قنبلة موقوتة بالشوارع العامة والجانبية، وعلي سلالم محطات المترو والأرصفة، وأسفل الأشجار والحدائق العامة، وبمحيط الجوامع الكبري والأضرحة، أنهم "المتشردون" من الصغار وكبار السن، الذين باتوا يهددون أمن المارة بالطريق، لا يأمن جانبهم، منهم مرضي نفسيين ومضطربين عقليا.
فها هي فئة الصغار منهم يهرعون خلف السيارات بإشارات المرور إما لبيع المناديل والورد والفل، أولمسح الزجاج بالقوة بعد رفع المساحات " لإثبات حالة"، وأما من كبر في السن منهم ، فيفترش الأرصفة، أو يسير هائما علي وجهه بهيئته الرثة شعرا كثيفا وملابس مهلهلة تشبعت بالقاذورات.
لا تعلم هل تفنن في صنعها لكسب التعاطف ومد يد العون له، أم هو بالفعل من أصحاب الاضطرابات العقلية، أو ممن دفعته ظروفا اجتماعية قاسية إلي الشارع بحثا عما افتقده داخل الأسرة، أم هو ممن ضل الطريق وعجز عن الرجوع لتأخر قدراته العقلية، أم هم من جيل "حمل السفاح".
في كل الأحوال كل هؤلاء أصبحوا قنبلة موقوتة بالشوارع وخطرا داهما علي المجتمع وعلي أنفسهم.
"الجمهورية أون لاين" ناقشت مع المختصين والجهات المعنية هذه الظاهرة وأسبابها الحقيقة وكيفية علاجها لحماية المجتمع منهم، وإصلاحهم وحمايتهم هم شخصيا.
شددت د. عزة فتحي. أستاذ مناهج علم الاجتماع بجامعة عين شمس علي ضرورة تدخل الدولة ومنظمات المجتمع المدني لجمع هؤلاء والعمل علي تأهيلهم نفسيا. وتدريبهم علي الحرف طبقا لمهاراتهم والاستفادة منهم في مختلف الأعمال ومتابعتهم. وقالت: خطرهم علي المجتمع كبير من حيث انتشار جرائم التحرش، والسرقة، والتسول، والطعن بألات الحادة.
إضافة الي ممارسة البعض منهم للأعمال المنافية للأداب مع بعضهم. وإنجاب أطفال سفاح مما يترتب عليه زيادة عدد المشردين.
فجرت د. وفاء نعيم. أستاذ علم الاجتماع المساعد بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية. مفاجأة حين أكدت أنه بعد حصر أعداد المشردين بالشوارع وبلا مأوي سواء "كبار. أطفال. أسر كاملة" علي مستوي الجمهورية تنفيذا للتوجيهات الرئاسية. جاء العدد يفوق التوقع حيث قالت: كنت علي رأس وفد بحثي بالقليوبية منذ حوالي خمسة أشهر. فتم رصد ما يقرب 10 ألاف شخص متخذين من الشوارع ملجأ لهم.
أضافت: بالفعل زادت ظاهرة التشرد في الأونة الأخيرة بشكل كبير بسبب زيادة معدلات الفقر. وخاصة مع تداعيات جائحة كورونا التي أثرت علي العمالة غير المنتظمة ففقدت مصادر دخلها. فضلا عن عامل إضافي طرءا مؤخرا. وهو الحرب الأوكرانية . وتداعياتها علي العالم كله وكذلك مصر. وما تسببت فيه من زيادة في التضخم وأرتفاع الأسعار. لذلك لجأ البعض إلي الشارع للتسول سواء بطريقة مباشرة أو مقنعة كبيع المناديل والكمامات . أيضا هناك تغيرات طرأت علي الأسرة المصرية حيث أصبح الشخص كبير السن يساء معاملته من الأبناء فيتم مثلا طردهم من البيت بسبب الزوجات. أو كشقيق يطرد شقيقته لنفس السبب. والنتيجة فأن هؤلاء سواء كانوا من الكبار أو الصغار أصبحوا يمثلون ظاهرة خطيرة علي المجتمع وعلي أنفسهم . فنجدهم يتعرضون لأشكال كبيرة من الانتهاكات "جنسية وجسمانية" وكذلك استغلالهم في تجارة المخدرات والدعارة وتجارة الأعضاء أو استخدامهم في أعمال العنف والبلطجة. كما هناك فئة منهم تجوب الشوارع دون أيذاء غيرهم. وكانت وزارة الداخلية قد ألقت القبض مؤخرا علي عصابة كبيرة من مافيا تجارة الأعضاء عناصرها وضحاياها من المشردين بالشوارع.. وأما عن الحلول فهي تكمن في ضرورة تضافر الجهود بين كل مؤسسات الدولة لوضع خطة محكمة للمواجهة المجتمعية لظاهرة التشرد . فالدور منوط به وزارت مثل التضامن والشباب والثقافة والأوقاف . مع الإعلام والصحافة والكنيسة والمسجد والمدراس والجامعات والنوادي ومراكز الشباب. ليحدث التنسيق الكامل بين كل هذه الجهات. مع الاستفادة من جهود الشباب المتحمسين لعمل المبادرات الشعبية وتشجيع الدولة عليها. ومدام هناك توجهات رئيسة بحصر هولاء في الشارع. فهذا دليل عن وعي القيادة السياسية بهذه المشكلة. واخيرا كان من ضمن التوصيات التي خرجت بها أبحاث.
المركز القومي أولها. ضرورة المواجهة المجتمعية. والتنسيق بين الجهات في الدولة. وتعظيم دور الجمعيات الأهلية العاملة في المجال. تعزيز وتكثيف المبادرات المجتمعية للشباب. والعمل علي حل المشاكل التي تواجه الأسرة المصرية. مثل التفكك الأسري والطلاق المبكر. لأنها المفرخة التي تخرج لنا المشردين من الكبار والصغار. من أجل مواجهة مجتمعية واحدة.
قال د. طلعت عبد القوي رئيس الاتحاد العام للجمعيات الأهلية: هناك أعمار مختلفة من المشتردين متواجدة بالشوارع سواء صغار أو شباب أو كبار السن. واغلبهم يعاني من أمراض نفسية وعقلية. ودور الجميعات الأهلية لا ينفضل عن وزارة التضامن الاجتماعي. والتي هي معنية بهذه الفئة بشكل كبير. والجمعيات الأهلية تتحرك بالتنسيق معها من أجل تقديم الخدمات الصحية والاجتماعية. والمساعدات لهذه الفئة. فبعد التواصل مع الوزارة وتأكيد أماكن الأشخاص المتشردون. يتم التقابل معهم. والاستماع لهم. ومحاولة استيعاب حديثهم. أو جرهم الحديث إذا كانوا متحفظين في الكلام أو من المرضي النفسيين. ويعرض عليهم عدة حلول من أجل وضع أفضل لهم من البقاء في الشارع. مثل نقلهم إلي المستشفيات لتلقي العلاج إذا كانوا يعانون من الأمراض سواء عضوية أو نفسية. أو نقلهم إلي دور رعاية متخصصة لتقديم كافة الرعاية لهم وكافة الدعم. و هناك من يستجيب وآخرون يرفضون. لكن تظل الجمعيات تقوم بهذا الدور يدا بيد مع وزارة التضامن. والتي وتُخصص خط ساخن للتعامل السريع والمباشر. حتي يتمكن المواطنون من الاتصال وطلب لنزول لمثل هذه الحالات بالشوارع.
وأوضح محمد يوسف رئيس فريق التدخل السريع بوزارة التضامن الاجتماعي دور "التضامن" قائلا: وزارة التضامن تدير ملف مواطنين بلا مأوي من خلال العديد من الآليات وفي اتجاهات متعددة.
أضاف: تم إسناد التعامل مع هذه الفئة لفرق التدخل السريع علي مستوي الجمهورية منذ عام 2015.
وفي عام 2016 تم إطلاق برنامج اطفال بلاماوي بالتعاون مع صندوق تحيا مصر للتعامل مع ظاهرة الأطفال في الشارع وعلي مستوي 31 محافظة هي الأكثر كثافة في وجود الأطفال.
ومن ناحية أخري تم تطوير عدد من المؤسسات للتعامل بكفاءة وفعالية مع الأطفال بلامأوي. والتي تنجح الفرق في ايداعهم بهذه الدور ليتم تهيئتهم نفسيا واجتماعيا وتعليميا بالإضافة إلي إعادة ادمجهم بأسرهم الطبيعية.
في مجال الكبار بلا مأوي تم افتتاح عدد من الدور لاستيعاب هذه الفئة وصل عددها إلي 25 دار لرعاية اجتماعية علي مستوي الجمهورية. تقوم علي إعادة تأهيل الحالات علي المستوي النفسي والاجتماعي من خلال جهاز وظيفي مدربوتقوم الفرق سواء التابعة للدولة أو الفرق التابعة للجعيات العاملة في مجال مواطنين بلامأوي بالنزول إلي الشارع والتعامل مع الحالات وإقناعهم بالانتقال إلي أحد دور الرعاية الاجتماعية . ومن خلال التنسيق مع منظومة الشكاوي الحكومية الموحدة يتم نقل بعض الحالات إلي مستشفيات التابعة إلي وزارة الصحة لإجراء التدخلات الطبية الأزمة وبعدها يتم نقل الحالات إلي دور الرعاية الاجتماعية.
عن لماذا تتزايد أعداد المتشردين بالشوارع رغم كل هذه الجهود قال: رئيس التدخل السريع: تنقسم الحالات الموجودة في الشارع إلي عدة فئات.
طالب صابر سعد المحامي بالنقض والإدارية العليا. بـضرورة تقديم مقترح قانون من شأنه القضاء علي ظاهرة التشرد بالشوارع قائلا: لا مفر من قيام اللجنة التشريعية بمجلس النواب من وضع تشريع قانون جديد وتقديم مقترح بشأنه علي وجه السرعة. وتعدد بنود القانون حالات الاشتباه في الأشخاص سواء أطفال.. كبار.. كلا علي حدة. وتحدد حالات المصابين منهم بأمراض عقلية.
والهيئة الرثة. ومفترشي الشوارع والأرصفة. والهاربين من الأحكام منهم. وليتم الضبط وفقا للحالات المشتبه بها. ثم يتم إيداع هذه الحالات وفق الأعمار حسب حالتهم النفسية والصحية والاجتماعية. دور الرعاية. مع محاولة التوصل لذويهم من خلال برامج الرعاية الاجتماعية بالدولة وحبس الهاربين منهم من أحكام قضائية. ومرتكبي الجرائم وفقا للقانون. كما يجب أن ينص القانون علي تطبيق برامج التأهيل لكل المشردين وأطفال الشوارع وذلك وفق اطار قانوني وبرنامج زمني لكل سن علي حدة . وتعليمهم حرفة تنمي فيهم قيمة العمل وكسب قوت يومه. والحفاظ علي حقه في الحياة لحفظ المجتمع من جرائم محتملة الوقوع.
لم تغفل "الجمهورية أون لاين" لقاء نموذج من المتشردين أنفسهم والاستماع لهم في محاولة لانتشالهم من الشارع ونقلهم إلي مكانا كريما. ودور رعاية. يوفر لهم المأوي والمأكل والملبس. حيث صاحبت "الجمهورية أون لاين" فريق الوحدات المتنقلة بوزارة التضامن الاجتماعي المخصصة لإنقاذ من هم بلا مأوي.
عايشت محاولة نقل سيدة مسنة تعدت الستين عاما كانت قد اتخذت مم أسفل كوبري أبو الريش بالسيدة زينب مفترشا لها. إلا أن محاولة إقناعها التحرك مع الفريق لتسيكنها وتقديم كافة الرعاية الصحية والاجتماعية لها بأت بالفشل. فبعد أن وصلنا والفريق إلي حيث تأوي تبين بالفعل أنها سيدة مسنة تدعي "أمينة. ع" تبلغ من العمر حوالي 67 عاما. تفترش أسفل الكوبري المجاور لمحطة المترو. في حالة يرثي لها. فبدأ منسق "فريق بلا مأوي". "هشام عبدالله" بالتحدث معها ليعرفها بشخصه وبقية أعضاء فريقه. ثم هدأت المسعفة "رشا رضا" من روع السيدة وبدأت بفحصها لعلها تحتاج إلي رعاية طبية. وبادر أخصائي نفسي مصاحب للفريق بالحديث إلي "المسنة" ليحاول الجميع في كل لطف إقناعها بالانتقال إلي دور للرعاية. لكنها رفضت. وأصرت علي بقائها في موضعها. وحتي محررة "الجمهورية أون لاين" والمصور فشلت محاولتهم في إقناعها. فيبدو أن هذا الحال يمثل وضعا مفضلا لها. للتكسب واستعطاف المارة . وجلب مزيد من المال والعطايا عليها.
يري د.جمال فرويز أستاذ الطب النفسي أن هذه الفئة خرجت الشوارع تحت ضغوطات الحياة والمرض النفسي قائلا: هناك عدد كبير من المتشردين تعرضوا لضغوطات واضطرابات نفسية شديدة داخل أسرهم ومنهم من أهمل علاجهم وليس شرط أن يكونوا جميعا مرضي نفسيين. فهناك جزأ منهم مضطربين عقليا. وتم الإهمال في التوصل معهم من زويهم ومن المجتمع المحيط بهم. ما جعلهم يتشردوا في الشوارع فأتخذوا من هذا التشرد في الشوارع مسلك أو اسلوب حياة للهروب من مشكلته والضغوط التي تعرض لها. وبالطبع وجودهم بالشارع قنبلة موقوتة. لأن الشخص منهم إذا كان مريضا نفسيا فلا يؤمن جانبه وفي أي لحظة من الممكن أن يقوم بسلوك غير متزن ومسئول إذا تخيل أن شخصا يريد أن يضره أو يؤذيه فقد يكون التصرف منه هو القتل والضرب ونوبات الهياج وإيذاء من في الشارع.
أضاف: يجب التركيز مع هذه الفئة الخطر علي نفسها وعلي المجتمع لإيجاد حلول. كأن تنظم حملات للنزول إلي الشوارع والبحث عن أماكن تواجدهم. ومحاولة البحث عن زويهم لإرجاعهم. مع العلم أنه كان هناك مجموعة من المرضي النفسيين خرجت من مستشفي العباسية عام 1997. ورفض أسرهم تسلمهم فأطلقوا في الشوارع ومنذ 25 عاما كانت الأجيال المتواجدة من أهاليهم ترفض تسلمهم فبعضهم علي سبيل المثال يتحجج بأن المريض شقيق والدته أو والده. ولكنه يخشي أن يتحمل مسئوليته في بيته. وتركوهم في الشوارع في ذلك الوقت. وهذا كان قرارا خاطئا من وزير الصحة أنذاك إسماعيل سلام. ومع أن هناك جزء من المشردين مرضي نفسين ومقيمين مع زويهم بالفعل. ولكنهم خرجوا من الباب خلسة دون انتباه من ذويهم وتاهوا في الشوارع. من شارع إ لي شارع ومن قطار لقطار وعجزوا عن الرجوع لأهاليهم وهناك مجموعة من المشردين أيضا لديها قصور فكري أو تخلف عقلي وقدراتهم العقلية بسيطة لم يستطيعوا توصيل المعلومة بشكل صحيح وهولاء بالفعل مصدر إيذاء للمجتمع من حولهم . وأعتقد أن الحل في لجان متطوعة من الشباب والاخصاييين الاجتماعيين والنفسيين تجلس مع هؤلاء وتحاول إرجاعهم إلي أهاليهم وان كانت تلك اللجان موجودة ولكن بنسبة قليلة للغاية فنحاول التوسع فيها بمساعدة وزارة التضامن والشؤون الاجتماعية وإن نجحنا في إرجاع حتي 50 أو 60 % منهم يكون جزء كبير من المشكلة قد تم حله.
كشف الخبير الأمني.. اللواء أحمد طاهر مدير إدارة المكافحة الدوليه بوزارة الداخلية سابقا' عن أنه من ضمن المشردين بالشوارع "أطفال" يصل عددهم لمليون طفل تحت سن الـ18. وذلك خلاف المتشردين من كبار السن الذين ليس لهم مكان يأويهم . أو إعاشة. أو وظيفة فيضطروا إلي عمل "عشة" وينامون في الشوارع. ويعيشون أسفل الكباري والمناطق العشوائية. وعلي أطراف القري والمدن سواء بمفردهم أو مع أبناءهم. موضحا: الدولة مفعلة خطوط سريعة لنجدة هؤلاء. سواء أطفال شوارع أو مشردين أو "المتكلين علي الله" المصاببين بنوع من الخلل العقلي ويعيشون علي إعانات من الناس الشارع. كما يوجد أيضا ضمن المتشردين "المرأة" نفسها. مثل المرأة المعنفة نتيجة الظروف الاجتماعية من طلاق والتي طردت في الشارع. وليس لديها أهل يستقبلوها.
بعد صدور قانون الاتجار بالبشر اكتشفنا عصابات تستغل هولاء المتشردون الصغار حتي من عمر يوم لاستخدامها في التسول. وهنا تم التعرف علي "الجريمة المنظمة" وهي التي يرتكبها ثلاثة أو أكثر من اثنين. فينظمون أنفسهم ويحضرون أكبر عدد من الأطفال الموجودين بالشوارع والمعرضين للانحراف واستخدامهم في أعمال التسول وبيع السلع التافهة ويجنون هم المقابل المادي في سبيل توفير المأكل والمشرب والمأوي لهم . كما يستخدم الأطفال من الفتيات الأقل من 18 سنة في أعمال الدعارة وكانت تضبط وتسجل لها قضايا باعتبارها متهمة. لكن عودنا الأن نستكشف الأمر بشكل أفضل. ونبحث من يقودهم ومن يستغلهم في تلك الأعمال فاكتشفت شريحة منهم تمتهن مهنة الدعارة بمقابل مادي وهي المخالفة للقانون رقم 10 سنة 1961. وأن وراءهم تشيكيلات إجرامية تستقطبهم بسبب الحاجة والعوز وخاصة الهاربات من أسرهم.
اترك تعليق