مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

الدقة الإعلامية.. مسؤولية وطنية

الخبراء: السبق الصحفي لا يبرر نشر معلومات غير مكتملة أو غير موثقة

تحري الحقيقة ضرورة في أوقات الأزمات والتوترات الإقليمية

المصادر الرسمية.. خط الدفاع الأول أمام الشائعات والمعلومات المضللة

الذكاء الاصطناعي يفرض قواعد جديدة للتحقق من الأخبار والمحتوى المتداول

كتب - أمــيرة السلامونى

لم تعد معركة الإعلام اليوم تدور فقط حول من يصل إلى الخبر أولًا، وإنما حول من يمتلك القدرة على تقديم الحقيقة كاملة ودقيقة وموثوقة. ففي الوقت الذي تتداخل فيه الأخبار بالمعلومات المضللة علي منصات التواصل الاجتماعي، ويتيح الذكاء الاصطناعي صناعة محتوى يصعب أحيانًا التمييز بين حقيقته وزيفه، أصبحت المصداقية مسؤولية مهنية ووطنية تتجاوز حدود العمل الصحفي إلى حماية وعي المجتمع وصون مصالح الدولة.


وتزداد أهمية تحري الدقة عندما يتعلق الأمر بالقضايا المرتبطة بالأمن القومي والملاحة والتطورات السياسية والأمنية الإقليمية، إذ قد تتحول معلومة غير موثقة إلى شائعة تثير القلق، أو رواية مضللة تؤثر في الرأي العام، أو مادة تستغلها أطراف تسعى إلى زعزعة الاستقرار. ومن هنا جاءت دعوة الهيئة العامة للاستعلامات لوسائل الإعلام العربية والدولية ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي إلى الرجوع للمصادر الرسمية والتحقق من المعلومات قبل نشرها أو تداولها.

ويؤكد الخبراء أن السبق الصحفي لا يمكن أن يكون مبررًا للخطأ، وأن سرعة النشر لا ينبغي أن تسبق دقة المعلومة، فالمؤسسة الإعلامية التي تبحث عن ثقة الجمهور لا تقاس فقط بعدد الانفرادات التي تحققها، وإنما بقدرتها على الفصل بين الخبر المؤكد والرأي والتحليل والتكهن، ووضع الحقيقة في سياقها الصحيح، خاصة في أوقات الأزمات التي تحتاج إلى إعلام يهدئ بالحقائق لا بإخفائها، ويواجه الشائعة بالمعلومة الموثقة لا بمزيد من الضوضاء.

أشاد الخبراء بتشديد الهيئة العامة للاستعلامات على وسائل الإعلام المصرية والعربية والدولية، ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، تحري الدقة والرجوع إلى المصادر الرسمية المختصة قبل نشر أو تداول أي معلومات تتعلق بمصر، حيث أكدت الهيئة العامة للاستعلامات أن الالتزام بالدقة والتحقق من مصادر المعلومات يمثل مسؤولية مهنية أساسية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بأمن وسلامة الملاحة البحرية والتطورات الإقليمية، بما يضمن تقديم معلومات موثوقة ودقيقة للرأي العام ووسائل الإعلام.

أكد الخبراء أن المصداقية الإعلامية مسؤولية وطنية لا مجال فيها للشائعات، وأن السبق الصحفي لا يبرر الخطأ، وحينما يتعلق الأمر بالأزمات يصبح التحقق من المعلومات مسؤولية وطنية فالإعلام المسؤول لا يهدف إلى تهدئة الجمهور عبر إخفاء الحقائق، وإنما إلى تقديم الحقيقة كما هي، في توقيتها الصحيح، ومن مصادرها الموثوقة، بعيدًا عن التهويل أو الإثارة أو الاستنتاجات غير المدعومة، مشيرين إلى أن المصداقية هي رأس المال الحقيقي للمؤسسات الإعلامية، فالسبق الصحفي قد يمنح وسيلة إعلامية دقائق من الاهتمام، أما الدقة فتبني ثقة الجمهور لسنوات.

أوضحت دكتورة سالى محمود عاشور (أستاذ مساعد في العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية) أنه فيما يتعلق بالعلوم السياسية وإدارة الأزمات، لا تُقاس قيمة المعلومة بسرعة نشرها، وإنما بتأثيرها المحتمل على عملية صنع القرار. فهناك معلومات قد يؤدي تداولها قبل التحقق منها إلى خلق ضغوط شعبية وإعلامية تدفع باتجاه قرارات سياسية أو عسكرية متسرعة، وهو ما قد يجر دولة إلى تصعيد أو مواجهة لم تكن طرفًا فيها من الأساس

وعندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الأمن القومي، أو سلامة الملاحة في ممرات استراتيجية مثل البحر الأحمر أو قناة السويس، تصبح الدقة ليست مجرد قيمة مهنية للإعلام، بل جزءًا من منظومة الأمن القومي نفسها. فالمعلومة غير الموثقة قد تؤثر في حركة الملاحة، أو في الأسواق، أو في العلاقات الدبلوماسية، أو تخلق انطباعات خاطئة لدى الرأي العام أو حتى لدى الأطراف الخارجية

ولهذا فإن الحكمة في إدارة الأزمات تقتضي عدم الانسياق وراء الروايات الأولية أو الدعوات العاطفية التي تطالب بردود فورية قبل اكتمال المعلومات. فالتاريخ يبين أن بعض الحوادث قد تكون مصممة أصلًا لاستفزاز دولة معينة أو جرها إلى صراع أوسع، ولذلك فإن التحقق من الوقائع قبل اتخاذ المواقف أو نشر الأخبار يمثل مصلحة وطنية قبل أن يكون التزامًا إعلاميًا

أضافت أنه في عصرنا الحالي عصر وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، أصبحت الشائعة تنتشر أسرع من الحقيقة، ولذلك أصبحت المصداقية هي رأس المال الحقيقي للمؤسسات الإعلامية، فالسبق الصحفي قد يمنح وسيلة إعلامية دقائق من الاهتمام، أما الدقة فتبني ثقة الجمهور لسنوات. ومن ثم، فإن الرجوع إلى المصادر الرسمية المختصة في القضايا المرتبطة بالأمن القومي والملاحة والعلاقات الدولية ليس تقييدًا للعمل الإعلامي، وإنما ضمانة لعدم تحويل الإعلام – دون قصد – إلى أداة لإعادة إنتاج معلومات مضللة أو لخدمة أجندات تستهدف زعزعة الاستقرار.

وفى العلاقات الدولية توجد قاعدة مهمة، وهي أن المعلومات المضللة قد تُستخدم كأداة من أدوات الحرب الهجينة، حيث لا يكون الهدف فقط نشر خبر غير صحيح، وإنما التأثير في سلوك الدول، وإرباك الرأي العام، والإضرار بمصالحها وعلاقتها مع دول أخرى ودفع صناع القرار إلى ردود أفعال تخدم الطرف الذي يقف وراء التضليل. ومن هنا، فإن التحقق من المعلومات يصبح جزءًا لا يتجزأ من حماية الأمن القومي، وليس مجرد ممارسة إعلامية

ترى دكتورة سهام عزالدين جبريل (وكيل وزارة الإعلام وأستاذ الإعلام السياسي والعلاقات الدولية) أن التحدي الأكبر الذي يواجه الإعلام اليوم هو التحلي بالدقة والمصداقية.. فالدقة ليست ترفًا مهنيًا وهذا ما تبرزه مطالبة الهيئة العامة للاستعلامات وسائل الإعلام العربية والدولية بتحري الدقة والتأكد من صحة المعلومات قبل نشرها، باعتبارها جهاز العلاقات العامة للدولة المصرية واحد اهم أدوات السياسة الخارجية والداخلية أيضا وصناعة الرأي العام المستنير 

وتأتي هذه التوجيهات في توقيت بالغ الأهمية، في ظل بيئة إعلامية أصبحت فيها المعلومة تنتقل في ثوانٍ، بينما قد يحتاج التحقق من صحتها إلى وقت وجهد ومراجعة أكثر من مصدر.

وترى أيضا أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بقواعد العمل الصحفي التقليدية، وإنما أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بحماية الوعي العام والأمن المعلوماتي للدول. فحين يتعلق الأمر بالشأن المصري، أو بأمن الملاحة في البحرين الأحمر والمتوسط، أو بالتطورات الإقليمية، فإن نشر معلومة غير دقيقة لا يظل مجرد خطأ مهني، وإنما قد تكون له تداعيات تتجاوز المجال الإعلامي إلى التأثير في الرأي العام وصورة الدولة ومصالحها الاستراتيجية.

أكدت أن هناك فارقا كبيرا بين أن يكون الصحفي سباقًا إلى نشر معلومة مؤكدة، وبين أن يكون سباقًا إلى نشر معلومة غير مكتملة، فالسبق الحقيقي ليس في أن تكون أول من ينشر، وإنما في أن تكون أول من ينشر المعلومة الصحيحة، وهنا تظل القاعدة المهنية الأساسية هي الفصل الواضح بين الخبر المؤكد، والرأي، والتحليل، والتوقع أو التكهن. ولا يجوز أن تتحول احتمالات أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى حقائق بمجرد إعادة تداولها عشرات أو آلاف المرات.

أضافت أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت مصدرًا أوليًا للمعلومات بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور، لكنها في الوقت نفسه بيئة خصبة للشائعات والمعلومات المضللة، مشيرة إلى أن الخطورة لا تكمن فقط في وجود المعلومة الخاطئة، وإنما في سرعة انتشارها وإعادة إنتاجها من حساب إلى آخر، حتى يختلط على المتلقي مصدرها الحقيقي، ويبدأ التعامل معها باعتبارها حقيقة لمجرد كثرة تداولها.

وهنا تقع مسؤولية مضاعفة على الصحفي والمؤسسة الإعلامية: لا يكفي أن نقول إن المعلومة متداولة، بل يجب أن نسأل: من مصدرها؟ وهل يمكن التحقق منها؟ وهل هناك جهة رسمية أو متخصصة تؤكدها؟

أكدت أن هذه المسؤولية تزداد في أوقات الأزمات والصراعات الإقليمية، لأن المعلومة الخاطئة قد تثير القلق والبلبلة، أو تؤثر في تقييم الجمهور للأحداث، بل وقد تُستغل سياسيًا وإعلاميًا ضد مصالح الدول.

وهنا يصبح الإعلام المهني أحد أدوات إدارة الأزمة، وليس جزءًا من الأزمة، فالإعلام المسؤول لا يهدف إلى تهدئة الجمهور عبر إخفاء الحقائق، وإنما إلى تقديم الحقيقة كما هي، في توقيتها الصحيح، ومن مصادرها الموثوقة، بعيدًا عن التهويل أو الإثارة أو الاستنتاجات غير المدعومة.

أضافت أن الرجوع إلى المصادر الرسمية في القضايا الحساسة أمر ضروري، خصوصًا عندما يتعلق الخبر بالأمن القومي أو حركة الملاحة أو القرارات الحكومية أو التطورات الإقليمية، وفي هذا السياق، فإن دور الهيئة العامة للاستعلامات لا يقتصر على إصدار البيانات، وإنما يمتد إلى تصحيح المعلومات المغلوطة المتعلقة بمصر وتوفير المعلومات التي تساعد وسائل الإعلام على بناء تغطية أكثر دقة وموضوعية، لكن المسؤولية في النهاية مشتركة بين المصدر والمؤسسة الإعلامية والصحفي؛ فالمؤسسة الإعلامية المحترفة مطالبة بالتحقق والمقارنة بين المصادر، وعدم الاكتفاء بنقل ما يصل إليها دون مراجعة.

أكدت أن الإعلام العربي اليوم أمام مسؤولية تاريخية، لأن المواطن العربي يعيش وسط تدفق غير مسبوق للمعلومات، وفي الوقت نفسه يواجه قدرًا متزايدًا من التضليل الإعلامي والمحتوى المصطنع، ولذلك فإن دور الإعلام لم يعد مجرد نقل الأحداث، وإنما مساعدة المواطن على فهم الحدث ووضعه في سياقه الصحيح، وهنا تبرز أهمية الإعلام الذي يفرق بين الحقيقة والرواية، وبين المعلومة والتفسير، وبين التحليل والتكهن.

ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وتزايد قدرة البعض على إنتاج صور وفيديوهات ونصوص تبدو حقيقية، أصبح التحقق من المعلومات ضرورة أكثر إلحاحًا.

أشارت إلى أن مستقبل الإعلام لن يكون للأسرع فقط، وإنما للأكثر قدرة على التحقق والتفسير وبناء الثقة، فالمصداقية هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية، وإذا فقد الإعلام ثقة الجمهور، فقد أهم أدوات تأثيره، ومن هنا فإن رسالة «تحرّي الدقة» يجب ألا تُفهم باعتبارها دعوة إلى إبطاء الإعلام، وإنما باعتبارها دعوة إلى الارتقاء بمستوى الأداء المهني، فالسبق الذي يقوم على معلومة خاطئة يتحول إلى خسارة، أما المعلومة الدقيقة فتبقى هي القيمة التي تصنع المصداقية وتحمي وعي المجتمع، مشيرة إلى أنه يمكن اختصار المعادلة في قاعدة واحدة وهى :«لا تجعل سرعة النشر تسبق دقة المعلومة.. لأن تصحيح الخبر بعد انتشاره لا يمحو أثره.»

أكدت دكتورة هدير العزقلاني خبيرة علم الاجتماع أنه في ضوء أن الأخبار أصبحت تنتشر بين الجمهور خلال دقائق، لم يعد التحدي أمام الإعلام هو الوصول إلى المعلومة فقط، بل التأكد من صحتها قبل تقديمها للجمهور. فبرغم أن سرعة النشر تعد جوهرا للمنافسة بين المنصات المختلفة، إلا أنه يجب تحري الدقة

أضافت أنه خلال الفترة الأخيرة، شددت الهيئة العامة للاستعلامات على أهمية التزام وسائل الإعلام العربية والدولية بتحري الدقة قبل نشر المعلومات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالشأن المصري أو بالقضايا المرتبطة بالأمن والملاحة الإقليمية. فالأخبار غير الدقيقة قد تتجاوز كونها مجرد خطأ مهني، لتتحول إلى مصدر للارتباك عندما يتم تداولها على نطاق واسع دون التأكد من حقيقتها.

أشارت "العزقلاني" أن العمل الإعلامي يعتمد في الأساس على نقل الوقائع كما هي، وليس بناء روايات اعتمادًا على معلومات غير مكتملة. لذلك يجب التفرقة بين السبق الصحفي والتسرع في النشر دون التحقق من المصداقية؛ فالسبق لا يعني فقط سرعة نشر الخبر، بل أيضا تحري الدقة والحفاظ على ثقة الجمهور. كما أن الفصل بين الخبر والرأي والتحليل يظل من القواعد الأساسية للحفاظ على وضوح الرسالة الإعلامية.

أوضحت أن الصحفيين أو الإعلاميين عليهم أن يدركوا أن مسؤوليتهم لا تقتصر فقط على النشر، بل تمتد لتشمل التحقق من المصدر وفهم سياق المعلومة وتأثيرها. وفي القضايا الحساسة، يصبح الاعتماد على الجهات الرسمية والمتخصصة أمرًا ضروريًا لتقديم صورة متوازنة بعيدًا عن التسرع أو الاستنتاجات غير المبنية على حقائق.

أوضحت أنه للأسف الشديد مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تغيرت طريقة تعامل الناس مع الأخبار؛ فأصبح أي شخص قادرًا على نشر صورة أو فيديو أو معلومة خلال لحظات. ورغم أن هذه المنصات ساعدت في سرعة الوصول إلى الأحداث، فإنها في الوقت نفسه جعلت انتشار المحتوى غير الدقيق أكثر سهولة، خاصة مع إعادة مشاركة المنشورات دون مراجعة أو تحقق.

أكدت أن مسؤولية الإعلام تزداد في أوقات الأزمات، خصوصًا عندما تتعلق الأخبار بالأمن القومي أو الملاحة أو التطورات الإقليمية. ففي هذه الظروف لا يحتاج الجمهور إلى مزيد من الضوضاء، بل إلى معلومات واضحة تساعده على فهم ما يحدث بعيدًا عن التهويل أو إثارة القلق، ومن هنا تظهر أهمية دور المصادر الرسمية في توضيح الحقائق والرد على ما يتم تداوله من معلومات غير صحيحة، إلى جانب ضرورة وجود تنسيق مستمر بين المؤسسات الإعلامية والجهات المختصة، خاصة في الملفات التي تحتاج إلى سرعة ووضوح في نقل المعلومات.

أشارت أيضا "العزقلاني" إلى أن الإعلام العربي أصبح طرفًا أساسيًا في تشكيل وعي المواطن، ولم يعد دوره مقتصرًا على نقل الحدث فقط. فمع انتشار الشائعات والمحتوى المضلل، أصبحت مسؤولية الإعلام أكبر في تقديم صورة متوازنة تساعد الجمهور على فهم القضايا بعيدًا عن المبالغة أو التوظيف.

ومع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، لم يعد التحدي فقط في سرعة انتشار الأخبار، بل في قدرة المؤسسات الإعلامية والجمهور على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصنوع. وهو ما يجعل التحقق من المعلومات مهارة أساسية في مستقبل الإعلام، وليس مجرد إجراء إضافي قبل النشر، فالمستقبل لن يكون فقط لمن يصل إلى الخبر أولًا، بل لمن يحافظ على ثقة الجمهور ويقدم لهم معلومات يمكن الاعتماد عليها، وفي النهاية، تظل المصداقية هي المعيار الأهم في الإعلام؛ لأن قيمة الخبر لا ترتبط بسرعة انتشاره فقط، بل بمدى دقته ومصداقيته

ترى دكتورة نيفين وهدان خبيرة العلوم السياسية وحقوق الإنسان أن مطالبة الهيئة العامة للاستعلامات وسائل الإعلام العربية والدولية بتحري الدقة والتأكد من صحة المعلومات قبل نشرها بشأن مصر، جاءت لتؤكد أهمية الالتزام بالمعايير المهنية والمسؤولة في التعامل مع الأخبار والمعلومات، خصوصًا عندما تتصل بالأمن القومي والملاحة والتطورات الإقليمية، في وقت شديد الحساسية تتداخل فيه الأبعاد السياسية والأمنية والإعلامية.

وتكشف هذه المطالبة، في جوهرها، عن أهمية التمييز بين المعلومة الموثقة من مصادر رسمية والتكهنات، وبين الخبر الدقيق والتحليل، وبين السبق الصحفي والاستعجال بحثًا عن السبق دون اكتمال عناصر التحقق من الخبر. فإعادة تداول معلومة غير مؤكدة أو زائفة لا يجعلها حقيقة، حتى وإن انتشرت على نطاق واسع أو تناولتها أكثر من وسيلة إعلامية.

وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق الخبر بمصر؛ لأن أي معلومات غير دقيقة قد تتجاوز تأثيراتها المجال الإعلامي لتنعكس على صورة الدولة المصرية، وثقة المواطنين بها، والمصالح الاقتصادية، والأمن القومي والإقليمي، خاصة في الملفات المرتبطة بالملاحة أو الحدود أو التطورات العسكرية والسياسية في المنطقة.

وهنا تبرز أهمية التقرير أو التنبيه الصادر عن هيئة الاستعلامات؛ فالمطلوب من وسائل الإعلام ليس الامتناع عن النقد أو التحليل، وإنما التأكد أولًا من الوقائع التي يُبنى عليها هذا التحليل. وهذا من بديهيات العمل الإعلامي؛ فالصحافة المهنية تستطيع أن تختلف، وأن تسأل، وأن تحلل، وأن تنتقد، لكن لا ينبغي أن تبني خطابها على معلومات مجهولة المصدر أو غير موثقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالدولة والقضايا ذات الحساسية الوطنية.

وفي هذا السياق، فإن التعامل مع المعلومات المتعلقة بالدولة المصرية يجب ألا يقوم على افتراض أن كل معلومة لم تُعلن فورًا تعني وجود رغبة في إخفائها. فهناك فارق بين غياب المعلومة في لحظة معينة وبين إخفائها عمدًا، خاصة في الملفات التي تتطلب تقديرًا دقيقًا للتوقيت وطبيعة المعلومات التي يمكن إعلانها.

أضافت "وهدان" أن قوة الدولة لا تقاس بغياب الأزمات أو الشائعات، وإنما بقدرتها على إدارة المعلومات والأزمات بحوكمة مؤسسية أساسها المسؤولية والشفافية، وإتاحة المعلومات عندما يستدعي الأمر ذلك ومن خلال المؤسسات والقنوات المختصة.

كما أن الدولة التي تتحدث من خلال مؤسساتها الرسمية تتيح في الوقت نفسه للإعلام مساحة لفهم الوقائع وتحليلها بعيدًا عن التهويل أو صناعة روايات لا تستند إلى أدلة.

وفي المقابل، فإن وسائل التواصل الاجتماعي فرضت تحديًا غير مسبوق على الإعلام التقليدي؛ إذ أصبحت المعلومة تنتشر في دقائق، وأحيانًا تتحول منشورات مجهولة المصدر أو حسابات تسعى إلى توظيف الفضاء الرقمي سياسيًا إلى «حقائق» لمجرد كثرة تداولها.

وهنا تصبح مسؤولية الصحفي والمؤسسة الإعلامية والمواطن أكبر: ليس كل ما هو متداول خبرًا للنشر، وليس كل ما ينتشر صحيحًا، وليس كل ما يقال على منصات التواصل يستحق أن يتحول إلى عنوان صحفي، موضحة أن المسؤولية تزداد في أوقات الأزمات الإقليمية، لأن المواطن يكون أكثر قابلية للتأثر بالمعلومات المثيرة، وقد تؤدي المعلومة الخاطئة إلى رفع مستويات القلق، أو خلق حالة من البلبلة، أو التأثير في التصورات المرتبطة بالأمن القومي والاستقرار المجتمعي.

لذلك، فإن الرسالة الأهم من مطالبة هيئة الاستعلامات بتحري الدقة هي أن المسؤولية الوطنية والمصداقية يجب أن تسبقا السرعة. فالسبق الصحفي لا يمكن أن يكون مبررًا لنشر معلومة لم تستوفِ شروط التحقق، لأن خسارة المصداقية قد تكون أكبر بكثير من المكسب المؤقت الذي يحققه الانفراد بخبر غير مكتمل.

أشارت إلى أنه في عصر الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه المسؤولية أكثر تعقيدًا؛ فالتكنولوجيا لم تعد تتيح فقط سرعة إنتاج المحتوى، وإنما تسمح أيضًا بصناعة صور وفيديوهات وتصريحات ومعلومات تبدو حقيقية وهي ليست كذلك. وبالتالي، فإن التحقق من المصادر والتدقيق في المحتوى أصبحا جزءًا أساسيًا من الأمن المعلوماتي والإعلامي وحماية المجال العام من التضليل.

مضيفة أن الإعلام المهني الرصين لا يخدم الدولة فقط، ولا يخدم المواطن فقط، وإنما يحمي حق المواطن والمجتمع في المعرفة الصحيحة. ومصر، عندما تطالب بتحري الدقة، لا تطالب الإعلام بالتخلي عن دوره النقدي، وإنما تضع قاعدة مهنية واضحة: حلّل كما تشاء، ناقش كما تشاء، وانتقد كما تشاء، ولكن لا تجعل معلومة غير موثقة أساسًا للتحليل أو الحكم.

فالحقائق لا يزعجها التدقيق، والدولة لا تخشى السؤال، والرئيس يمتلك خبرة عميقة في إدارة الأزمات، ويدرك أهمية التوقيت والرسالة السياسية، وعندما تكون هناك قضية تستوجب الحديث عنها يخرج ويتحدث أمام الرأي العام.

أما الشائعات، فمهما انتشرت، ومهما جرى تضخيمها أو إعادة تدويرها، فإنها لا تتحول بالتكرار إلى حقيقة بل الي كذبه لا تستحقّ الالتفات.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق