائلا : هذا السيناريو المروع يضعنا وجهاً لوجه أمام منعطف خطير، وهو ما يمكن أن يطلق عليه الخبراء "تسونامي المحتوى العنيف" وتأثيره على جيل ينشأ في عالم "افتراضي" أكثر من "الواقعي".
فقد تلاشى الحد الفاصل بين، الواقع و العاب الجيمز وهناك منعطف اخلافى يؤكد "موت البراءة" وهو تحول خطير يبرز أن هناك تبلّد المشاعر (Emotional Desensitization) : لان الخطر الأكبر للتكنولوجيا ليس فقط في "المشاهدة"، بل في "التفاعل". ألعاب الفيديو التي تتسم بالعنف المفرط (مثل القتل والتقطيع) تحول العنف من "فعل مُدان" إلى "مهمة مُنجزة" يُكافأ عليها اللاعب ، هذا التعرض اليومي والمكثف يقتل التعاطف ويجعل مشهد الدم أو التقطيع أمراً "عادياً" أو حتى "ممتعاً" في العقل الباطن للطفل .
وتابع : مع انهيار السلطة الأبوية (The Collapse of Authority): أطفالنا، "صم عمي بكم يقلدون". إن الكارثة تبدأ حينما يفقد الأهل السيطرة. نحن نمنح الطفل 13 عاماً جهازاً هو نافذة على العالم بأسره الجيد والسيئ ، دون أي "تدريب" أو "إشراف". وهو ما يسمى "الإهمال الرقمي" Digital Neglect ، وهو لا يقل خطورة عن الإهمال الجسدي ، غياب العواقب Lack of Consequences في العالم الرقمي، يمكن للطفل "قتل" شخصية في لعبة ثم "إعادة التشغيل" Restart ، هذا يلغي مفهوم "النتيجة النهائية" للموت أو الأذى عندما تحدث مشاجرة في الواقع، قد لا يدرك الطفل أن هذا "الواقع" ليس فيه زر "إعادة تشغيل"، وأن أفعاله دائمة ومدمرة ، اما الكارثة التكنولوجية وهى "التقليد الأعمى" عندما نرصد ونقوم بتحليل المحتوى الرقمي وأبعاده الكارثبة نجد الأتى ..
الخوارزميات أصبحت "موجه للجريمة" فالمشكلة ليست فقط فيما يبحث عنه الطفل، بل فيما "تقترحه" عليه المنصات (يوتيوب، تيك توك، إلخ). مشاهدة مقطع عنف واحد "عن طريق الخطأ" قد يفتح الباب أمام الخوارزميات لتقترح عليه محتوى أشد عنفاً وقتامة الطفل "يقلد" ما يراه متاحاً ومكرراً أمامه ، الـ "Dark Web" ومجتمعات العنف والحرفية والدقة في إخفاء الجريمة لا تأتي غالباً من "لعبة"، بل قد تأتي من محتوى أكثر احترافية وخطورة ، قد يكون الطفل وصل (عن قصد أو صدفة) إلى منتديات "الويب المظلم" (Dark Web) أو قنوات مشفرة على تطبيقات مثل "تليجرام"، حيث يتم مشاركة محتوى عنيف حقيقي (جرائم قتل، تعذيب) ويتم تبادل "خبرات" إخفاء الجريمة.
وأضاف : أيضا الإنترنت أصبح كتالوج للجريمة ويتضح هذا من استخدام المنشار الكهربائي، الدقة، إخفاء المعالم... هذه التفاصيل هي ما تثير الرعب و الخوف و القلق إنها تشير إلى "تخطيط" و "بحث".
و ببحث بسيط، يمكن لأي شخص أن يجد "كيفية إخفاء جريمة" أو "كيفية استخدام أداة معينة". التكنولوجيا هنا لم تكن فقط "ملهماً" (Inspiration)، بل كانت "دليلاً إرشادياً" (Instruction Manual).
واستكمل : نحن كخبراء أمنيين ومختصين يجب علينا التشخيص والحلول فنحن كخبراء تجاوزنا مرحلة "الصدمة" إلى "التحليل" و "الحل"، نحن لا نحارب جريمة تقليدية نحن نحارب 'جريمة مستوردة رقمياً'، يجب تتبع الأثر الرقمي للطفل (هاتفه، جهاز الكمبيوتر) فوراً ماذا كان يشاهد؟ مع من كان يتحدث؟ في أغلب الأحيان، سنجد 'مُحرضاً' رقمياً أو 'نموذجاً' قام بتقليده" ، التكنولوجيا هي 'الأداة' وليست 'السبب' الوحيد ، طفل في هذا العمر لا يرتكب العنف يسيطر علي الاطفال بطريقة لا إرادية.. من الألعاب الإلكترونية Forward)
فالحل يجب أن يكون متعدد الأوجه وعلى أكثر من صعيد ، على مستوى الأسرة (الخط الأول للدفاع)، الرقابة الفعالة لا المنع: المنع التام يخلق فضولاً خطيراً. الحل في "الرقابة الذكية" (Smart Control) واستخدام برامج الحماية الأبوية (Parental Controls) التي تحجب المحتوى العنيف وتراقب النشاط، التوعية الرقمية للأهل: يجب على الأهل أن يفهموا التطبيقات التي يستخدمها أبناؤهم. يجب أن يعرف الأب ما هو "تيك توك" وما هو "ديسكورد" ليعرف أين يكمن الخطر.
على مستوى الدولة والمؤسسات ، الأمن السيبراني المجتمعي: إنشاء وحدات أمنية متخصصة في "رصد" المحتوى العنيف الموجه للأطفال على المنصات العامة قبل أن يتحول إلى كارثة، والضغط التشريعي على هذه المنصات لحذفه ، دمج "الأخلاق الرقمية" في التعليم: يجب أن تُدرس مادة "التربية الرقمية" في المدارس، تعلم الطفل الفرق بين الواقع والخيال، وعواقب أفعاله على الإنترنت وفي الواقع ،
على مستوى التكنولوجيا (المسؤولية التقنية)
يجب إلزام شركات التكنولوجيا العملاقة (جوجل، ميتا، تيك توك) بتطوير خوارزميات أكثر صرامة لحماية الأطفال، وليس فقط خوارزميات هدفها "الربح" عبر زيادة وقت المشاهدة بغض النظر عن خطورة المحتوى .
وختم : هذه الكارثة نتاج "فراغ" تركه الأهل والمجتمع، فملأته "التكنولوجيا" بأبشع صورها الطفل الذي يقلد "عمى" هو ضحية قبل أن يكون مجرماً، ضحية إهمال أسري ومجتمع سمح للتكنولوجيا بأن تربي أبناءه بدلاً منه.
إستشاري علم النفس الرقمي نحتاج ثورة وعي تعيد للطفل بوصلته الأخلاقية والدينية والإنسانية
د . نيڤين حسني إستشاري علم النفس الرقمي وعضو الهيئة الإستشارية العليا لتكنولوچيا المعلومات ونائب رئيس لجنة التحول الرقمي : جريمة الإسماعيلية التي ارتكبها طفل لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره ضد زميله، بتفاصيلها الصادمة التي كشفت عنها التحقيقات، لا يمكن النظر إليها كحادث فردي أو نزوة عابرة إنها جرس إنذار اجتماعي ونفسي ورقمي في آنٍ واحد، يفرض علينا أن نتوقف بجدية أمام السؤال الأخطر ... ماذا يشاهد أطفالنا؟ وبأي محتوى يتغذى وعيهم؟
وتابعت : في زمن أصبحت فيه الشاشة رفيقًا دائمًا للطفل، صارت الحدود بين الواقع والخيال الرقمي تتلاشى تدريجيًا ،الأبحاث النفسية تؤكد أن التعرّض المتكرر لمشاهد العنف عبر الألعاب أو الفيديوهات يضعف الحس الأخلاقي والتعاطف الإنساني، ويزيد قابلية المراهق لتقليد ما يراه دون وعي بخطورته أو نتائجه ، وهنا تظهر خطورة “التعلّم بالملاحظة” في غياب رقابة أو توجيه من الأسرة والمدرسة .
لكن البيئة الرقمية ليست المتهم الوحيد ؛ فالخلل أعمق ، إنه مزيج من تفكك أسري، غياب الحوار والرقابة الأسرية، وتراجع القيم المجتمعية، مع وصول غير محدود لمحتوى عنيف بلا ضوابط عمرية ، تقرير منظمة اليونيسف عام 2024 عن الطفولة الرقمية يحذر من "فجوة وعي رقمية" بين الأهل والأبناء، تجعل الأطفال يعيشون في عوالم رقمية موازية لا يراها الكبار .
وأضافت : من منظور علم النفس الرقمي، نحن بحاجة عاجلة إلى تدخّل ثلاثي المستويات:
• أولًا، استجابة نفسية فورية في المدارس والمجتمعات المتأثرة، لتقديم دعم علاجي للأطفال المتضررين من الصدمة.
• ثانيًا، تحقيق رقمي وقائي يراقب المحتوى المؤذي، ويُفعّل أدوات التبليغ وضوابت المحتوى اللائق لكل سن والحجب ضد المواد العنيفة أو التحريضية.
• ثالثًا، بناء ثقافة رقمية ووعي نقدي تبدأ من الأسرة والمدرسة، تعلّم الطفل التفكير قبل التقليد، والتمييز بين الترفيه والمخاطرة.
واستكملت : ما نحتاجه اليوم ليس مجرد حجب مواقع أو حذف ألعاب، فالحجب والمنع ليسا حلاً على الإطلاق بل ما نحتاجه هو ثورة وعي رقمية تعيد للطفل بوصلته الأخلاقية والدينية والإنسانية ، فالتكنولوجيا ليست عدوًّا، لكنها حين تترك بلا ضابط، تتحول إلى ساحة تفكك وجداني ونسخ مشوّهة من السلوك البشري ،لقد حان الوقت لنتحرك ليس ضد الشاشات، بل من أجل الإنسان خلفها.
ــ استشاري الصحة النفسية : العنف سلوك غريزي لتصريف الطاقة العدائية
د .وليد هندي استشاري الصحة النفسية : العنف سلوك غريزي مصحوب بالكراهية وحب التدمير ، وهدفه تصريف الطاقة العدائية المكبوتة تجاه الآخرين ، نرى كثير من الأطفال التي تمارس نشاطات مختلفة كعزف الموسيقى والتمثيل والرسم وتذهب إلى النادي الرياضي ، لكن لديها سلوك عدواني وعنف تجاه الآخرين وهذا يعود لأسباب كثيرة مترسخة في بناءهم النفسي ، فعندما يأتي عامل مفجر لممارسة العنف نجدهم يمارسوا العنف بصورة غريبة وشرسة .
وتابع : من أهم الأسباب التي تصنع الطفل العنيف " الأسرة .. البيت " أي خلل في بناء الأسرة نتيجة تفككها سواء للطلاق أو الهجر ، عدم متابعة الوالدين للأبناء ، الجهل بأساليب التنشئة الاجتماعية اجتماعية السليمة ، غرس بعض المفاهيم التي تمارس العنف عند الأطفال كأن يحسه الأهل على "أخذ حقه بدراعه" أو المقارنة السلبية بين الأخوة التي تؤدي إلى الغيرة والحقد في نفوسهم ، والاهتمام بطفل معين داخل الأسرة دون الباقي يولد شعور الغيرة ، كذلك المنع من ممارسة الرياضة تؤدي إلى اختزل طاقة العنف ، خوف الطفل الأكبر من قدوم طفل جديد أخ له ويشعر أنه سيفقده امتيازات كالحب والحنان والاهتمام من الوالدين ، كل ذلك يجعله يمارس العنف على الطفل الأصغر ، كذلك سلوك الأب في التعامل مع الأم بشكل عنيف سواء بالصوت أو الضرب والتعامل مع المحيطين بقسوة وعنف مثل حارس العمارة والسايس وجميعا مواقف تعلم بالمشاهدة فيأخذ الطفل والده كنموذج وقدوة يقلده في ممارسة العنف ، وفي أوقات يلجأ الطفل إلى العنف كي يبعث رسالة تقول اهتموا بي .
وأضاف : وأما الدور الذي كانت تقوم به المدرسة في توسيع الأفاق وتفريغ طاقات العنف عند الأطفال مثل تخصيص حصص للنشاط الفني والمسرح والتريية الموسيقية والرياضية والزراعية ، وجميعها كانت تنمي القدارات البدنية وترسخ للجمال وسمو الروح والوجدان والقدرة على التخيل والإبداع كل ذلك لك يعد موجود بالمدارس فضلا عن ممارسة العنف ذاته على التلاميذ بالمدراس من قبل المدرسين الحاملين للعصا طوال اليوم الدراسي ، هذا فضلا عن ما تقدمه أفلام وبرامج التلفزيون وما أصبح به من قنوات خاصة تبث على مدار 24 بالإضافة لعنف السوشيال ميديا وألعاب الفيديو جيم الحاجات التي أصبحت تولد العنف لدى الأطفال دون إرادة .
واستكمل : وأما من الأسباب الهامة لخلق طفل عنيف هي نقص التغذية أو سوق التغذية حيث ثبت علمياً أن نقص بعض الفيتامينات والمعادن يؤدي إلى العنف مثل نقص الزينك والحديد وفيتامين B في أول ثلاث سنوات في حياة الطفل يؤدوا إلى سلوك عدواني في السنوات التالية وما تبقى لهم من العمر ، كما أن سوء التغذية يؤدي إلى العنف أيضا ، وأثبتت دراسة علمية في بريطانيا تمت على 17 ألف طفل أن 69% من هؤلاء الأطفال يرتكبوا جرائم ولديهم سلوك عنيف ، وهذا بسبب تناول الشيوكولاتة مرة واحدة في اليوم لذلك في أمريكا يمنع الطفل من تناولها في أول خمس سنين من عمره هذا عكس ما يحدث مع أطفالنا في مصر تماما فهم دائموا تناول الوجبات السريعة والحلويات والمواد الحافظة ، ثم أن هناك علاقة بين الرضاعة الطبيعية وخفض السلوك العدواني لأن الطفل الذي يرضع رضاعة طبيعية ويفطم في الوقت الطبيعي دائما لايرى له سلوك عنيف بالمقارنة بطفل مر بتجربة الرضاعة الصناعية .
وختم : على الأهل محاوطة الطفل بشعور بالمحبة والدفء العاطفي والأسري والطبطبة وإلقاء كلمات الحب والحنان التي تعزز من ذواتهم ولا تحقر من شأنهم ، نرسخ العدالة بين الأطفال الأخوات داخل الأسرة الواحدة ، مرعاة وجود طفل جديد حديث الولادة حتى لا يشعر الطفل الأكبر بأن السجادة سحبت من تحت قدميه ، مع إفساح المجال للطفل في اللعب والحركة ومارسة النشاط البدني ويختلط بالأطفال ممن هم في عمره ، يخرج إلى المنتزهات والحدائق العامة ، مع عدم التوبيخ واستعنال كلمات قاسية في التربية والتوجيه من عينة فاشل حمار لأنه يختزلها لا إراديا وتتحول إلى سلوك عنيف في المستقبل وأخيرا من الضرورة إشعار الطفل بقيمته نحو ذاته ويكون الأبوين قدوة لهم .
ــ أستاذ القانون الدولي :
كارثة أخلاقية وتكنولوجية تستدعي تدخل عاجل من المؤسسات المعنية
فيما عبر د . محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي ، عن صدمته العميقة من جريمة الإسماعيلية ، مؤكدا أن هذه الجريمة تكشف عن كارثة أخلاقية وتكنولوجية تستدعي تدخلا عاجلا من جميع المؤسسات المعنية .
وقال الدكتور مهران في حديث لـ "المساء" إن ما حدث يتجاوز كونه جريمة فردية ليكشف عن انحدار أخلاقي خطير نتيجة التعرض غير المراقب للمحتوى العنيف على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، موضحا أن الأطفال في هذا العمر يتأثرون بشكل كبير بما يشاهدونه ويقلدونه دون إدراك كامل للعواقب مما يجعلهم ضحايا للمحتوى المدمر المتاح بسهولة على الإنترنت.
وأكد" مهران " أن اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1989 والتي صادقت عليها مصر تلزم الدول الأطراف بحماية الأطفال من جميع أشكال العنف والاستغلال بما في ذلك حمايتهم من المحتوى الضار على الإنترنت، لافتا إلى أن المادة 17 من الاتفاقية تؤكد على ضرورة حماية الأطفال من المعلومات والمواد الضارة بصحتهم ورفاههم.
وأشار مهران إلى أن القانون الدولي يشجع الدول على تطوير تشريعات صارمة لحماية الأطفال من المحتوى العنيف والمواد الإباحية والألعاب الإلكترونية العنيفة التي تحرض على القتل والعنف، داعيا لتفعيل الرقابة على المحتوى الرقمي الموجه للأطفال وفرض عقوبات صارمة على المنصات التي تتيح محتوى ضارا دون ضوابط.
ودعا أستاذ القانون الدولي الأسر لمراقبة ما يتابعه أبناؤهم على الإنترنت وتوعيتهم بمخاطر المحتوى العنيف كما دعا المؤسسات التعليمية لتكثيف برامج التوعية بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا، مشددا بالتأكيد على أن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع وأن التقصير في هذه المسؤولية يؤدي لكوارث إنسانية مروعة كما حدث في الإسماعيلية.
ـــ أستاذ مركز البحوث الاجتماعية والجنائية :
أهمية بناء الإنسان وإستعادة القيم الأسرية..و البدء في تجهيز مناهج عن المخاطر الرقمية
من جانبها قالت ا.د/ وفاء نعيم
استاذ علم الاجتماع
بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية : جريمة بشعة هزت الرأي العام تؤكد وجود خلل ليس فقط في الطفل ولكن أزمة مجتمعية ولكن في أساليب التنشئة الاجتماعية وتراجعها بشكل كبير ، وضرورة وجود رقابة شديدة على الألعاب الإلكترونية التي يلعبها الأطفال لأنها لسيت أول حادثة بهذا الشكل بسبب عنف تلك الألعاب وما تصدره من أفكار تترسخ في نفوس أطفالنا التي لم تكتمل مشاعرهم بعد ولا يستطيعون التفرقة بين ماهو واقعي وافتراضي .
وتابعت : ولو صدق بالفعل ما قاله الطفل الجاني بأنه تلقى أوامر من اللعبة الإلكترونية ويقوم بتنفيذها فيقتل زميله ويقطع جثته أشلاء ، فهذا يحتم علينا ان ندق ناقوس الخطر حتى لا تكرر مثل هذه الحوادث.
وهنا وجب مراجعة كل الاستراتيجيات الخاصة بالتماسك الأسري وقد بدأت الدولة تنبه لهذا من فترة وتؤكد على أهمية بناء الإنسان وإعادة قيمة الأسرة وحمايتها من كل السلوكيات التي تؤثر على تماسكها ، ومن الضروري أن يحدث تواصل بين الأسرة والأبناء مع الرقابة على مايشاهده من ألعاب إلكترونية وعلاقاته على مواقع التواصل الاجتماعي فضلا عن الرقابة في المدرسة ممثلة في الاخصائي الاجتماعي الذي يقوم بملاحظة سلوك التلاميذ المائلة للعنف وتنبئ بخطر فيتم علاجها مبكرا بعد تواصله مع الأسر ، وعلى مستوى المجتمع وجب بذل جهود للتوعية من مساوئ التكنولوجية الحديثة ورقابة من الدولة على محتوى تلك الألعاب وفحصها لمعرفة مدى ملائمتها لهؤلاء القصر وتوفير دعم نفسي للأسر في المناطق المحرومة وعمل دراسات متكاملة عن فهم مثل هذه الظواهر ، والأبحاث في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية تعمل دورها في ذلك .
وأضافت : الجريمة صرخة تنبيه لإعادة النظر في منظومة التنشئة الاجتماعية خاصة الرقمية في عصرنا هذا ، ويجب تجهيز الأطفال ليس للتعلم الأكاديمي فقط بل للتعايش الأمن مع وسائل التواصل الرقمية التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى الرصد الأخلاقي والقيمي ، وضروة مساعدة الأطفال في القدرة على التمييز بين الشيء الواقعي والافترضي ، بين التسلية والعنف وبين القوة المضادة للقوة ، مع أهمية الندوات التوعوية بالمدارس عن الأخلاق الرقيمة وكيف يستخدمها الطفل بما يتناسب مع مبادءه وأخلاقه ، وعدم الاكتفاء بالحظر والمنع لهذه الألعاب ولكن يجب أن يكون هناك ألعاب تعليمية ومجتمعات شبابية تساعد على التنافس الشريف بين الأقران من الأطفال وهذا يتطلب عودة الأنشطة المدرسية حماية لهم من الانزلاق في محتوى من العنف .
واقترحت : نحن أمام تحديات وعينا تطوير أليات الدولة وخلق اليات جديدة ، على صانعي القرار والسياسات البدء فورا في وضع مناهج تعليمية تتحدث عن فكرة الثقافة الرقمية والأمن النفسي ، تأثير العنف الرقمي ، وتنمية مهارات التفكير النقدي وكيفية التعامل المحتويات المزعجة وكيفية الإبلاغ عن المحرض منهة، لخلق جيل واع بخطورة المواد الرقمية ، مع أهمية وجود داعم نفسي داخل المدارس متمثلة في اخصائي يتواجد بانتظام لديه استجابة سريعة لأي سلوك ينبئ بالخطر ، وإجراءات حماية للتعامل مع أي مشاكل من نوعية المشاجرات والبلطجة والشائعات بين الطلاب مع اشراك أولياء الأمور ، ويجب على وجه السرعة وضع خطة وطنية رقمية من الدولة لحماية الطفل رقميا ونفسيا تستهدف في الأساس تدريب المدرسين عليها وتكون لتلك الخطة تمويل للخدمات الاستشاراية وحملات التوعية ، وفي المقابل لمنصات نشر العنف يكون هناك منصات لفلترة العنف وحذف وحظر أي محتوى يتعامل أوبستهدف الأطفال ، وأليات للإبلاغ السريع عن المحتويات الحاضة على العنف والكراهية كي نستطيع مجابهة المخاطر الرقمية .
اترك تعليق