365 يوم تعاسة
بقلم: إيمان ماهر منسي
ساعات قليلة تفصلنا عن انتهاء فترة عصيبة في حياة طلاب الصف الثالث الثانوي في جمهورية مصر العربية. ساعات معدودة و يدق ناقوس الحرية معلنا نهاية 12 شهر ب 365 يوم و 48 أسبوع من المعاناة و الضغط النفسي و العصبي. ساعات قليلة و يعود هؤلاء الطلبة لحياتهم الطبيعية، التي كانت قد توقفت كليا لمدة عام كامل: فقد سيطر عليها روتين يومي قاتل و مسلسل ذو رتابة غير مسبوقة أفقدهم طعم الحياة و جعتلهم يشعرون بالهم الممزوج بالخوف في سن صغيرة. خلال الساعات القليلة القادمة، تنقشع غمة الثانوية العامة و ينتهي بذلك الكابوس الذي صاحب طلاب الصف الثالث الثانوي للعام الدراسي 2017/2018. يوم 1 يوليو، سيعلن عن شروق شمس يوم سعيد للطلاب الذين سيتخلصون أخيرا من قيود شبح الثانوية العامة المفزع.
أيعقل هذا، أيها السادة؟ هل من المعقول أن نتحدث عن عام دراسي، مستخدمين تلك اللغويات المفزعة؟ لماذا تحولت الثانوية العامة إلي عقوبة تُفرَض علي كل طالب للحصول علي جواز المرور إلي الحياة الجامعية؟ لماذا أصبحت تقشيرة المرور للحياة الجامعية باهظة الثمن علي الطالب و علي ولي الأمر علي حد سواء؟ كيف لهذا الكوبرى- الذي يعتليه طلاب الصف الثالث الثانوي في أنحاء الجمهورية و الذي من المفترض أن يكون ممهدا لتأمين مرورهم إلي الجامعات- أن يفترشه هذا الكم من العوائق فيستعصي علي الطالب تحقيق هدفه بسهولة و يسر؟
تبدأ معاناة طالب الثانوية العامة قبل عام، أي منذ الصف الثاني الثانوي، عندما يُطلب إليه أن يختار بين القسمين العلمي و الأدبي، ليبدأ أول فصل من مسرحية الثانوية العامة مع أحد المُسَلَّمات التي لم و لن تتغير علي مر العصور: فيستمع الطالب إلي الأقاويل المشهورة مثل: "ادخل علمي عشان مافيهوش حفظ فيه فهم" أو "ادخل علمي رياضة أسهل" أو "ادخل علمي عشان الأدبي ده للأغبياء" أو "إزاي ولد يدخل أدبي؟ الولد يدخل علمي إنما أدبي ده للبنات" كلها ادعاءات كاذبة ليس لها أساس من الصحة و مسلمات عنصرية من شأنها التشويش علي تفكير الطالب و قدراته. فبدلا من توجيه الطالب و مساعدته علي الاختيار، تصيب مثل هذه الأقاويل الطالب بمزيد من التردد و الإحباط و تقتل طموحه.
علي الصعيد الآخر، و بعد انتهاء فقرة الاختيارات، يمر الطالب بمرحلة جديدة بل و بمشهد هزلي ألا و هو، حجز الدروس الخصوصية. هذا المشهد، الذي أقل ما يوصف به أنه إهانة لرسالة التعليم السامية كما يجب أن تكون. و عليه يقوم الطلاب بالتدافع، لحجز الدروس عند هذا المعلم أو ذاك؛ فتجد أعدادا مهولة من الطلاب تتبارى للوصول إلى الأستاذ فلان الفلاني و قد يتغيبون عن يومهم الدراسي لأن الأستاذ "س" فتح باب الحجز عن طريق الإنترنت من الساعة التاسعة صباحاً إلي الساعة الحادية عشر صباحا و بعد ذلك لا يقبل الحجز. فأي استهزاء بالتعليم و بالمدارس هذا؟ أي استهتار يتم التعامل به مع المؤسسات التعليمية؟
و لا تكتفي مافيا الدروس بهذا القدر من الاستخفاف بالطلاب و بأولياء أمورهم و لكن يصل بها الجشع لأن تطلب مقدماً بالإضافة لمبلغٍ من المال لحجز "الملازم" التي سيتم الاستعانة بها طوال العام الدراسي لتحل محل الكتب الدراسية و التي عادة ما تصل الطلاب والطالبات بعد فترة طويلة من بدء العام الدراسي.
لكن عندما كنت طالبة في الثانوية العامة و عندما أتأمل الآن المشهد عن بعد، تراودني عدة تساؤلات: لماذا يتسابق الطلاب للفوز بمكان عند الأستاذ "س" أو "ص" من مشاهير مدرسي الثانوية العامة؟ هل شهرة هؤلاء الأساتذة هي التي تجلب النجاح و الدرجات النهائية؟ و ليكن.. فلماذا عندما يتوقف الطلاب عن الدروس و يبدأون فترة المراجعة، يعانون كثيراً و كأنهم لم يحضروا الدروس الخصوصية قط علي مدار العام؟
و لماذا لا يحصلون جميعهم هلي الدرجات النهائية؟
هل أدركتم أن كل ما تحدثت عنه في السابق، أو دعوني أطلق عليها الحلقات الأولي من مسلسل الرعب الذي يدعي الثانوية العامة، تتم في الصف الثاني الثانوي فقط؟ أدركتم الآن كم الضغط النفسي و العصبي و المادي الذي يتعرض إليه الطلاب و أولياء أمورهم قبل أن تطأ قدمهم حدود الصف الثالث الثانوي؟
هذا الطالب المسكين لايمكنه الاحتفال بنجاحه في الصف الثاني الثانوي و يُحرَم من أجازة الصيف كي يبدأ عامه الدراسي مبكراً و بالتحديد في شهر يوليو -علما بأن بعض الأساتذة يبدأون دروسهم ببعض حصص المراجعة علي ما سبق في شهر يونيو- ليدخل في دوامة مرهقة تتلخص في الخروج من المنزل في الصباح الباكر و التنقل من "السنتر ده للسنتر ده" و "من الدرس ده للدرس ده". فيعود للمنزل، ليلاً، أشبه بجثة هامدة و في رأسه فيضان من المعلومات يتحتم عليه مذاكرتها لليوم التالي حتي لا تتراكم عليه الدروس و حتي يمكنه الحصول علي درجة مقبولة في الامتحانات اليومية و الشهرية قبل أن يتلقي أولي الأمر اتصالا هاتفيا من السكرتارية التي ستخبرهم بطريقة فظة درجة الامتحان. و أما عن المصاريف التي يتحملها الطالب و ولي الأمر خلال تلك الرحلة الممتدة من الصباح للمساء، فحَدِّث و لا حَرَج؛ حيث تشمل تلك المصاريف وسائل المواصلات التي يستقلها الطالب، و قيمة الحصة أو الدرس و الوجبات التي يتناولها نظرا لعدم تواجده في المنزل. ناهيك عن مهزلة الأعداد الضخمة التي تحضر الدروس الخصوصية و التي تجعل بعض الطلاب غير قادرين علي التركيز أو الاستيعاب.
يظهر تساؤل آخر يدور برأسي: أين هي المدرسة من كل هذ الهراء؟ لماذا لا تقوم المدرسة بدورها الطبيعي في تحضير الطلاب لاجتياز الثانوية العامة - خاصة و أن هناك معلمين من ذوي الضمير ممن يلتزمون بالقيام بدورهم علي أكمل وجه؟ ففي بداية كل عام يتم تهديد الطلاب بمسألة الغياب، فيتثبتون حضورهم فقط لمدة محددة تحت ضغط هذا القرار الذي يقلقهم للغاية و خوفا من فقدان الدرجات التي يدفعون كل غالٍ و نفيس للحفاظ عليها. و لكنه حضور مخزٍ لا فائدة منه: إذ تجد الطلاب آتين للنوم أو لمذاكرة ما شرحه المدرس في الدروس الخصوصية أو لقضاء وقت لطيف مع الزملاء.
يظل طالب الثانوية العامة علي هذا الحال حتي ينهي منهجه لتبدأ مرحلة جديدة من المعاناة، ألا و هي، فترة المراجعة، و التي تحتاج لميزانية جديدة على حد قول الطلاب: فيضطر أولياء الأمور لتوفير مبلغ جديد من المال لدروس المراجعة. ثم يبدأ الطالب فترة الامتحانات: تلك الفترة التي ترهقه نفسيا و جسديا و ترهق عقله. و بدلا من أن تمر بسلام، قد تصدمه بعنصر لم يكن في الحسبان و من شأنه هدم كل أحلامه: أقولها و بكل أسف الغش.
الغش و أصهاره من أساليب تسريب الامتحانات يقفون عائقا في وجه الطلاب والطالبات من المتفوقين، و الذين بذلوا قصارى جهدهم طوال عام دراسي كامل، آملين أن تُكلل مساعيهم بالنجاح والتوفيق. و عليه يتساءل الطلاب المجتهدون: أين هو العدل؟ كيف لطالب حكَّم ضميره و قام بواجبه علي أكمل وجه أن تتم مساواته بمن لم يبذل أدني مجهود و سوَّلت له نفسه الغش- أيا كانت طريقته- للحصول علي درجات ليست من حقه؟ أليس من حق كل من تعب و سهر الليالي أن يُكافأ و يُقَدَّر؟ أليس من حق ذلك الطالب الأمين أن يحظي بفترة امتحانات آمنة يعاقب خلالها كل من لا يحترم قدسيتها؟
قبل أن أسدل الستار علي مسرحية الثانوية العامة لهذا العام، أود الإشارةألي أن محتوي مقالي هذا، ليس بالجديد. فهذه ليست المرة الأولي التي تثار فيها تلك القضية التعليمية و لن تكون الأخيرة. و عليه، أعلم أنه كي يتوقف الحديث عن هذه القضية أو لكي يتغير مجري الحديث عنها لتأخذ شكلا إيجابيا، يتعين علينا التحلي بالوعي الكامل و عدم الانسياق وراء الأقاويل و المسلمات. فلم لا نتعامل مع الثانوية العامة كأي عام دراسي؟ لماذا لا يذهب الطلاب إلي مدارسهم لتلقي دروسهم كما اعتادوا الأمر خلال ثلاثة عشر عاماً؟ لماذا يُصِّر الطلاب و أولياء أمورهم علي الخضوع لقواعد لعبة الثانوية العامة خوفا من النتائج؟ لماذا لا تأخذ المؤسسات التعليمية تلك القضية علي محمل الجد لتحارب مافيا الدروس الخصوصية و تجارتها؟ لماذا لا يتم الالتزام بموعد وصول الكتب المدرسية مع بدء العام الدراسي و ترتيب. مواضيعها بطريقة جيدة تمكن الطالب من الاستغناء عن ملازم الدروس الخصوصية؟ لماذا لا يتم التفكير في حلول واقعية وفعالة للقضاء على ظاهرة الغش التي باتت جزءا لا يتجزأ من امتحانات الثانوية العامة؟ لم لا نكف عن إيجاد حلول مؤقتة و استبدالها بحلول جذرية؟ لقد سئمنا تلك الأنظمة الحديثة التي لم و لن تفيد ما دام الأساس ليس بأرض صلبة. فالثانوية العامة هي صورة مصغرة لمنظومة التعليم التي، هي الأخرى، تحتاج لإعادة النظر، لا سيما و أنها الركيزة الأساسية للنهوض بأي دولة.
لن أطيل عليكم أكثر من ذلك، و لكن كل ما أتمناه لطلاب الثانوية العامة أن يقضوا إجازة سعيدة و أن تتوج جهودهم بالنجاح والتوفيق راجية من الله أن تتحسن صورة الثانوية العامة كي لا نفقد طلابنا بسبب 365 يوم تعاسة..