الزيادة السكانية في تصاعد مستمر. تلتهم كل الخطط وتعوق برامج التنمية وتعرقل الإنجازات. فهي تلتهم الأخضر واليابس لأنها تعني انفلاتا في معدلات الإنجاب والمواليد. ما يؤثر علي الأسرة والطفل وأيضا الاقتصاد الوطني.
الزيادة السكانية يترتب عليها غلاء في الأسعار وازدحام في الشوارع والمواصلات. والتسريب من التعليم. وعمالة الأطفال. وزيادة التردد علي المستشفيات. والزواج المبكر. إضافة إلي معاناة الأطفال وعدم حصولهم علي حقوقهم كاملة في التربية والتعليم والصحة. وعدم اهتمام الأسرة بهم ما قد يؤدي إلي تشردهم. علاوة علي معاناة الأم من تكرار الحمل بطريقة غير منظمة ما قد ينتج عنه إصابتها بالأمراض خاصة هشاشة العظام والأمراض المزمنة.
القضية السكانية قضيه مجتمع بأثره. وليس وزارة أو قطاع. والمواطن له مسئولية كاملة قبل الدولة. فهو المحرك الأساسي في هذه القضية الشائكة. لكنه يحتاج إلي توجيه وتوعية واقعية. وليس شعارات.
أجمع الخبراء أن القضية السكانية أقرب الآن إلي إيجاد حل نهائي. فهناك إرادة سياسية تدفعها إلي الأمام. مثلما حدث في عديد من المشروعات القومية الأخري.
أشار الخبراء إلي أن الزيادة السكانية تحتاج إلي أسس علمية في مواجهتها. وأهمها الجانب الديني. فوزارة الأوقاف والأزهر والكنيسة مهمتها إقناع المواطنين بتنظيم الأسرة. والفرق بين التنظيم ومنع الحمل. إذ يعتقد أن الدولة تحاول منع الحمل وهذا خطأ كبير لأن الهدف هو التنظيم بين سنوات الحمل. حتي يحصل كل طفل علي حقوقه في الرعاية صحيا واجتماعيا وتعليميا. وكل الأديان تدعونا إلي النظام في جميع أمور حياتنا. إضافة إلي أن اللامركزية في إدارة شؤون الأسرة والسكان تمثل عائقا كبيرا. إذ ان قطاع السكان في وزارة الصحة يعمل في واد. والمجلس القومي للسكان يعمل في واد آخر. والرائدات الريفيات يحصلن علي مرتبات من الدولة دون الاستفادة منهن في نشر الوعي بين السيدات في الأرياف. وتم إهمال الأبحاث العلمية التي تمت في القضية السكانية. مع أنها مهمة للغاية.
أكد د.عبد الحميد أباظة مساعد وزير الصحة لشؤون الأسرة والسكان سابقا. أن القضية السكانية في غاية الأهمية والزيادة السكانية تلتهم كل مقدرات الدولة وهذه كارثة. فالدولة حاليا تنشئ مدنا وطرقا جديدة وكباري وأنفاقا. لكن الزيادة السكانية تؤثر سلبا علي نتائج تلك المشروعات.
أشار إلي أن قطار الزيادة السكانية السريع يلتهم كل مقدرات الدولة ويطفئ بريق الإنجازات. ونحتاج إلي إرادة قوية لوقف الزحف السكاني. كما أن دور الأزهر والأوقاف والكنيسة فعال وقوي.
وعلينا أن نختار مجموعة من الحوافز الإيجابية للأسر الأقل إنجابا. ولا بد أن يعلم المواطن الفرق بين تنظيم الأسرة ومنع الحمل.
أضاف أن هذا الخطر الداهم لا يحتاج إلي طرق وحلول تقليدية ولكن إلي حلول جذرية وسريعة. مؤكدا أنه عمل مساعدا لوزير الصحة لشئون الأسرة والسكان لمدة 3 سنوات. ولكن كل الخطط والبرامج كانت علي الورق فقط. ولم تنفذ.
موضحا أننا لدينا ملفات وتقارير من أروع ما يمكن للباحثين في المجلس القومي للسكان. لكن لم يكن يتم الاستفادة منها.
أشار إلي أن الوضع مختلف حاليا. فهناك إرادة سياسية قوية تقود خطط الدولة في وقف الزيادة السكانية بالطرق غير التقليدية والحوافز الإيجابية.
أكد أنه يجب أن نستفيد من تجارب الدول التي نجحت في الحد من الزيادة السكانية. فمثلا تونس طبقت الخطط علي أرض الواقع ونجحت في التنفيذ.
قال د. أباظة إن مهمة وزير الأوقاف والازهر والكنيسة. هي المحور الأساسي في توعية المجتمع دينيا بهذه القضية. ولفت أن الخطاب الديني في هذا المجال في غاية الأهمية من أجل توصيل رسالة حقيقة لكل أسرة.
أضاف أن تلك الأزمة تنعكس علي المستوي التعليمي. فمن يصدق أن مصروفات الجامعات الخاصة تعدت 150 ألف جنيه في السنة؟ كل هذا بسبب الزيادة السكانية. لو كان المواليد في المعدلات الطبيعية لكانت الجامعات الحكومية استوعبت أعداد الطلاب كل عام.
واقترح تقديم حوافز إيجابية للتشجيع علي تنظيم الأسرة. بدخول أبناء الأسر الأقل إنجابا المدارس النموذجية والجامعات بالمجان. والالتحاق بوظائف الدولة. واستخدام وسائل المواصلات بالمجان.
طالب "أباظة" بإعادة هيكلة المجلس القومي للسكان. حتي يؤدي دوره علي أكمل وجه. وتوحيد العمل بينه وبين قطاع السكان في وزارة الصحة. أو إنشاء وزارة تجمع بين الأسرة والسكان. حتي لا نجد تناقضا في القرارات. إضافة إلي توحيد الخطط علي أرض الواقع.
قال د. أباظة إن 70% من ميزانية المجلس القومي للسكان تذهب إلي مرتبات وحوافز العاملين. و30% فقط تصرف علي المشاريع والأبحاث.
أكد أن دور الإعلام مهم للغاية في القضية السكانية. فقد كان التليفزيون المصري يقدم إعلانا لحملة تابعة للوزارة ما زال الكل يتغني به. وهو "حسنين ومحمدين زينة الشباب الاتنين". وكان له دور السحر في القضية السكانية. عكس ما يحدث الآن.
أكدت دكتورة مايسة شوقي أستاذ ورئيس قسم الصحة العامة بكلية طب جامعة القاهرة ونائب وزير الصحة والسكان السابق. أن النمو السكاني الخارج عن السيطرة له العديد من الآثار السلبية علي قدرة الدولة علي تحقيق التنمية المستدامة» فنجد الآثار الاقتصادية للزيادة السكانية تتمثل في زيادة الاستهلاك لدي الأفراد. وزيادة نفقات الدولة علي الخدمات. وانتشار ظاهرة التسرب من التعليم وزواج الأطفال وعمالة الأطفال وارتفاع نسبة البطالة. وانخفاض الأجور وبالتالي انخفاض مستوي المعيشة للأسرة. ويتوافق مع انخفاض خصائص السكان انتشار وتمدد العشوائيات وارتباطها بتفشي الجريمة والإرهاب.
أشارت إلي صعوبة رعاية الأبناء. وانخفاض المستوي المعيشي للأسرة. وعمالة الأطفال. وكثرة الخلافات الأسرية ثم الانفصال الأسري والطلاق وضياع الأمان الأسري للأطفال وفقد الطفل للرعاية الأسرية المنوط بها تربيته ورعايته ومتابعة تعليمه هو من أصعب الكوارث الاجتماعية.
أوضحت أن مصر تسعي لتناول القضية السكانية من منظور تنموي شامل. يهدف إلي تحقيق التوازن بين الموارد ومتطلبات النمو السكاني بتكامل جهود جميع الجهات التي تعمل علي إدارة تلك القضية من خلال تنفيذ خطة استراتيجية متكاملة الأبعاد والمحاور لتنمية الأسرة المصرية. فمشروع "تنمية الأسرة المصرية" هو مشروع القرن الذي يتناول القضايا السكانية بشمولية وتتجه الحكومة إلي تنفيذه بقوة وتذليل كل الصعوبات لضمان نجاحه. ويرعاه رئيس الجمهورية برؤية قوية ومتفائلة للنهوض بمصر وصولا إلي "الجمهورية الجديدة".
أوضحت أن "مشروع تنمية الأسرة المصرية" يتوافق مع طبيعة المواطن المصري ويعالج القصور في الخطط التقليدية ويضمن نتائج سنوية تسير بنفس قوة وجهود النمو الاقتصادي.
قالت إن هناك ضرورة لتحديث الاستراتيجية القومية للسكان لكي تتوافق مع خطة تطوير مصر في العصر الحديث بأهداف تنموية قوية ومحددة تنعكس إيجابيا علي المواطن البسيط. وأضافت أن محاور هذه الاستراتيجية تشمل الاهتمام بتنظيم الأسرة وتحديث المنظومة بصورة شاملة وضمان مشاركة الرجل المصري في برامج تنظيم الاسرة والصحة الإنجابية اسوة بالدول المتقدمة.
عن محور التعليم في استراتيجية السكان» أكدت د. مايسة. أن الدولة تولي التعليم قبل الجامعي والجامعي أهمية كبري للتطوير ولكن إرساء المفاهيم السكانية منذ المراحل التعليمية المبكرة أصبح امرا حيويا لترسيخ القيم السكانية في المصريين منذ الصغر. وبالتالي يصبح تبنيهم لها في المستقبل القريب عن فهم وإيمان.
وتابعت بأن مناهضة ختان الإناث وزواج الأطفال وعمالة الأطفال يجب أن تتضمنها المناهج التعليمية في المرحلة الابتدائية. فذلك فيه إعلاء قيمة الأسرة واستقرارها. وأن رخاء مستقبلها في عدد أطفال لا يتجاوز طفلين.
أضافت: بالرغم من تبني الحكومة لمشروع تنمية الأسرة المصرية كهدف قومي تلتف حوله كل أجهزة الدولة فإن هناك العديد من التوصيات العلمية التي تفرض نفسها علي متخذ القرار ومنها :
قالت نائب وزير الصحة السابق. إن القضية السكانية في مصر تختلف عن الدول الأخري بل وتختلف في شمال مصر عن جنوبها وتتباين أسبابها في الريف والحضر كما تلعب الثقافة والعادات والتقاليد دورا مهما في تحديد مسار الوعي السكاني لدي المواطنين ومن هنا فإن مشروع "تنمية الاسرة المصرية" هو المشروع القومي الأهم علي الاطلاق لضمان حياة كريمة ومستوي معيشة جيد للمواطن وللأسرة المصرية ويجب أن تتكاتف فيه جهود المجتمع المدني والقطاع الخاص بقوة وتصبح الجمهورية الجديدة واقع ينعم به المواطن المصري.
قال د. عمرو حسن الأمين العام للمجلس القومي للسكان سابقا. إن مصر لديها تجربة بارزة في مواجهة مشكلة الزيادة السكانية. هذه التجربة التي لم تكتمل كما بدأت. ونأمل أن تستعيد مصر هذه التجربة الناجحة.
أضاف أنه في عام 1985 صدر القرار الجمهوري رقم 19 بإنشاء المجلس القومي للسكان برئاسة رئيس الجمهورية. ليكون مسؤولا عن مواجهة المشكلة السكانية. وكان أول مقرر للمجلس هو الراحل د. ماهر مهران أستاذ النساء والتوليد والعقم بجامعة عين شمس. وكان مهندس تنظيم الأسرة. ومقرر المجلس القومي للسكان. ووزير السكان السابق. الذي لا يختلف اثنان علي أننا ذكرنا مشكلة السكان فلا بد أن نذكره لجهده المتواصل ونجاحه الذي لا ينكره أحد في إدارة هذا الملف.
تابع: كانت كلمة السر لحل المشكلة السكانية من وجهة نظره هي في استخدام وسائل تنظيم الأسرة طويلة المفعول "اللولب". وبالفعل زاد استخدامه. وكانت نسبة الاعتماد عليه كوسيلة أساسية لتنظيم الأسرة في أواخر الثمانينيات نحو 4 أضعاف ما كانت عليه في بداية استخدامه. وزادت بأكثر من النصف في التسعينيات. ليصل إلي مستوي استخدام 36% عام 2000. وظلت هذه النسبة ثابتة بشكل تقريبي حتي عام 2008. ثم حدث تراجع في نسبة استخدام وسائل تنظيم الأسرة طويلة المفعول في السنوات اللاحقة.
وفي عام 1980. كان معدل الإنجاب الكلي في مصر 5.3 طفل لكل سيدة. "ومعدل الإنجاب هو متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة في حياتها كلها". ونتيجة لجهود المجلس القومي للسكان آنذاك حققت مصر إنجازا ونجاحا غير مسبوق بالوصول إلي معدل إنجاب 3.5 طفل لكل سيدة. في عام 2000. وواصلنا النجاح عام 2008. وأصبح معدل الإنجاب الكلي في مصر 3 أطفال لكل سيدة. لكن للأسف بدلا من الوصول إلي المعدل المتوقع وهو 2.4 طفل لكل سيدة. حدثت ردة بسبب عدة عوامل وانعكس ذلك علي نتائج المسح السكاني في 2014» إذ ارتفع معدل الإنجاب إلي 3.5 طفل لكل سيدة. وهو نفس المعدل الذي تحقق في عام 2000. أي اننا لمدة 14 عاما لم نحقق أي تقدم يذكر في هذا الملف. وبمتابعة لغة الأرقام نجد أننا وصلنا في عام 2020 إلي معدل إنجاب يساوي 3.07 طفل لكل سيدة. أي تقريبا نفس المعدل لعام 2008. ما يعني أننا في خلال 12 عاما لم نحقق أي تقدم يذكر.
أشار إلي أن التجربة الأبرز في إدارة ملف البرنامج السكاني كانت في الفترة من "1986- 1996". لأن المجلس القومي للسكان آنذاك كان برئاسة رئيس الجمهورية. وكذلك توافر له مثلث النجاح "الاستقلال- الاستقرار- القوة". فقد توافرت للمجلس القوة بتوافر الإرادة السياسة والتمويل اللازم. سواء من خلال المانحين أو الموازنة العامة للدولة. وتوافر له الاستقلال لأنه كان جهة منفصلة لا تتبع أي وزارة في الدولة وتوافر له الاستقرار» لأن قيادته متمثلة في الدكتور ماهر مهران استمر في منصبه نحو 16 عاما. ما كان له عظيم الأثر في تحقيق نتائج قوية علي صعيد المؤشرات الإنجابية.
أوضح أن الدولة المصرية حققت بعض الإنجازات في ملف السكان في هذه الفترة من 1986 وحتي 1996. وكانت أبرز ثمارها: منح رئيس الجمهورية جائزة الأمم المتحدة للسكان في فبراير 1994. عقدت الأمم المتحدة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية "أكبر مؤتمر عالمي للسكان" في الخامس من سبتمبر 1994 في القاهرة.
أضاف أن هذا النجاح تراجع بعد هذه المرحلة نتيجة العديد من العوامل من بينها مستوي الدعم السياسي. والأولوية في النظر إلي الوضع السكاني. والقدرة علي تعبئة الموارد. إضافة إلي الشخصية القيادية لمن يدير المنظومة والتغير المستمر للهيكل التنظيمي والتبعية. فتارة كان المجلس القومي للسكان يتبع لمجلس الوزراء وتارة أخري كان يتبع وزير الصحة والسكان. وفترات أخري كان علي رأسه مقرر. وفترات أخري كانت القيادة لوزير السكان.
كشف عن أن التراجع الواضح كان منذ عام 2002. عندما أصبح المجلس تابع لوزارة الصحة والسكان. فقد تراجع الإنجاز المتحقق في جميع المؤشرات السكانية بشكل ملحوظ. وتزامن ذلك مع تراجع تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عام 2010. حيث توقف التحسن تمامًا في جميع المؤشرات ذات الصلة بالصحة الإنجابية.
أوضح أن أهم عوامل نجاح القضية السكانية هي:
لفت أن التباطؤ في معالجة القضية السكانية سوف يورث الأجيال القادمة مئات المشكلات الناجمة عن المشكلة الأم وهي مشكلة الزيادة السكانية. وكذلك نحن في حاجة ماسة لحوكمة الملف ووضع نظام متابعة وتدقيق ومراقبة للحفاظ علي المكتسبات والانطلاق بخطوات ثابتة في هذا الملف المهم.
اترك تعليق