رغم التحذيرات الدولية من انعكاسات الإعلان الروسى بالانسحاب من اتفاقية تصدير الحبوب والأسمدة عن طريق البحر الأسود، على تفاقم أزمة الغذاء العالمى وارتفاع الأسعار، جاءت تعهدات الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، خلال القمة الروسية الإفريقية الثانية، لتخفف من وطأة المخاوف التى أثارها انسحاب موسكو من اتفاقية الحبوب.
موسكو تتعهد بتوريد الحبوب للقارة السمراء.. والقاهرة بوابة العبور
التقارب الروسى الأفريقى يقلل المخاوف الدولية من تفاقم أزمة الأمن الغذائى
فقد تعهد بوتين لدى افتتاحه قمة بين روسيا وأفريقيا في سان بطرسبرج في شمال غرب البلاد، الخميس الماضى، ست دول من هذه القارة بشحنات حبوب مجانية "في الأشهر المقبلة".
وأكد بوتين في خطابه الافتتاحي الذي نقله التلفزيون الروسي، الخميس الماضى "في الأشهر المقبلة سنتمكن من تأمين شحنات مجانية من 25 إلى 50 ألف طن من الحبوب لبوركينا فاسو وزيمبابوي ومالي والصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى وإريتريا" على خلفية قلق دول أفريقية من توقف اتفاقية تصدير الحبوب الأوكرانية في البحر الأسود قبل فترة قصيرة.
وأضاف الرئيس الروسى أن بلاده ستزيد الصادرات الزراعية لأفريقيا، وستظل موردا للغذاء يمكن الاعتماد عليه.
وأوضح بوتين أن هناك عقوبات وضعت عراقيل لنقل الأسمدة، فى حين أن روسيا قامت بنقل 32 مليون طن من القمح الأوكرانى، 70% منها ذهب لبلدان ذات دخل مرتفع، وفى المقابل حصلت الدول الإفريقية على أقل من 3%، مثل السودان والصومال وإثيوبيا، لذلك قامت روسيا بإلغاء العمل بالصفقة.
وتعهد بوتين بتعويض الحبوب من خلال التوريدات التجارية أو المجانية، متوقعًا إنتاج محصول قياسى لبلاده من القمح خلال هذا العام، وتابع: «أوكرانيا أنتجت 55 مليون طن من الحبوب هذا العام، تم تصدير 47 مليون طن، فى حين أنتجت روسيا 156 مليون طن من الحبوب، تم تصدير 60 مليونًا، والدولة الروسية تنتج 20% من إجمالى الإنتاج العالمى، مقابل 5% لأوكرانيا، وتساهم فى الأمن الغذائى العالمى وتعمل على تفادى حدوث أزمة غذاء.
ومع التعهد الروسى بتوفير إمدادات الحبوب لإفريقيا، يبرز دور مصر كمركز لتوريد الحبوب الروسية إلى القارة السمراء والشرق الأوسط، وفق ما صرّح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجي فيرشينين.
قال فيرشينين في مقابلة مع برنامج "نيوز ميكر" على "آر تي أربيا"، بأن "مصر ستصبح مركزاً للحبوب الروسية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا". وأضاف إن "مصر اعتمدت خلال السنوات الأخيرة على الحبوب الروسية، لا سيما القمح، بسبب جودتها وسعرها". وأضاف أن طجميع الشروط تنطبق على مصر لتصبح مركزاً للحبوب الروسية لتوريد مجمع الصناعات الزراعي الروسي".
ويرى الخبراء أن مصر أفضل الدول المرشحة لتكون مركزاً لوجيستياً لتخزين الحبوب وإعادة تصديرها للدول العربية والأفريقية، لا سيما أنها تتوفر لديها الشروط اللازمة للوفاء بهذا الدور المحوري، بدايةً من الصوامع التي زادت طاقتها من نحو 1.4 مليون طن في 2014 إلى 5.5 مليون طن حاليا.
كما أن موقع مصر الجغرافي يؤهلها للقيام بهذا الدور، ولديها موانئ عدة فضلاً عن قناة السويس، وهذه الشبكة تعزز أواصر العلاقات المصرية بالعالم، كما أن اتفاقيات التجارة الدولية التي أبرمتها مصر سهّلت المهمة، مثلاً اتفاقية المشاركة المصرية - الأوروبية التي تسمح لمصر بتصدير سلع زراعية من دون تعريفة جمركية. أيضاً منطقة التجارة الحرة العربية منذ 2005، ومنطقة التجارة الحرة الأفريقية التي انطلقت في 2019.
وشهد حجم التعامل التجاري بين مصر وروسيا انتعاشة ملحوظة، وتقول يلينا تيورينا، مديرة قسم التحليلات باتحاد الحبوب الروسي، إن مصر هي الدولة صاحبة الريادة في استيراد القمح الروسي.
وفي مارس الماضي، استقبل ميناء دمياط أكبر شحنة من نوعها من القمح الروسي، وبلغت حمولتها 100 ألف طن من القمح، لصالح الهيئة العامة للسلع التموينية.
وضمنت اتفاقية البحر الأسود - التي تم التوصل إليها قبل عام - المرور الآمن للسفن التي تحمل الحبوب من الموانئ الأوكرانية.
وحتى الآن، سمحت الصفقة بتصدير ما يقرب من 33 مليون طن متري من المواد الغذائية عبر الموانئ الأوكرانية، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة.
وتم تجديد الاتفاق 3 مرات، لكن روسيا هددت مراراً بالانسحاب، بحجة أنها أعيقت في تصدير منتجاتها، بسبب العقوبات الغربية.
وقبل الحرب، كانت أوكرانيا خامس أكبر مصدر للقمح على مستوى العالم، حيث كانت تمثل 10% من الصادرات، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
كما أن أوكرانيا من بين أكبر 3 دول مصدرة للشعير والذرة وزيت بذور اللفت. وتعتبر أيضا إلى حد بعيد أكبر مصدر لزيت عباد الشمس، حيث تمثل 46% من صادرات العالم، وفقاً للأمم المتحدة.
وفي العام الماضي، كانت الصدمات الاقتصادية التي شملت آثار حرب أوكرانيا والوباء هي الأسباب الرئيسية "لانعدام الأمن الغذائي الحاد" في 27 دولة، مما أثر على ما يقرب من 84 مليون شخص، وفقاً لتقرير صادر عن شبكة معلومات الأمن الغذائي، وهي منصة مشاركة البيانات الممولة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وتأتي عدة دول إفريقية وآسيوية على رأس الدول الأكثر اعتمادا على واردات القمح من روسيا وأوكرانيا، إذ تعتمد الصومال وبنين بشكل كامل على الدولتين، في حين تستورد مصر والجزائر والمغرب وليبيا وتونس ونيجيريا وإثيوبيا والسودان وجنوب أفريقيا القمح وعباد الشمس من روسيا وأوكرانيا بنسبة 80 فى المئة.
وتوقع تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، أن يصل استهلاك القمح فى إفريقيا إلى 76.5 مليون طن بحلول عام 2025، وأن تلجأ البلدان إلى استيراد 48.3 مليون طن، ما يساوى 63.4 فى المئة من الاستهلاك.
وتفاقمت أزمات الغذاء فى ظل نقص واردات القمح والحبوب، داخل الدول الإفريقية، ووثق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، حجم الخسائر الإفريقية، حيث زادت معدلات تضخم المواد الأساسية الغذائية فى إفريقيا على المتوسط العالمى بنسبة 12.6 فى المئة.
ويهدد توقف تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، بتفاقم أزمة الغذاء العالمية، وقد قال "برنامج الغذاء العالمي" التابع لـ"الأمم المتحدة"، هذا الشهر، إن انعدام الأمن الغذائي في العالم "لا يزال غير مسبوق".
وأوضح البرنامج إن إعلان روسيا مؤخرا، انسحابها من اتفاقية لتصدير الحبوب والأسمدة عن طريق البحر الأسود، سيحد من صادرات المواد الغذائية الأوكرانية الحيوية التي غذّت 400 مليون شخص في جميع أنحاء العالم قبل عام 2022.
ومن المتوقع أن يؤدى انسحاب روسيا من الاتفاق، ووقف تصدير الحبوب من البحر الأسود، إلى قفزة في الأسعار العالمية للحبوب، في وقت تواجه العديد من البلدان بالفعل ارتفاعاً حاداً في تكلفة واردات الغذاء والوقود.
وتوقع صندوق النقد الدولي، الخميس الماضى، أن يؤدي انسحاب روسيا من اتفاق تصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود، إلى ارتفاع أسعار الحبوب العالمية بنسبة تتراوح بين 10 و15%، مشيراً إلى أنه يواصل تقييم الوضع.
وقال كبير الاقتصاديين في الصندوق، بيير أوليفييهجورينشا، إن اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود كان "نافعاً جداً" في ضمان إمكانية شحن إمدادات وفيرة من الحبوب من أوكرانيا ما خفف من ضغوط الأسعار على الغذاء.
ومع توقف صادرات الحبوب والأسمدة من روسيا وأوكرانيا عبر البحر الأسود، من المتوقع أن تنظر الدول المستوردة إلى بدائل ومصادر جديدة، لكن هذا قد يستغرق بعض الوقت، في حين أن التكلفة سوف تكون أكبر، وهو ما سوف سينعكس في ارتفاع الأسعار.
اترك تعليق