يمثل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبيرا عن محبة الأمة الإسلامية لرسول الله ﷺ، واستحضارا لسيرته وهديه في مختلف الأزمنة والأمكنة. وقد تحولت هذه الذكرى، عبر التاريخ، من صور فردية من التعبير عن المحبة إلى مناسبة جامعة تتنوع مظاهرها بين قراءة السيرة والشمائل، وإنشاد المدائح، وإطعام الطعام، وإظهار الفرح والسرور. واستند هذا الاحتفاء إلى معنى محبة النبي ﷺ وتعظيمه، وهي محبة أكدتها السنة النبوية، كما في قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» رواه البخاري.
وبحسب تقرير لوزارة الأوقاف المصرية، يرتبط الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف كذلك بمعنى الشكر على نعمة مولده ﷺ، فقد كان يصوم يوم الاثنين، ولما سئل عن ذلك قال: «ذاك يوم ولدت فيه» رواه مسلم. ومن هذا المعنى درج المسلمون على إحياء ذكرى مولده بألوان من العبادات وأعمال البر، كالذكر والصدقة وإطعام الطعام وإنشاد القصائد في مدحه ﷺ، بما يجعل المناسبة مجالا لاستحضار سيرته والاقتداء بأخلاقه.
البدايات التاريخية للاحتفال
أما الاحتفال بالمولد في صورته الموسعة والمنظمة، فقد برز في القرن السادس الهجري، ومن أوائل من اشتهر به الشيخ عمر المَلَّاء في الموصل، المتوفى سنة 570هـ، حيث كان يقيم في كل عام مجلسا يحضره صاحب الموصل والشعراء، وتُنشَد فيه القصائد في مدح النبي ﷺ. ثم اشتهر الاحتفال بصورة أكبر على يد الملك المظفر أبو سعيد كوكبري، صاحب أربيل، المتوفى سنة 630هـ، الذي كان يقيم مولدا عظيما في ربيع الأول، وينفق عليه أموالا كثيرة، حتى وصف ابن كثير احتفاله بأنه كان «هائلا».
ومن العراق انتقلت هذه المظاهر وتوسعت في أقطار العالم الإسلامي، وكان لمصر نصيب بارز منها. ومع تولي صلاح الدين الأيوبي الحكم، أُوقفت الاحتفالات بالمناسبات الفاطمية ذات الطابع الشيعي، مع زيادة مظاهر الفرح بالمولد النبوي، ثم واصل حكام مصر بعده الاهتمام بهذه المناسبة، ولا سيما في العصر المملوكي. وبلغت الاحتفالات في عهد السلطان الظاهر برقوق قدرا كبيرا من التنظيم والزينة وإظهار البهجة، كما عُرف السلطان الأشرف بإقامة سرادق ضخم خصيصا للمولد النبوي.
واستمر الاهتمام بالمولد في مصر خلال العصور اللاحقة، حتى عهد الملك فؤاد ثم الملك فاروق، حيث كانت تقام الاحتفالات الرسمية بحضور العلماء وشيخ الأزهر وكبار رجال الدولة. وفي الوقت نفسه ظل الاحتفال شعبيا حاضرا في البيوت والأحياء والقرى، وارتبط بموسم الحلوى وإطعام الطعام وتبادل المشروبات، واختلفت مظاهره باختلاف البيئات المصرية.
المولد في العالم الإسلامي
ولم تقتصر هذه الظاهرة على مصر، بل عرفتها مناطق واسعة من العالم الإسلامي، من مكة والمدينة واليمن والشام إلى بلاد المغرب وغيرها. وتشير كتب التراث إلى اهتمام أهل مكة بالمولد، وتوجه الناس إلى موضع مولده ﷺ وإطعام الزائرين، كما عُرفت مجالس المولد في عدد كبير من البلاد الإسلامية.
وفي العصر الحديث استمرت مظاهر الاحتفال في دول متعددة، كما شاركت الجاليات المسلمة في بلدان غير إسلامية في إحياء هذه الذكرى. وهكذا أصبح المولد النبوي الشريف، عبر مسيرته التاريخية، مناسبة جامعة تتجلى فيها محبة النبي ﷺ، وتُستحضر سيرته وشمائله، وترتبط بها معاني البر والإحسان والتكافل، بما يعزز الصلة بين الأجيال وسيرة سيد الخلق ﷺ.
اترك تعليق