لم يعد ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية الأخرى يؤثران في العمل في المناطق المفتوحة، كما في قطاعات مثل التشييد والبناء أو الزراعة، إنما أيضاً في العمل داخل البيوت والمكاتب.
ولا تقتصر آثار موجات الحر على "التكلفة البشرية" فقط، بل تمتد لتشمل كلفة اقتصادية أيضا، حيث كشفت دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي عن أن النمو الاقتصادي يتراجع بنسبة 0.15-0.25% سنويًا عن كل درجة حرارة فهرنهايت زائدة على الطبيعي، وذلك في دراسة حول تأثير الحرارة العالية على الولايات الأمريكية في الصيف فقط!!!
وبشكل عام يخسر الاقتصاد العالمي قرابة 2.4 تريليون دولار سنويا بسبب موجات الحرارة، في ظل تقديرات منظمة العمل الدولية أن العاملين يخسرون 2% من ساعات العمل بسبب الحرارة المرتفعة، بما يعادل خروج أكثر من 80 مليون شخص من قوة العمل عالميًا بشكل دائم، وهو تأثير كبير للغاية ومن المحتمل أن يزيد مع استمرار الأرض في الاحترار، وذلك إما نتيجة صعوبة العمل في الخارج نتيجة الحرارة المرتفعة، أو بطء وتيرة العمل بسبب الحر وانخفاض الإنتاجية.
وبحسب دراسة من جامعة دارتموث العام الماضي كلفت موجات الحرارة الناجمة عن التغيرات المناخية التي يسببها نشاط البشرية، الاقتصاد العالمي خسائر بنحو 16 تريليون دولار على مدى 21 عاماً، بحسب ما ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز".
ويقدر مدير الصمود المناخي في مجموعة "سي 40" ساشين بويتي أن هناك حالياً 200 مليون شخص في مدن العالم المختلفة يتعرضون لخطر ارتفاع درجات الحرارة، ويتوقع أن يتضاعف هذا العدد ثمانية أضعاف بحلول عام 2050.
وحسب أرقام منظمة العمل الدولية فإن العاملين في المناطق المفتوحة والمكشوفة في درجات الحرارة العالية، مثل قطاع البناء والزراعة، هم الأكثر عرضة لخطر الموت أو الإصابة أو المرض وانخفاض معدلات الإنتاجية، وما بين عامي 1992 و2016، توفي 285 من عمال البناء والتشييد نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.
وبتفصيل بسيط على قطاعي الزراعة والبناء الاساسيين في حياتنا، فلا يؤثر ارتفاع درجات الحرارة على العاملين في قطلع البناء فحسب، بل على مواد البناء وعمليته أيضاً، فحديد التسليح يتعرض للتمدد والالتواء في ظل درجات الحرارة العالية، كما أن الخرسانة لا يمكن صبها في ظل درجات الحرارة العالية، مما يتطلب خلطها وصبها إما في الليل أو الصباح الباكر، وكل ذلك يعني زيادة في الكلفة بشكل كبير.
أما في قطاع الزراعة فلا يقتصر الضرر من ارتفاع درجات الحرارة على البشر العاملين في المزارع والحقول، بل أيضاً يؤثر في المزروعات ومحاصيلها، ولعل القرار الأخير للهند بحظر تصدير الرز نتيجة تضرر المحاصيل بسبب الأمطار الصيفية مؤشر آخر إلى تبعات التغير المناخي الذي لا يقتصر على ارتفاع الحرارة فقط على الاقتصاد الزراعي.
كما أن ارتفاع درجات الحرارة يضر بالمحاصيل أيضاً، فحسب أبحاث "المجلس الأطلسي" فإن محصول الذرة، أكبر المحاصيل الزراعية في الولايات المتحدة، يخسر ما يصل إلى 720 مليون دولار سنوياً نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، ويتوقع أن تصل تلك الخسائر بحلول عام 2030 إلى 1.7 مليار دولار.
وقطاع التأمين قد يضطر إلى رفع أقساط التأمين لتعرضه لمطالبات كبيرة عن كل ما هو مؤمن عليه، إذا تعرض لأضرار نتيجة ارتفاع درجات الحرارة أو التغيرات المناخية الأخرى.
وتنقل "فايننشال تايمز" عن مسؤول التأمين في شركة "برايس ووتر هاوس كوبر" للاستشارات محمد خان، قوله إن تقلب المناخ "سيغير من طريقة عمل القطاع في تعامله مع المخاطر من ناحية إدارتها وامتصاص تبعاتها".
فطبقاً لبيانات شركة إعادة التأمين الكبرى "سويس ري" ففي السنوات الخمس المنتهية بعام 2022 بلغت خسائر قطاع التأمين من أضرار الكوارث المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، مثل تدهور المحاصيل نتيجة الجفاف أو أضرار الحرائق على الممتلكات، نحو 46.4 مليار دولار، وذلك مقابل خسائر بقيمة 29.4 مليار دولار في السنوات الخمس السابقة.
إنه مع توقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، واستمرار الأضرار على القطاعات الاقتصادية المختلفة، سيتعين على العالم أن يتكيف مع هذا الوضع المستمر، فعلى سبيل المثال سيكون على المصانع والمستودعات مراعاة طلاء أسطحها باللون الأبيض العاكس للحرارة وزراعة الأشجار المظللة حول مبانيها بقدر كاف.
أما أنواع الخرسانة ومواد رصف الطرق وغيرها من مدخلات الإنشاء والبناء الحالية فلن تكون صالحة في المستقبل، لأنها تمتص الحرارة وتحتفظ بها، بالتالي سيتعين التكيف مع الأوضاع الجديدة بخامات ومواد أخرى أقل امتصاصاً للحرارة والاحتفاظ بها.
وسيكون على العالم أن يتكيف مع استمرار ضعف الإنتاجية في العمل المرتبط بارتفاع درجات الحرارة، يستوي في ذلك العمل في المناطق المفتوحة والمكشوفة مع العمل في المباني والمصانع ومن المنزل. (اندبندنت عربية ووكالات).
اترك تعليق