بوتين يريد أوكرانيا الحليفة أو المحايدة.. وإبعادها عن فلك الغرب والناتو
أهداف العمليات العسكرية الروسية فى أوكرانيا
"يبدو أن القادم أسوأ ".. هكذا جاء تحذير الرئاسة الفرنسية بشأن الأزمة الأوكرانية، بعد أن أبلغ الرئيس الروسى فلاديمير بوتين نظيره الفرنسى إيمانويل ماكرون، بأن شروطه التي لا تقبلها كييف عبر الدبلوماسية سيفرضها عبر العمليات العسكرية.
وفى اتصال هاتفى امتد لـ90 دقيقة، قال بوتين لماكرون، إن العمليات العسكرية ستتواصل في أوكرانيا. ونقلت شبكة"سى. إن. إن" الأمريكية، عن مصدر فى الإليزيه، قال للصحفيين: "للأسف كانت المحادثة مناسبة لسماع أن الرئيس بوتين سيواصل تدخلاته العسكرية وسيستمر بها حتى النهاية".
وتابع المصدر قائلا: "سمح الاتصال لرئيس الجمهورية بإثارة النقاط الخلافية مع روسيا مجددا والتماس اللجوء للبدائل الدبلوماسية للعملية العسكرية ولإبلاغ الرئيس بوتين بحقيقة نظرتنا للحرب في أوكرانيا والعواقب التي ستتحملها روسيا على المدى البعيد".
ودار تبادل صريح لوجهات النظر بين يوتين وماكرون حول الوضع في أوكرانيا، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الروسية الرسمية (تاس). وأشار تقرير نشرته وكالة "نوفوستي" الروسية الرسمية إلى إن المحادثات كانت "صعبة" وتطرق فيها بوتين إلى أن أوكرانيا مارست "سبع سنوات من تخريب" اتفاقيات مينسك.
واتفق الرئيسان على إبقاء باب الحوار مفتوحا وفق ما قاله الفرنسيون والروس. وحذر بوتين الغرب من أن موسكو سيكون لها مطالب جديدة من كييف في حال استمرت المحادثات بين روسيا وأوكرانيا، وأن العمليات العسكرية ستتواصل بكل الأحوال، وفقا للوكالة الروسية.
ونفى الرئيس الروسي أن يكون قد قصف العاصمة الأوكرانية كييف، وحذر من أن الوضع سيزداد سوءا، محملا أوكرانيا المسئولية. وبالمقابل، حذر ماكرون بوتين من أنه يرتكب "خطأ فادحا" وفقا للمصدر، الذي كشف أن الرئيس الفرنسي أبلغ نظيره الروسي أن مطالب موسكو بتحييد أوكرانيا وسحب السلاح منها "غير مقبولة" وأن مسئولية هذه الحرب بالكامل تقع على عاتق بوتين.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، إن الأمال تتضاءل بشأن نهاية قريبة للقتال فى أوكرانيا، بعد أن أعلن الكريملين إن العمليات العسكرية فى أوكرانيا تسير وقف خطة، وتحذير الرئاسة الفرنسية بأن بوتين يبدو أنه عاقد العزم على السيطرة على جميع الأراضى الأوكرانية.
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن مسئول بارز فى الرئاسة الفرنسية قوله" تحليلنا للعمليات العسكرية إن روسيا تستهدف السيطرة على جميع الأراضى الأوكرانية. وقال المسئول الفرنسى إن ماكرون بدا متشائما بعد انتهاء الحوار الهاتفى مع بوتين.
وأضاف المسئول الفرنسى الذى تحدث شريطة عدم الإفصاح عن هويته: "لا شئ يؤكد نجاح العمليات العسكرية فى أوكرانيا إلى الآن، لكن يتعين أن نتوقع بأن الأسوأ قادم. لا يوجد شئ فيما قاله الرئيس الروسى يبعث على الطمأنينة".
وهذا الاتصال بين بوتين وماكرون هو الثالث من نوعه بين الرئيسين منذ بدء العمليات العسكرية الروسية فى الأراضى الأوكرانية، حيث سبق أن حدد الرئيس الروسى لنظيره الفرنسى، شروط بلاده للتوصل إلى تسوية حول الوضع في أوكرانيا. وتضمنت الشروط الروسية الاعتراف بضم القرم ونزع سلاح أوكرانيا وإعلانها الحياد.
وأفاد بيان أصدره الكرملين بأن بوتين أبلغ ماكرون خلال المكالمة استعداده لمواصلة الحوار، لكنه شدد على أن تسوية الوضع حول أوكرانيا ممكن فقط إذا تم أخذ المصالح المشروعة لروسيا في مجال الأمن في الاعتبار دون قيد أو شرط.
ووفقا للبيان، فقد شدد بوتين على ضرورة التزام كييف بثلاثة شروط من أجل تهدئة الوضع ووقف العملية العسكرية، وهي الاعتراف بالسيادة الروسية على القرم، ونزع السلاح وإنهاء هيمنة القوميين المتشددين على الدولة الأوكرانية، فضلاً عن ضمان الوضع المحايد لأوكرانيا.
لكن هناك أهداف أخرى يصر بوتين على تحقيقها سواء عبر الدبلوماسية أو العمليات العسكرية فى أوكرانيا، ورصدتها صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية، نقلا من خلال عدد من الخبراء.
توماس جراهام، وهو مدير سابق للشئون الروسية في مجلس الأمن القومي في إدارة الرئيس جورج بوش الإبن، والذى قال: "أين سيقف بوتين؟ لا أحد يعرف"، لافتًا إلى أن الرئيس الروسي خدع المجتمع الدولي وأخفى نواياه الحقيقية أشهرًا، متلطيًا وراء المبادرات الدبلوماسية". أضاف: "بوتين ينوي نزع سلاح أوكرانيا، وبالتالي يريد تدمير البنية التحتية العسكرية الأوكرانية، وتنصيب حكومة دمية تابعة للروس".
أما أندريه كوليسنيكوف، رئيس برنامج السياسات المحلية والمؤسسات السياسية الروسية في مركز كارنيجي بموسكو، فيجد صعوبة في رسم الحدود التي ستبلغها "لعبة بوتين" في أوكرانيا. قال: "ربما يريد فرض إرادته على الغرب، أو يريد دونباس ولوغانسك تابعتين لروسيا بشكل رسمي، أو يريد حكومة تابعة له في كييف. كل هذا ممكن. لكن الأكيد أنه يريد إخضاع العالم أجمع لإرادته".
وافقه راجان مينون، الأستاذ الفخري بجامعة نيويورك والباحث في معهد سالتزمان لدراسات الحرب والسلام بجامعة كولومبيا، رأيه مذكرًا ببيان بوتين للروس غشية الحرب، ولافتًا إلى عنف الغارات الجوية والصاروخية على أوكرانيا، "فهذه مؤشرات إلى قرار بوتين نسف الجسور التي تربط أوكرانيا بالغرب، ولو دفع ثمنا اقتصاديا وسياسيا بسبب ذلك".
يظن فرانسيس فوكوياما، من معهد فريمان سبوجلي للدراسات الدولية بجامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، أن بوتين يسعى إلى انهيار النظام الديمقراطي في أوكرانيا، وتنصيب حكومة ظل يتحكم بها من موسكو.
قال فوكوياما: "لكن، لا تملك روسيا الآن قوات كافية لإخضاع بلد يسكنه 40 مليون نسمةـ فهو يريد استهداف الجيش الأوكراني لإضعافه، والضغط على البلاد اقتصاديًا لتصبح أوكرانيا دولة فاشلة، لذا يجب الانتباه إلى موانئ أوكرانيا على البحر الأسود، ماريوبول وخيرسون وأوديسا، فهي تعد ضرورية لاقتصاد أوكرانيا كونها مصدر زراعي مهم، وإذا فرضت روسيا حصارا عليها سيكون لها مصدر كبير للضغط الاقتصادى على أوكرانيا".
ويرى الغرب أن بوتين يحاول السيطرة على أوكرانيا منذ سنوات، فهو يريد أن يكون الشخص الذى فى عهده أعاد أوكرانيا إلى فلك روسيا. كما أن موسكو منزعجة بشدة من فكرة انضمام أوكرانيا إلى حلف «الناتو»، بل ويمثل ذلك خطاً أحمر، ويرجع ذلك إلى أنه وفقاً للفصل الخامس من اتفاقية «الناتو»، فإن أى هجوم يتعرض له عضو فى الحلف يعتبر هجوماً على الحلف بأكمله، ما يعنى أن أى هجوم عسكرى روسى على أوكرانيا يعنى وضع موسكو فى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، والدول الـ27 الأعضاء فى الحلف.
وهناك العديد من النظريات الغربية، التى ترى أن بوتين يريد إعادة بناء دائرة النفوذ الروسى فى شرقى أوروبا، وخاصة فى الجمهوريات السوفيتية السابقة مثل إستونيا ولاتفيا وبيلاروسيا وجورجيا وليتوانيا وأوكرانيا، حيث وصف بوتين انهيار الاتحاد السوفيتى بأنه "أكبر كارثة جيوسياسية فى القرن" فى عام 2005.
ويخشى الغرب أن يستهدف بوتين دولاً أوروبية أخرى إذا نجح فى أوكرانيا. ورغم ان أوكرانيا ليست حتى الان عضوًا فى حلف الناتو، إلا أنها تتلقى دعما غير محدود من الاسلحة والمعونات العسكرية من الدول الاوربية والولايات المتحدة وتلقت أخيراً مساعدات دفاعية من الولايات المتحدة ودول البلطيق وبريطانيا تحت دعوى التصدى لهجوم روسى جديد. كما أرسلت دول البلطيق صواريخ مضادة للدروع والطائرات لأوكرانيا، كما وصلت أول دفعة من مساعدة دفاعية أمريكية بقيمة 200 مليون دولار إلى كييف شملت 90 طناً من "الأسلحة الفتاكة" تضمنت ذخيرة للقوات على الخطوط الأمامية.
وأعلنت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، الدول الثلاث الأعضاء فى حلف شمال الأطلسى أنها ستزود أوكرانيا بأسلحة أمريكية منها صواريخ مضادة للدروع والطائرات. وصواريخ جافلين المضادة للدروع، وصواريخ ستينجر المضادة للطائرات وأسلحة أخرى إلى أوكرانيا. كما زودت بريطانيا أوكرانيا بنظام أمنى جديد لمساعدتها على تعزيز قدراتها الدفاعية.
وقد رفض الناتو تقديم أى ضمانات لروسيا بأنها لن تقبل أوكرانيا كعضو فى يوم من الأيام فى حلف الناتو ويدرك بوتين جيدًا أن أوكرانيا لو أصبحت عضوًا فى الناتو، هذا يعنى أنها ستكون سكينًا مغروزة فى خاصرة روسيا ، ومن ثم هو ينظر لأوكرانيا من 3 زوايا: أوكرانيا الحليفة أو أوكرانيا المحايدة أو لا أوكرانيا على الخريطة.