استيقظ أهالي مدينة جنين ومخيمها، صباح الاثنين، على عدوان جديد شنته قوات الاحتلال الإسرائيلي، أسفر حتى الآن عن استشهاد 10 فلسطينيين وإصابة ما يزيد على 100 آخرين.
قوات الاحتلال تجتاح المدينة والمخيم بعد قصفهما بالصواريخ
تجريف الشوارع وتدمير شبكات الكهرباء والمياه.. تهجير السكان
مجزرة 2002 تتكرر.. عشرات الشهداء والجرحى والاعتقالات
وبدأت قوات الاحتلال، عدوانها على مدينة جنين ومخيمها، بعد منتصف ليل الاثنين، بقصف منزل وسط مخيم جنين، كما قصفت طائرات الاحتلال بالصواريخ عدة مواقع داخل المخيم وعلى أطرافه.
وفى أعقاب القصف، اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال مدعومة بـ 150 آلية عسكرية ترافقها جرافات، وتحت غطاء من المسيرات، مدينة جنين من عدة محاور، وحاصرت مخيم جنين، وقطعت الطرق التي تربط بين المدينة والمخيم، واستولت على عدد من المنازل والبنايات المُطلة عليه، ونشرت قناصتها فوق أسطحها، وقطعت التيار الكهربائي عن أجزاء كبيرة من المخيم، وجرفت بعض الشوارع بالجرافات و"البلدوزرات" العسكرية.
وجاء اقتحام قوات الاحتلال مدعومة بالأليات العسكرية وبغطاء من المسيرات، مدينة جنين ومخيمها، بذريعة ضرب البنية التحتية للإرهاب، كما ادعى جيش الاحتلال في بيان له على "تليجرام".
وأظهرت مقاطع فيديو مركبات الاحتلال، وهي تسير في شوارع جنين، إذ قال جيش الاحتلال إن قواته استهدفت مركز القيادة العملياتية المشتركة لمخيم جنين، وكتيبة جنين.
وأجبرت قوات الاحتلال العديد من المواطنين على ترك منازلهم وتهجيرهم قسرًا. واعتقلت ما لا يقل عن 120 شخصًا من مدينة جنين، حيث تعمد الاحتلال ثقب العديد من المنازل، لتسهيل مهامه في التنقل داخلها وتفتيشها واعتقال سكانها.
وأفادت تقارير بأن أعدادًا كبيرة من العائلات الفلسطينية غادرت منازلها مع تكرار القصف الإسرائيلي لبلدة ومخيم جنين بالضفة الغربية.
وقال شهود عيان، إن قوات الاحتلال أجبرت مئات المواطنين على إخلاء منازلهم، في بلدة ومخيم جنين، وتحديدًا في المنطقة القريبة من دوار الحصان، وذلك بعد أن طالبتهم قوات الاحتلال عبر مكبرات الصوت بإخلاء المنازل، إذ لجأت العائلات لساحات المستشفيات وقاعة بلدية جنين.
وقال محمد جرار، نائب رئيس بلدية مدينة جنين، إن الاحتلال الإسرائيلي استهدف الأحياء المجاورة لجنين بقصف مباشر. وأضاف إن جيش الاحتلال أدخل أكثر من 16 جرافة في جنين؛ لتجريف الشوارع بالكامل.
وتابع جرار إن الاحتلال قام بتفجير خطوط المياه الرئيسية في جنين والأحياء المجاورة. وأشار إلى أن هناك انقطاعًا للتيار الكهربائي والمياه عن العديد من الأحياء المجاورة لجنين، لافتًا إلى أن أحد الشهداء ظل ينزف حتى الموت لصعوبة وصول الإسعاف إليه.
ودعا نائب رئيس بلدية جنين المجتمعين الدولي والعربي للتدخل لإيقاف العدوان الإسرائيلي في جنين، مشيرًا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم عشرات الأسر في العمارات السكنية دروعًا بشرية.
والعدوان الإسرائيلي المتواصل منذ الساعات الأولى من اليوم الإثنين على مدينة جنين ومخيمها، خلّف دمارًا في البيوت والبنية التحتية، وأعاد إلى الأذهان الدمار الكبير الذي خلفه اجتياح أبريل 2002، حين ارتكبت قوات الاحتلال أكبر المجازر منذ نكسة 1967، واستشهد فيها أكثر من 52 مواطنًا.
في 2002، جرى تدمير 10% من المخيم تدميرًا كاملًا، إذ سوّيَ أكثر من 100 مبنى بالأرض، وتضرر نحو 100 مبنى تضررًا جزئيًا، وشردت على إثر ذلك 800 أسرة، يقدر عدد أفرادها بأكثر من 4 آلاف شخص.
واستخدم جيش الاحتلال، آنذاك، أبناء المخيم كدروع بشرية، واعتقل العشرات بعد التنكيل بهم، ومنع طواقم الإسعاف من الوصول للجرحى داخل المخيم، ومنَع عددًا من الحالات المرضية المزمنة من الخروج من المخيم المحاصر، لتلقي العلاج.
وذكر تقرير أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، آنذاك أيضًا أنه تم الوصول إلى جثث متفحمة، وأخرى متعفنة تحت الأنقاض، إذ ارتكب جنود الاحتلال جرائم إعدام ميدانية للعديد من أهالي المخيم، الذين رفضوا مغادرة منازلهم.
ومع بداية العام الجاري 2023، كثفت قوات الاحتلال اقتحامات جنين ومخيمها، بزعم اعتقال مطلوبين فلسطينيين نفذوا هجمات ضد إسرائيليين. ويدعي الاحتلال أن جنين معقلًا للأجنحة المسلحة للفصائل الفلسطينية.
في شهر يناير، نفذت قوات الاحتلال عملية عسكرية كبيرة في مخيم جنين، بزعم استهداف خلية عسكرية لحركة الجهاد الإسلامي، واستشهد 3 منهم، خلال اشتباكهم المسلح مع قوات الاحتلال.
وفي مارس، استشهد 6 فلسطينيين بمداهمة للجيش الإسرائيلي لمخيم جنين في الضفة الغربية تضمنت محاصرة منزل يتحصن فيه عدد من النشطاء.
وأعلن جيش الاحتلال أن العملية استهدفت اغتيال الناشط عبدالفتاح خروشة من "كتائب القسام"، المتهم بتنفيذ عملية إطلاق نار في بلدة حوارة بنابلس وقتل إسرائيليين.
وفي أبريل، اقتحمت قوات الاحتلال مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين، وحاصرت العديد من المنازل، وسط تحليق مكثف للطائرات في الأجواء. كما دفعت بتعزيزات كبيرة، حين اندلعت اشتباكات عنيفة بينها وبين الشباب الفلسطينيين. وأسفرت العملية آنذاك عن عدد من الشهداء والجرحى.
وفي مايو، اقتحمت قوة كبيرة من جيش الاحتلال مدعومة بالآليات العسكرية مخيم جنين، ودارت اشتباكات عنيفة مع عناصر من سرايا القدس في المخيم.
ويأتى العدوان الحالى على جنين، بعد أقل من أسبوعين من عملية عسكرية نفذتها قوات الاحتلال على المدينة الباسلة، وأسفرت عن استشهاد 5 فلسطينيين على الأقل وإصابة العشرات.
وتعد العملية العسكرية التي نفذها جيش الاحتلال في جنين ومخيمها، 19 يونيو المنصرم، الأكبر من سابقاتها هذا العام، إذ أصيب ما يزيد على 40 مواطنًا فلسطينيًا بالرصاص.
وتعد جنين أكبر مدن محافظة جنين، تقع في شمال الضفة الغربية المحتلة. وتبعد عن القدس مسافة 75 كيلومترًا إلى الشمال، وتطل جنين على غور الأردن من ناحية الشرق، وتقع المدينة على السفح الشمالي لجبال نابلس على الجانب المطل على مرج بن عامر.
وتأسس المخيم عام 1953 ضمن حدود بلدية جنين، وينحدر أغلب سكانه من منطقة الكرمل في حيفا وجبال الكرمل، التي هجر سكانها خلال نكبة عام 1948.
وبلغت مساحة المخيم عند الإنشاء 372 دونمًا، اتسعت إلى نحو 473 دونمًا، وبلغ عدد سكانه عام 1967 نحو 5019 نسمة؛ وفي عام 2007 وصل 10.371 نسمة.
وحسب تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد سكان المخيم في منتصف 2023 نحو 11674 لاجئًا.
ويقطن مدينة جنين 40 ألف نسمة، وتعد أكبر مدن المثلث الواقع بين جنين ونابلس وطولكرم. ويستهدف الاحتلال جنين بالغارات المتكررة، لاعتبارها حاضنة للمقاومة الفلسطينية، ورأس الحربة لما يُسمى بـ"مثلث الرعب" في الضفة الغربية.
وقدمت جنين في الأعوام الثلاثة الماضية أكثر من 132 شهيدًا، أكثر من نصفهم من مخيم المدينة. وجاء في تقرير نشرته وكالة الأنباء الرسمية الفلسطينية "وفا"، أن مدينة جنين قدمت في عام 2021 "16 شهيدًا"، وفي 2022 "56"، وفي 2023 "61" شهيدًا حتى اللحظة. فيما تشير إحصائية من مخيم جنين إلى أن عدد شهدائه منذ 1967 بلغ 202 شهيد.
وعاد مخيم جنين إلى الواجهة مع ظهور تشكيل جديد في 2021، بعد سنوات من الهدوء حمل اسم "كتيبة جنين"، ويضم عناصر من تنظيمات الجهاد الإسلامي وحركتي فتح وحماس، إضافة إلى عناصر لا تنتمي لأي تنظيمات سياسية.
ولا يعرف العدد الحقيقي لأفراد "كتيبة جنين"، وإن كان يظهر العشرات منهم خلال العروض العسكرية أو في أثناء المشاركة في تشييع جثمانين مقاتلين سقطوا خلال اشتباكات مع القوات الإسرائيلية.
ويستخدم أفراد "كتيبة جنين" خلال الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية قنابل بدائية محلية الصنع. ولا يقتصر أفراد "كتيبة جنين" على أبناء المخيم، فهناك عناصر من مدينة جنين والقرى المجاورة ينضمون إلى هذه المجموعة ويشاركون معهم في القتال ضد قوات الاحتلال خلال الاقتحامات المتكررة.
ويعزو المراقبون الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة لجنين ومخيمها، خلال الشهور القليلة الماضية، إلى هدف الاحتلال فرض واقع جديد في الضفة والمدن المحتلة، بالتزامن مع زيادة عملية الاستيطان في تلك المناطق.
وكشف تقرير إسرائيلي أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية، تجاوز النصف مليون. فيما تضع الحكومة الإسرائيلية الجديدة توسيع المستوطنات على رأس قائمة أولوياتها.
كما يشير المراقبون إلى أن العدوان الإسرائيلي الأخير على جنين، يمثل محاولة من قبل جيش الاحتلال والحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة برئاسة بنيامين نتنياهو، لذر الرماد في العيون، والتغطية على "إرهاب المستوطنين" ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.
وبلغت هجمات المستوطنين على الفلسطينيين مستويات قياسية مرتفعة العام الماضي، واستمرت في الزيادة منذ تولي حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليمينية، السلطة في يناير، التي سرّعت وتيرة التوسع الاستيطاني.
وأثار إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين العزل، بحراسة قوات الاحتلال، إدانات دولية واسعة، ما أضاف ضغوطًا جديدة ضد الحكومة الإسرائيلية، التي تواجه أيضًا احتجاجات داخلية واسعة لا تزال مستمرة ضد التعديلات القضائية.
اترك تعليق