منذ شهرين تقريبًا كنت في مناقشة مع بعض الشباب الكوري المُعجبين بفرقة BTS الكورية الجنوبية، طبعًا أغلبكم سمع عنها، هي أشهر فرقة موسيقية في العالم، تلك الفرقة أشبه بالفراعنة في مصر، يعني هي أكبر سبب في شهرة كوريا الجنوبية بين الدول.
حينها كنا نتناقش عن ذهاب أفراد فرقة BTS للتجنيد من عدمه، ومن باب العلم بالشيء نظام التجنيد في كوريا إجباري على كل الذكور، لدرجة أن بعض الأمهات الكوريات لا توافقن على زواج بناتهن من رجال أجلوا فترة تجنيدهم، ولكن وسط النقاش ظهر أحد الشباب وظلّ يدافع باستماتة عن ضرورة ذهاب أفراد الفرقة للتجنيد، وكان يمسك نفسه بصعوبة من بدء شجار معي بعدما أخبرته أن الدولة يجب أن تقوم باستثناءات لرموزها؛ لأن لو أفراد الفرقة ذهبوا للتجنيد واختفوا لمدة عامين أو ثلاثة، وقتها ستفقد سيول أكبر معلم سياحي لديها؛ فأغلب سكان العالم يعرفون "بي تي أس" ولا يعرفون برج نامسان ولا جبل الملاجئ العشرة (غاياسان) ولا حتى نهر الهان.
أخبرتكم من قبل أني أستطيع قراءة مشاعر البشر وأفكارهم من خلال كلماتهم، وتعليقاتهم المكتوبة حتى لو بيننا آلاف الأميال، تلك الهبة مُخيفة أكثر من هبة الحاسة السادسة والتنبؤ بالمستقبل، ولذلك تراجعت عن متابعة النقاش مع الشخص المُعارض لفكرتي لأني شعرت أن لسان حاله يقول: "It's none of your business" ظهرت تلك الجملة بوضوح أمامي أكثر من كل كلامه المُبعثر، وقتها شعرت كما لو أن شعور الندم يُمزقه من الداخل بسبب جهله بـ"كيف تُدير مناقشة عدوانية بالإنجليزية" الهدف من تلك القصة هو إعطاءكم لمحة بسيطة عن طريقة تعامل بعض البشر مع الأحداث اليومية، هؤلاء لا يعيشون مع قصة واحدة لأكثر من يوم واحد؛ لأنهم يعلمون أن ما حدث بالأمس قد مضى بالفعل مع الغروب.
في 26 ديسمبر 2021 قامت زوجة سياسي كبير، مُرشح لرئاسة الجمهورية بتزوير ورق يتعلق بحياتها المهنية؛ فكتبت في سيرتها الذاتية أنها شغلت منصب "أستاذ مُشارك" بدوام كامل بدلًا من منصب "مُدرس مُتدرب" أعلم أنكم تضحكون الآن، ولكن الكوريين اعتبروها فضيحة كبيرة، ولم يهدأ الرأي العام إلا بعد عقد مؤتمر صحفي اعتذرت فيه الزوجة عن ذلك التصرف الغير مسئول، وقالت أنها ستساند زوجها لو أصبح رئيسًا لكوريا، تلك كانت قصة كيم كيون هي، زوجة يون سوك يول، الرئيس الحالي لكوريا الجنوبية.
سمعت مقولة من أحدهم أن البشر يتغاضون عن أخطاء بعضهم لو كان المُخطئ من ذوي السلطة والنفوذ، ولكن ما حدث مع كيم كان على النقيض تمامًا؛ فعلى الرغم من كونها السيدة الأولى إلا أن الشعب الكوري حتى الآن -وفقًا لاستطلاعات الرأي- لا يريد منها المُشاركة في أيّ شيء سوى مساندة زوجها فحسب، ولكن هل رأي الشعب حقًا يؤثر في السياسة؟ بالطبع رأي الشعوب له تأثير كبير، وأكبر دليل ما قالته جيل بايدن، زوجة الرئيس الأمريكي، حينما سألتها كيم عن كيف تتعامل مع الضغوطات التي تُعانيها كزوجة رئيس، وقتها أجابت جيل (بنفس نبرة الشعب الكوري): فقط كوني على طبيعتك "كوني نفسك" .
الآن ستسألون لماذا أسرد لكم تلك القصص؟ الإجابة هي "قوة الشعوب"... هل أخبروكم أباطرة السياسة بأكثر كُتب يحفظونها عن ظهر قلب؟ الإجابة بسيطة، وهي كل الكُتب التي تتحدث عن التحكم في الشعوب، والتلاعب بالرأي العام..الخ، فعلًا لا يوجد أيّ قوة في العالم تُضاهي قوة الشعوب؛ فلا توجد سُلطة ولا نفوذ ولا حتى اقتصاد قوي يستطيع أن ينهض بأمة بدون شعب يعيش نفس الحلم مع قادته.
تخيلوا مثلًا لو المصريين استيقظوا يومًا ما وقرروا يُنشئوا مدينة كبيرة تُعود بأبنائنا للسبعينيات، وفيها يتعلمون كيف انتصرنا ووقفنا من جديد بعد النكسة، تُعلمهم كيف كانت أخلاق الشباب المصري وقتها، تُعلمهم كل القيم والمُثل التي اختفت من مجتمعنا حاليًا.
سامحوني على هذا السؤال القاسي، ولكن هل يوجد شباب في مصر الآن نستطيع أن نقول عنهم أنهم هرم مصر الرابع بخلاف محمد صلاح وأبطالنا الآخرين؟ أعذروني على صراحتي المُحبطة ولكني الآن لا أرى سوى موجة مهرجانات، وفيضان دراما أسوأ من التلوث السمعي والبصري، هذا النوع من الفن المُشوّه لا يفعل شيء سوى تدمير أيديولوجية، وعقول المصريين.
رجاءًا ليعطيني أحد بصيص أمل ويُخبرني أين أجد من يُنقذ المصريين من زمن يتلاعب فيه أشباه العقول بالعقول؟ أين أجد هرم مصر الرابع؟.
بقلم - هبه مرجان:
اترك تعليق