ذلك الطريق الخفي ..صفحات من كتاب "في جوهر الكتابة"
كان البحر، في ذلك الصباح السكندري، يبدو كأنه يكتب شيئًا ثم يمحوه قبل أن يراه أحد. كانت الموجة تجيء، فترسم سطرًا طويلًا على الرمل، ثم تأتي أخرى فتأخذه معها، كأنها تخشى أن يبقى. وكانت النوارس تعبر الأفق في هدوء، بينما يمتد الكورنيش خلفي كذاكرة لا تنتهي، ويصعد من بعيد صوت الترام،...
ثمةُ من يرحلون، لكنهم يتركون أبوابًا لا تُغلق أبدًا. وبعضُ الطرق لا تبدأ من الأرض، بل من إنسانٍ غاب. للبحر طريقان؛ أحدهما يصل إلى الشاطئ، والآخر يصل إلى الماضي. وكلما وقفت أمامه، وجدت أن الطريق الثاني هو الأقرب. هناك، عند أول موجة، يعود الذين رحلوا، ويغدو الزمن أقل قسوة مما نظنه. وما...
تمام حسان.. عالم أعاد قراءة العربية والقرآن
ثمة كتب نقرأها ثم نغلقها، فلا يبقى منها بعد الأيام إلا عنوانٌ باهت، أو فكرة عابرة، أو ذكرى تتلاشى مع الزمن. وثمة كتب أخرى لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة؛ لأنها لا تكتفي بأن تضيف إلى معارفنا معلومة، بل تضيف إلى أرواحنا حياة، وتعيد تشكيل طرائق تفكيرنا، وتفتح لنا نوافذ لم نكن نعلم أنها...
ثمة معارفٌ لا يخرج منها الإنسان كما دخلها. وأخطرُ الطرق ليست تلك التى تقود إلى المجهول، بل التى تعيدك إلى نفسك شخصًا آخرا. فقد ظننتُ أننى سأكتب مقالًا... فإذا بى أكتب ما لم أكن أعرف أنه يعيش فى داخلى. إذ لم يكن ذلك اليوم مختلفًا... حتى بدأ العالم يبدّلنى دون أن يلمسنى. فى ذلك اليوم، كان...
بعضُ الطرق لا نغادرها أبدًا، وإن غادرناها. وبعضها لا ينتهي عند آخره، وإنما يبدأ منه. وهناك طرق لا أدري إن كانت ما تزال قائمة، أم أنها لم تعد تعيش إلا في الذاكرة. نظن أننا تركناها خلفنا، فإذا بها تسكننا؛ نستعيدها كلما فتحنا كتابًا قديمًا، وفاحت في الذاكرة رائحة ورقه الأصفر، أو مرَّ بخاطرنا اسم...
أعلامٌ لا يُنسَون .. الغمراوي : رائد دراسات الإعجاز العلمى
منذ زمن بعيد تراودني فكرة الكتابة عن علماء ومفكرين كان لكتبهم وأفكارهم أثرٌ عميق في تكويني؛ وجدانًا قبل أن يكون فكرًا ومعرفة. وقد آن الأوان لأن ترى هذه الفكرة النور، فأخصص لكل واحد من هؤلاء الأعلام وقفةً تستعرض شيئًا من سيرته، وتلقي الضوء على أبرز إنتاجه العلمي والفكري، وما تركه من أثرٍ في...
١ ـ أتبادلني... أيها البحر؟ أيها البحر... كم أحبك، أيها البحر، يا سارقَ الفجرِ من حريره. لم يبقَ غيرُ القهر. بادلني، أيها البحر. أتبادلني؟ سوف أبادلك بسرجِ مدينةٍ على جناحِ يمامة، وأعطني عصفورًا أخضرا، مرآةَ قلبٍ أورقَه الصبر. أودُّ لو بادلتُك......
نسيتُ أن أُخبركَ... أنَّ الفجرَ، حين مرَّ بقربي، كان يحملُ شيئًا من عطرك، أنَّ البحرَ ما عاد بحرًا، ضاعَ في برِّيَّتِكَ. -- أنني ما عدتُ أذكرُ أسماءَ مدنٍ، ولا وجوهَ عابرين. كيف أذكرُ شيئًا، ولم يبقَ إلا وطنُ الحنينِ؟ لا أذكرُ غيرَ صمتٍ يسبقُ خطوتي. --...
ظلَّت الكرة الأرضية فوق مكتبي ساكنةً منذ أسابيع. كلما مددتُ يدي إليها لأديرها، تراجعت في اللحظة الأخيرة. كنت أخشى أن تدور فلا أجد الإصبع التي كانت توقفها فجأة، وتقول بثقةٍ لا تعرف التردد: «كلُّ القارات يمكن اكتشافها... إلا المرأة.» كنت أبتسم كلما سمعتها، ثم أنظر إليه فلا أجد...
كنتُ أتساءل: ماذا لو كان أجملُ ما رأيناه في حياتنا... لم يكن جميلًا أصلًا، بل كانت أرواحُنا هي التي منحته جماله؟ وإذا كان الجمال لا يسكن الأشياء، فمن الذي يضعه فيها كلما نظرنا إليها؟ هل يمكن أن يكون العالم بلا جمال، وأننا نحن من نصنعه كلما نظرنا إليه بقلوبنا وأرواحنا؟ ماذا لو كان الجمال...
ليست عظمة الإنسان في أنه نظر إلى السماء، بل في أنه أدرك أن اتساع الكون لا يبدأ من النجوم... وإنما من السؤال الذي وُلِد في داخله. وربما لم تكن أعظم رحلةٍ في تاريخ الإنسان هي تلك التي حملته إلى النجوم، بل تلك التي دفعته لأن يسأل، للمرة الأولى: هل نحن وحدنا في هذا الكون؟ فرحلة...
من الأسئلة المربكة للعقل.. إذا كان الجمال هو النهاية... فلماذا يتركنا دائمًا نبحث عن شيءٍ آخر؟ وهل يمكن أن يكون أجمل ما في الجمال... هو ما لا نراه؟ وماذا لو لم يكن الجمال شيئًا نراه... بل شيئًا يتذكره القلب؟ هل حدث أن وقفت أمام شيء بدا عاديًا للجميع، لكنه غيّر داخلك شيئًا لا تستطيع...
ماذا لو كان كل ما نراه في هذا الكون، من دوران المجرات إلى اهتزاز أصغر الجسيمات، ومن ولادة النجوم إلى انحناء الضوء والزمن نفسه، مجرد تعبيرات مختلفة عن قانون واحد بسيط لم نكتشفه بعد؟ وماذا لو كانت آلاف المعادلات التي كتبها العلماء عبر القرون ليست سوى شظايا متناثرة لحقيقة واحدة أكبر منها...
هناك لحظات لا يحدث فيها شيء على الإطلاق، لا شئ أبدا. ومع ذلك نشعر كأن العالم كله يمر في داخلنا. تجلس في غرفة هادئة منعزلة، أو بجوار نافذة ينساب منها ضوء الفجر، فنسمع صوت الحياة وهي تمضي في الخارج بخطواتها المعتادة؛ كفراشة تنطلق من شرنقتها للحياة اول مرة... الناس يذهبون إلى أعمالهم، والقطارات...
"استيقظتُ متأخرًا… ليس من النوم، بل من حياتي، بل من وجودي ذاته.. من واقع لم أعد أستطيع البقاء فيه، لأجد العالم قد تراجع.. وأنا أقف في صمت يلتهم كل ما أعرفه، وكل ما أملك وكأنني مجرد ظل يراقب نفسه وهو يتلاشى تدريجيًا بلا أثر، حيًّا بما يكفي لأختفي دون أن يلاحظني أحد. كأنني لم أكن...
أَيا " هِنَرِي مَاتِيسْ " أَتَذَكَّرُ طَنْجَة.. ؟ ! أُنْسِيَتْ نَافِذَةُ اَلْغُرْفَةِ " اَلْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِين " ؟ ! أَتْرَاك نَسِيتَ اَلْخَان اَلْعَتِيق أَقَتَلَتَ اَلْأَلْوَان أُم قَتَلَتَكَ الحَيْرَةِ وَالدَّهْشَةِ .. ؟! ...