مريم عماد
لم أعد أدري أأفرح أم أحزن، ها أنا أقترب من نهاية الطريق، العام الأخير الذي طالما انتظرته كغريق يتشبث بطوق النجاة، فإذا به يحمل ثقلًا أجهل كيف أتحمّله. هذه الغربة التي بدأت كحلم وطموح، تحوّلت إلى تجربة متناقضة، بين القسوة التي غرست فيّ دروسًا قاسية، والحنان الذي احتواني في لحظات الضعف.
كل يوم كنت أعيش تفاصيلها التي لم تكن سهلة، لكنها أصبحت مألوفة. كأنني سكنت في غرفة مغلقة طيلة سنوات، فألفت جدرانها، وصرت أخاف أن أفتح الباب على العالم الخارجي الذي ينتظرني مجهولًا. أشعر أنني طفلة تلوّح بوداع لا تفهم بعد معناه. الغربة علمتني أن أواجه وحدتي وأحاور خوفي، لكنها تركتني أيضًا أسيرة تلك الجدران التي ألفتها، تائهة بين الأمن والحرية.
حين أنظر إلى المستقبل، أشعر وكأنني أنظر من خلف زجاج مضبّب. أرى ظلال حياة لا أستطيع تمييزها، حياة أسأل نفسي عن تفاصيلها، عن ألوانها، عن أناسها. كيف سيكون العالم هناك؟ هل يشبه ما حلمت به؟ هل سأجد مكانًا يرحب بقلبي مثل هذا المكان؟ أشعر بحاجتي لمن يهدئ روعي، لمن يمسح خوفي بكلمات قد تكون كاذبة، لكنه ضوء في ظلمة الانتظار. لكنني غالبًا لا أجد أجوبة، ولا أصابع تمتد لتمنحني ذلك الأمان.
في داخلي رغبة عميقة في التمسك بكل ما أحببته هنا، أن أجمد لحظات الفرح والألم التي صنعتهما الغربة في قلبي، لكن الضغوط تتزايد، والمسافات لا ترحم. بين مشاعر الفرح لقرب الرحيل ، والخوف من المسؤوليات التي تنتظرني، أجد نفسي في حيرة متشابكة، لا أدري إن كان يجب أن أحتفل أو أنحني أمام القادم.
كل شيء من حولي يستعد للوداع: الزملا ، الأساتذة، الشوارع والأماكن ، حتى أوراق الامتحانات التي أضعها كأنها رسائل أخيرة إلى هذا الفصل من حياتي. كل سؤال يحمل ذكرى، وكل لحظة تعني أكثر من مجرد اختبار. أحاول أن أجمع ما تبقى مني لأستطيع الاستمرار، وأنا أعلم أن النهاية باتت على الأبواب.
لقد أحببت أناسًا صاروا لي أهلًا، لم أظن أنني سأجد في الغربة من يستحقون تلك الكلمة. هم الذين رافقوني في لحظات الوحدة، الذين احتووني حين كادت الأشواق تقتلني، الذين جعلوا من الغربة وطنًا ثانيًا رغم كل شيء.
الغربة لم تكن مجرد مكان، بل كانت مرآة كشفت لي نفسي كما لم أرها من قبل. عرفت فيها وحدتي، قوتي، خوفي، شجاعتي، صبري، وهشاشتي. نضجت رغماً عني، وتعلمت أن أكون أكثر صدقًا مع ذاتي، أكثر انكشافًا، وأكثر عمقًا. صارت الغربة بيتًا، والوطن صار فكرة ملتبسة، أعلم أن قلبي سيظل ينبض له مهما ابتعدت، وأحلم بالعودة، لكن هل سأعود حقًا؟ أم سأبحث عنه من جديد في أماكن أخرى؟
أنا الآن في المنتصف، قلبي معلق بين الأرض التي صنعتني، والأرض التي تنتظرني. أحلم بأن أجد لنفسي مكانًا يريح روحي، حيث أزهر وأثمر، حيث يستقر قلبي بعد طول بحث عن معنى وأمان. أحلم بالاستقرار الذي لا يأتي إلا حين تتوقف الرحلات النفسية والعاطفية، حين يسكن الألم ويهدأ الخوف. لكن في هذه اللحظة، لا أملك سوى الحلم، وحلم أكبر مني، حلم بالثبات والأمل.
لا أعرف ما ينتظرني غدًا، ولا كيف سيكون شكل الطريق حين أخطو أولى خطواتي خارجه. لكني أعرف أن شيئًا ما يتغير، أنني أقف عند حافة غير مرئية، أفتح قلبي وأنتظر. ربما أجد ما أبحث عنه، وربما أضل أكثر. لكنني سأمضي، بعين تعلمت كيف تحلم، وقلب مهما تعب لا يزال ينبض بالأمل.
لقد فعلت كل ما بوسعي، ربما لم تكن النتيجة كما تمنيت، لكن هذه هي قدرتي. أحيانًا، لا يكون النصر في الوصول، بل في النجاة. لا يكون المجد في الألقاب، بل في الأيام التي وقفنا فيها رغم التعب، ولم ندع الحلم يسقط من بين أيدينا. اليوم، لا أطلب أكثر من طمأنينة صغيرة، تأتي دون موعد، في لحظة سكون، تهمس لي: "أنت بخير... وكل هذا لم يذهب سدى."
اترك تعليق