مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

"الحر الشديد" يجتاح العالم.. والخطر يهدد البشر والحجر


تعيش جميع مناطق العالم هذه الأيام، تحت وطأة موجة حر شديدة، مع تسجيل درجات حرارة قياسية في عدة بلدان، من الصين مرورا بأوروبا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، ما دفع السلطات إلى اتخاذ تدابير جذرية للتعامل مع القيظ والحرائق التي تُعزى إلى الاحتباس الحراري وتغير المناخ. 



مخاوف من وفاة عشرات الآلاف.. ونتائج سلبية على الزراعة والاقتصاد والبنية التحتية


في أوروبا، تواجه دول إيطاليا وإسبانيا واليونان وشرق فرنسا وبولندا وألمانيا موجة حارة واسعة. وأظهرت تسجيلات الأقمار الصناعية في إسبانيا أن درجة حرارة الأرض في بعض المناطق تجاوزت 60 درجة مئوية، خلال موجة الحر القاتلة التي اجتاحت أوروبا، وفق ما ذكرت صحيفة" الإندبندنت" البريطانية. 
وكان الجو حارًا جدًا لدرجة أن خريطة الحرارة التي تسلط الضوء على درجات الحرارة الحارقة باللون الأحمر، تحولت إلى درجة أغمق - إلى الأسود.
وأدى حريق هائل اندلع في جزيرة لا بالما بجزر الكناري الإسبانية، إلى احتراق العديد من المنازل، وأجبر 500 شخص على الإجلاء، حسبما أفادت حكومة جزر الكناري الإقليمية، صباح السبت الماضى.
وتشهد إيطاليا، من الشمال إلى الجنوب، موجة حر ارتفعت خلالها درجات الحرارة إلى معدلات غير مسبوقة، إذ سجلت في العاصمة روما 40 درجة مئوية، الاثنين، ومن المتوقع أن ترتفع  إلى 42 أو 43 درجة مئوية، الثلاثاء، وهذا أعلى من الدرجة القياسية السابقة البالغة 40,5 درجة مئوية التي سُجلت في العاصمة في أغسطس 2007.
وذكرت صحيفة "إل ميساجيرو" الإيطالية، إن لاعبين هاويين لكرة القدم يبلغان 48 و51 عاما، توفيا مساء الجمعة الماضى، بعد إصابتهما بإعياء جراء الحر على الأرجح خلال مبارتين في منطقة نابولي في الجنوب.
ولن يكون شمال إيطاليا في منأى من موجة الحر، إذ يتوقع أن تصل الحرارة إلى 38 درجة مئوية، الثلاثاء، في ميلانو. ووُضعت الخدمات الصحية والطبية في جميع أنحاء البلاد في حالة تأهب لتقديم الرعاية للأكثر ضعفا والتدخل في دور رعاية المسنين.
وأصدرت الحماية المدنية تنبيهات من اندلاع حرائق في معظم أنحاء سردينيا اعتبارا من الأحد، وكذلك في شرق صقلية، بين ميسينا وكاتانيا.
وتعاني اليونان أيضا من موجة حارة اضطُرت السلطات إلى إغلاق "الأكروبوليس" في أثينا خلال الساعات التي ترتفع فيها الحرارة.  ونشر الصليب الأحمر اليوناني، منذ الخميس، فريقا في الموقع قدم المساعدة لعشرات السياح الذين شعروا بالإعياء، ووزع أكثر من 50 ألف زجاجة من المياه. وقررت السلطات إبقاء معظم المتنزهات والمساحات الخضراء في أثينا مغلقة أيضا السبت الماضى.
وبالمثل، تقرر إغلاق قصر كنوسوس في جزيرة كريت خلال ساعات الحرارة الشديدة أمام السياح. وفي وسط اليونان، في منطقة طيبة، ارتفعت الحرارة الجمعة إلى 44,2 درجة مئوية. وحذرت سلطات اليونان من ارتفاع مخاطر نشوب حرائق.
وفي ألمانيا، ارتفعت درجات الحرارة إلى 38 درجة، في أنحاء واسعة من البلاد.
وأدت موجة الحر الحالية - التي أطلق عليها اسم "سيربيروس"، من قبل جمعية الأرصاد الجوية الإيطالية على "اسم الوحش ذي الرؤوس الثلاثة"، الذي يظهر في "جحيم" دانتي - إلى مزيد من المخاوف على صحة الناس، لا سيما أنها تتزامن مع واحدة من أكثر فترات السياحة الصيفية ازدحامًا في أوروبا.
وأوروبا ليست المكان الوحيد الذي يواجه درجات حرارة قصوى. في الولايات المتحدة، تتضخم أيضًا موجة الحر الشديدة، إذ ترتفع درجات الحرارة في الجنوب الغربي لتصل "49 درجة مئوية"، مع وجود أكثر من 90 مليون شخص تلقوا تنبيهات الحرارة.
في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، سجّل وادي الموت الشهير، وهو أحد أكثر الأماكن حرارة على وجه الأرض، أرقاما قياسية لامست 54 درجة مئوية. وينهمك رجال الإطفاء، في مكافحة عدة حرائق مستعرة اجتاحت أكثر من 1214 هكتارا وأدت إلى إجلاء أعداد كبيرة من السكان.
وطال الطقس المتطرف مناطق بعيدة، مثل أستراليا، إذ تشهد سيدني طقسًا دافئًا بشكل غير معتاد، في أشهر الشتاء، وفقًا لمكتب الأرصاد الجوية في البلاد.
وفي آسيا، تعاني بعض مناطق جنوب وشرق الصين، بما في ذلك العاصمة بكين، من موجة حر شديدة مع درجات حرارة بين 35-40 درجة مئوية، وفقا للأرصاد الجوية. وفي أجزاء من مناطق شمال غرب البلاد، يمكن أن تتجاوز بعض المدن 40 درجة مئوية.
وفي اليابان، دعت السلطات السكان إلى توخي الحذر مع توقع أن تصل درجات الحرارة إلى 39 درجة مئوية يومي الأحد والاثنين في شرق البلاد.
وفي الصيف الماضي، سجلت أوروبا، التي تشهد أسرع ارتفاع في درجات الحرارة، نحو 60 ألف وفاة مرتبطة بالحر الشديد. وهناك مخاوف أن يتضاعف العدد نتيجة موجة الحر القاسية الحالية. 
وفي العقدين الماضيين، ارتفعت درجة الحرارة في أوروبا بنسبة نصف درجة مئوية لكل عقد، بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية. 
والآن، يتوقع الخبراء أن تستمر درجات الحرارة في العالم بالارتفاع بمعدل درجتين مئويتين بحلول عام 2050. لكن الخبراء يحذرون من أن الارتفاع في درجات الحرارة التي ستشهدها أوروبا سيكون أعلى من ذلك.
يقول آلان كيندي - آسر، أستاذ العلوم الجغرافية في جامعة بريستول البريطانية، إن التوقعات بارتفاع حرارة الأرض بدرجتين هو معدل عام يشمل كذلك المحيطات التي ترتفع حرارتها بشكل أبطأ من البر. ويضيف أن هذا يعني أن درجات الحرارة في البر سترتفع بشكل أكبر وتصل إلى 3 درجات أو أكثر في أوروبا.
ويقول الخبراء إن تأثيرات ارتفاع درجات الحرارة ستظهر على البشر والحجر. وبحسب معهد دراسات الاستدامة المتقدمة في مدينة بوتسدام الألمانية، فإن أعداد الوفيات المرتبطة بارتفاع الحرارة سترتفع في السنوات المقبلة. 
وتقول الباحثة في المعهد إيريكا فون شنايديمسر، إن ارتفاع درجات الحرارة والتلوث الذي تتسبب به زيادة كمية غاز الأوزون في الهواء، سيؤديان إلى ارتفاع أعداد الوفيات بشكل مبكر، وستزداد الأمراض المرتبطة بوظائف الرئة والأمراض التنفسية. 
وتضيف فون شنايديمسر، أن زيادة الأوزون في الهواء، الناتجة عن ارتفاع درجة الحرارة، ستؤدي بدورها إلى عدم قدرة كثير من الأشخاص على العمل أو تأدية وظائفهم، وسيؤثر ذلك بشكل كبير على المسنين. وترى الباحثة أن هذا ستكون له آثار مباشرة على الأنظمة الصحية في أوروبا بسبب زيادة الضغط على المستشفيات.
وتطال تأثيرات التغيرات المناخية المحاصيل الزراعية كذلك. وتتوقع الباحثة فون شنايديمسر، بحسب دراسة قادتها ونشرت قبل عامين، انخفاض نسبة إنتاج القمح في أوروبا بنسبة 10 في المائة بحلول عام 2025 مقارنة بعام 2000، وانخفاض كمية حصاد الذرة بنسبة 40 في المائة في الفترة نفسها.
وأبعد من التأثيرات على الكائنات الحية، يحذر خبراء من تأثيرات أخرى ستكون لها عواقب اقتصادية كبيرة على الدول الأوروبية. ويقدر الباحث في معهد "بوتسدام" لبحوث تأثير المناخ، حازم كريشان، الخسائر الاقتصادية التي ستترتب على الدول الأوروبية بالتريليونات. 
ويقول إن إيطاليا هي الدولة الأكثر عرضة للخطر في أوروبا، بحسب اختبار الإجهاد المناخي على الاقتصادات الأوروبية الرئيسية، فيما تواجه ألمانيا الخطر الأقل. ويقدر كريشان الخسائر الناجمة بشكل أساسي عن حرائق الغابات وشح المياه والفيضانات، إضافة إلى تكلفة الانتقال للطاقة الخضراء، على أكبر 5 اقتصادات في أوروبا (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا)، بأكثر من 30 تريليون يورو بين عامي 2020 و2025. ويقول إن إيطاليا وحدها ستواجه خسائر بنسبة 14 في المائة من ناتجها الإجمالي حتى عام 2025. 
ويتحدث الخبير في التغير المناخي كذلك، عن ازدياد مخاطر خسارة كثير من الممتلكات لقيمتها في دول غير مجهزة للحر الشديد، مثل ألمانيا. ويعطي أمثلة عن المنازل التي تقع في مناطق فيضانات أو في الغابات، وتعاني من خسائر لقيمتها بسبب المخاطر المزدادة عليها مقابل ارتفاع تأمينها بسبب المخاوف من تعرضها للخراب.
وتزداد المخاوف فعلاً بشأن مدى قدرة الدول الأوروبية، الجنوبية خاصة، على التعامل مع موجات الحر الشديد، خصوصاً أن بنيتها التحتية غير مؤهلة لذلك.
ورغم أن دول جنوب أوروبا، مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان، قد تواجه فاتورة عالية بسبب التغير المناخي، فهي معتادة على التعامل مع الحر الشديد، وبنيتها التحتية مؤهلة أكثر للتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة المرتقبة. في المقابل، تواجه دول شمال أوروبا تحديات غير مسبوقة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة فيها.
ويعطي كيندي - آشر، الأستاذ في جامعة بريستول، مثلاً على ذلك ما شهدته بريطانيا الصيف الماضي من ذوبان أسفلت مدرجين في مطار لوتن في لندن، بعد أن وصلت درجة الحرارة في منتصف يوليو الماضي، إلى 39 درجة مئوية. 
ويتحدث كيندي - آشر، كذلك، عن امتداد تأثير ارتفاع الحرارة إلى تأخير سير القطارات وإمدادات الكهرباء بسبب تعرض بعض المحطات للحرارة المرتفعة. 
ويشير كيندي - آسر إلى هندسة المنازل كذلك، خصوصاً القديمة منها المبنية في القرن التاسع عشر، التي شيدت لكي تحفظ الحرارة بسبب برودة الطقس. وتسبب ارتفاع درجات الحرارة في السنوات الماضية، بتشققات في هذه الأبنية القديمة التي تستخدم طيناً يتمدد مع مياه الأمطار، لكنه ينحسر في الجفاف ومع ارتفاع درجات الحرارة.
وعلى الطرف الآخر من الكرة الأرضية، ما زالت تتقلص كميات الكتل الجليدية في القطب الجنوبي، ما يزيد من مخاطر ارتفاع مياه المحيطات بسبب ذوبانها والتسبب بفيضانات كارثية. وبحسب خبراء، فإن الكتل الجليدية الطافية في القطب الجنوبي وصلت إلى أدنى مستوياتها الشهر الماضي، مقارنة مع الحقبة ما قبل الصناعية.
ومع استمرار ارتفاع درجة حرارة الأرض، ستستمر الكتل الجليدية في الذوبان بوتيرة متسارعة. ولا يستطيع خبراء البيئة تحديد كمية الجليد التي ستذوب في غرينلاند وغرب القارة القطبية الجنوبية وتنتهي مياهها في المحيطات، ولكن ذوبان كامل الصفائح الجليدية في العالم سيؤدي إلى رفع مستوى البحر بمعدل 70 متراً، ما يعني أن المدن الساحلية سيتم طمرها وأن مساحة البر ستتقلص بشكل كبير.
ومع ذلك، ورغم التوقعات بأن تستمر الطبقة الجليدية بالذوبان، يستبعد خبراء ذوبان كامل جبال الجليد، ويستندون إلى أنها عايشت فترات حر في الماضي من دون أن تتعرض للذوبان الكامل.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق