كان للنساء دور بارز في التاريخ الاسلامي سواء بكونهن أمهات أو مجاهدات أو عابدات. يذكر التاريخ بحروف من نورأهمية الدور الذي قمن به لدعم اسرهن.. كانوا عنوانا للتحمل والارادة وتحدي اصعب الصعاب..
يوميًا خلال الشهر الفضيل نلقي الضوء علي نماذج رائدة لنساء خالدات سيدات مؤمنات هن المثل والقدوة كيف تكون المرأة السند والدعم لاسرتها ولمجتمعها.
شخصية اليوم هي السيدة نفيسة رضي الله عنها وأرضاها العالية القدر ابنة الامام الحسن الأنور بن زيد الأبلج ابن الامام الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. ولدت بمكة عام 145هــ ونشأت بالمدينة المنورة. فكانت تذهب الي المسجد النبوي وتستمع الي شيوخه وتتلقي الحديث والفقه من علمائه حتي لقبها الناس بلقب "نفيسة العلم".
حجت 30 حجة أدت معظمها وهي سائرة علي الأقدام. وكانت فيها تتعلق بأستار الكعبة وتقول: "إلهي وسيدي ومولاي متعني وفرحني برضاك عني. ولا تسبب لي سببًا يحجبك عني".
تقص زينب ابنة أخيها يحيي المتوج طرفًا من حياة عمتها فتقول: خدمت عمتي نفيسة أربعين سنة فما رأيتها نامت الليل ولا أفطرت بنهار الا في الأعياد فقلت لها أما ترفقين بنفسك فقالت كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبات لا يقطعها الا الفائزون.
أضافت زينب: كانت عمتي تأكل في كل ثلاثة أيام أكلة واحدة. وكان للسيدة نفيسة رضي الله عنها من زوجها "اسحاق المؤتمن بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب" ولدان هما "القاسم وأم كلثوم".
جاءت الي مصر مع زوجها وأبيها وابنها وبنتها وكان عمر السيدة نفيسة 48 سنة وكان قدومها يوم السبت الموافق 26 من رمضان عام 193 هجرية لزيارة من كان بمصر من آل البيت بعد أن زارت بيت المقدس وقبر الخليل. ولما علم الناس في مصر بنبأ قدومها خرجوا لاستقبالها في مدينة العريش أعظم استقبال ثم صحبوها الي القاهرة.
أحبها أهل مصر وكانوا يسألونها الدعاء فتدعو لهم وأجري الله علي يديها شفاء المرضي والعجزة فسميت بأم العواجز. وأقبلوا عليها يلتمسون منها العلم حتي كادوا يشغلونها عما اعتادت عليه من عبادات. ففكر زوجها أن يرحلا الي الحجاز ولكنها قالت له: لا أستطيع ذلك لأني رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم في المنام وقال لي لا ترحلي من مصر.
كان يتردد علي السيدة نفيسة أئمة الفقه الاسلامي وكبار العلماء فقد زارها الامام الشافعي وبصحبته والي مصر وقال لها من وراء حجاب: ادعي لي فدعت له. وأوصي أن تصلي عليه ولما توفي أدخلت جنازته إليها وصلت عليه في دارها وقالت: رحم الله الشافعي فقد كان يحسن الوضوء.
لما أحست السيدة نفيسة بدنو أجلها وقرب فراقها لدنياها قامت بحفر قبرها بنفسها وكان القبر في دارها وكانت تنزل فيه وتصلي كثيرًا وقرأت فيه مائة وتسعين ختمة. وكانت اذا عجزت عن القيام لضعفها تصلي قاعدة وتقرأ كثيرًا وتبكي كثيرًا. ولما حانت الساعة وكان ذلك أول جمعة من شهر رمضان عام 208 هـجرية قرأت سورة الأنعام فلما وصلت الي قوله تعالي "لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" غشي عليها فضمتها زينب ابنة أخيها فشهدت شهادة الحق وقبضت رحمة الله عليها.
أراد زوجها رضوان الله عليهما أن يحملها الي المدينة المنورة لكي يدفنها بالبقيع. فاجتمع أهل مصر الي الوالي عبد الله بن سري واستجاروا به عند زوجها ليرده عما أراد فأبي فجمعوا له المال وترجوه لكنه رفض. فباتوا منه في ألم عظيم حتي جاء الصباح ووجدوه وافق واستجاب لرغبتهم. وسألوه عن سبب هذا التحول فقال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو يقول لي رد علي الناس أموالهم ودفنها عندهم.
دفنت السيدة نفيسة بدارها بدرب السباع بين القطائع والعسكر التي عرفت فيما بعد بكوم الجارحي. وكان يوم دفنها يومًا عظيمًا مشهودًا.
إلي جانب ضريحها أقيم مسجدها الحالي وهو المسجد الذي كان يوضع في المحراب المتنقل قبل أن ينقل الي المتحف الاسلامي باعتباره تحفة فنية جميلة.
اترك تعليق