أنزل الله الكتب السماويّة حتي يقيم الحجّة علي خلقه. فلا يقولوا: "مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِير وَلَا نَذِير" "المائدة من الأية:19". فبَعْثُ الرسل بما جاءوا به من البيّنات المكتوبةِ يقطع عن هذا العذر. فيحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة وتقوم الحجة علي الخلق بالتكليف. قال الله تعالي: "رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَي اللَّهِ حُجَّة بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" "النساء:165". والآية السابقة بمفهومها تدلّ علي هذه الحكمة. وإن لم تُذكر الكتب صراحةً. لأنه لا معني لإرسال الرسل إلا بما أُرسلوا به من الوحي في الكتب وغيرها. فالبشارة والنذارة المذكورتان في الآية قد تضمّنتها تلك الكتب المنزلة. وإن أعظم قضيّة تعلّقت بها إقامة الحجّة هي مسألة توحيد الخالق جلّ جلاله. فإن الكتب ما أنزلت والرسل ما أرسلت إلا لتحقيق هذه الغاية العظيمة. والتي أسهمت الكتب المنزلة في تقريرها وتأصيلها وتذكير الناس بها علي نحوي لا لبسَ فيه ولا غموض. حتي لم يبقَ بعد ذلك عذرى لمعتذر.
كما أنزل الله الكتب السماويّة لبيان صدق الرسل والأنبياء في دعواهم المتعلّقة بالبعثة والاصطفاء. ونحن نري كيف أنزل الله علي موسي عليه السلام تلك الألواح التي جاء وصفها القرآني: "وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْء" "الأعراف من الأية:145". فكان في وجودها دليلى علي صدق رسالته. ومما يُستشهد به في هذا المجال قول الحق سبحانه: "فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُل مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ" "آل عمران:184". فكُذِّب الرسل بالرغم من التأييد الإلهي بهذه الكتب المنزّلة التي تدلّ علي صدق دعوي الاصطفاء. فدلّ علي أن تأييدهم هو من الحكم الإلهيّة في إنزال الكتب.
كذلك أنزل الله الكتب السماويّة حتي يكون الكتابُ حَكَماً بينهم. وليُبيّن لهم الذي اختلفوا فيه. قال الله تعالي: "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ" "البقرة من الأية:213". فكلّ ما اشتملت عليه الكتب السماوية هي فصلى عند التنازع والاختلاف. لأنها أخبار صادقة. وأوامر عادلة. فهي حق. تفصل بين المختلفين في مسائل الأصول والفروع.. وأيضا أنزل الله الكتب السماوية حتي يقوم ميزان الحق بين الناس. فيأخذَ كلّ ذي حقيّ حقّه. ولا يظلم أحدى أحداً. لأن تلك الكتب هي المرجعيّة الدائمة لهم لمعرفة الاستحقاقات واستنباط الواجبات. ولو تُركت الأمور للناس لفسدت الأرض وضاع الحقّ لوجود الأهواء الفاسدة التي تمنع من إقامة سلطان الحق.. إلي جانب أن الكتب السماويّة. أنزلها الله لتكون مناراً للعلم ومنبعاً للحكمة. يقصده الناس فيجدوا فيه كلّ ما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم. ودينهم ودنياهم.. فالله سبحانه وتعالي لم يترك الناس حياري. بل رسم لهم معالم الطريق الذي يسلكونه لتحصل لهم النجاة والفوز في الدارين
كلّ ما ينبغي عليهم هو الرجوع إلي هذه الكتب السماويّة ليجدوا فيها بغيتهم.
أما الأنبياء فهم رسل الله تعالي إلي عباده يبلغونهم أوامره ويبشرونهم بما أعد الله لهم من النعيم إن هم أطاعوا أوامره ويحذرونهم من العذاب المقيم إن هم خالفوا نهيه ويقصون عليهم أخبار الأمم الماضية وما حل بها من العذاب والنكال في الدنيا بسبب مخالفتها أمر ربها.
وهذه الأوامر والنواهي الإلهية لا يمكن أن تستقل العقول بمعرفتها» ولذلك شرع الله الشرائع وفرض الأوامر والنواهي» تكريماً لبني الإنسان وتشريفاً لهم وحفظاً لمصالحهم» لأن الناس قد ينساقون وراء شهواتهم فينتهكون المحرمات ويتطاولون علي الناس فيسلبونهم حقوقهم فكان من الحكمة البالغة أن يبعث الله فيهم بين آونة وأخري رسلاً يذكَّرونهم أوامر الله ويحذرونهم من الوقوع في معصيته ويتلون عليهم المواعظ ويذكرون لهم أخبار السابقين.
اترك تعليق